الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

التوجه الامريكى من الشرق الأوسط الى جنوب و شرق آسيا و تداعياته على المنطقة العربية

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

اتجهت جميع الأنظار الى الشرق الأوسط تقليديا بالنظر إلي موقعه من القوي الأوروبية الرئيسية التي شهدت انطلاق الثورة الصناعية في القرن السادس عشر الميلادي، كونه يقع علي طرق الملاحة والتجارة الدولية الرئيسية في ذلك العصر، مما استحث حركة استعمارية قادتها الدول الأوروبية الكبري للعديد من مناطقه وأقاليمه، مسلحة بقدرة نيرانية متفوقة وغير مسبوقة في تاريخ الصراعات الإنسانية حتي ذلك الحين.
ومع مطلع القرن العشرين، بدأت تبرز أهمية النفط، الذي تمتعت المنطقة، وفي مقدمتها بلدان الخليج العربي، بثروة وافرة منه،كونه المصدر الرئيسي للطاقة في العالم المعاصر، وارتفعت بالتالي أهمية الشرق الأوسط علي سلم السياسة الدولية، وباتت الهيمنة علي الشرق الأوسط وضبط تفاعلاته إحدي أهم ركائز القوة الدولية القائدة للنظام الدولي. وشكل التنافس الدولي علي الهيمنة علي الشرق الأوسط الاتجاهات الرئيسية للحرب والسلم في المنطقة طوال القرن العشرين، بقدر ما مثّل نفوذ القائد الدولي في المنطقة الضمانة الرئيسية لاستقرارها الجيوسياسي، خاصة في مواجهة أي محاولات تثوير داخلية أو أطماع من دول جوارها الإقليمي.
أخذت معادلة النفوذ الدولي/الاستقرار الجيوسياسي في الشرق الأوسط تشهد تحولات مهمة منذ مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ولعل التحول الأهم كان المتعلق بتراجع أهمية نفط المنطقة علي سلم أولويات القائد الدولي، ممثلا في الولايات المتحدة، وارتفاع تكلفة ممارسة عمليات الضبط والسيطرة الأمريكية فيها بشكل مباشر، خاصة مع بروز محدودية موارد القيادة الأمريكية عالميا. وقد ارتبط تراجع أهمية نفط الشرق الأوسط بالنسبة للولايات المتحدة بعاملين أساسين:
أولهما: زيادة الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري، خاصة منذ عام 2011، مما جعل الولايات المتحدة بحلول عام 2014مصدرا صافيا لمنتجات النفط المكررة. ومع زيادة الإنتاج الأمريكي من النفط فقد خفضت الولايات المتحدة وارداتها من النفط
أما ثاني هذين العاملين، فهو المتعلق بتطور فنون الإنتاج (التكنولوجيا)، سواء الخاصة بإنتاج مصادر بديلة للطاقة، أو برفع كفاءة المعدات والآلات في استهلاك الطاقة. وقد صاحب ذلك انخفاض في إجمالي استهلاك الولايات المتحدة من النفط، خلال الفترة نفسها، ويرجح أن يتواصل هذا الاتجاه، بل وأن يتسارع، في الولايات المتحدة وخارجها، بما يعني تراجع أهمية النفط بشكل عام ضمن هيكل مصادر الطاقة في الولايات المتحدة، وعبر العالم.
ويعني ذلك أن الشرق الأوسط لا يمكن أن يراهن علي استمرار أهميته كمصدر رئيسي للطاقة بالنسبة للاقتصاد العالمي في الأمدين المتوسط والبعيد، وبالتالي سيكون من الصعب الرهان علي ثروة المنطقة النفطية كمصدر لضمان أي التزام دولي بأمن الشرق الأوسط علي المدي البعيد.
برز إثر هذا التراجع في أهمية منطقة الشرق الأوسط، ما شهدته السياسة الأمريكية من تصاعد نفوذ الاتجاه الداعي إلي خفض الانخراط الأمريكي في تلك المنطقة، منذ عام 2005، خاصة مع ارتفاع التكلفة المادية والبشرية للوجود الأمريكي في أفغانستان والعراق. وتأكد هذا الاتجاه مع وصول إدارة الرئيس باراك أوباما الأولي إلي البيت الأبيض عام 2009، حيث قدرت تلك الإدارة أن مصالح الولايات المتحدة الرئيسية، خلال القرن الحادي والعشرين، تتركز في جنوب وجنوب شرق آسيا، مما دفعها لتطوير استراتيجيتها المسماة "الاستدارة شرقا" وإن ظلت المعضلة الأساسية، هي ماهية النظام الذي يمكنه ضمان ألا تتحول المنطقة إلي بؤرة إرهاب عالمية، خاصة مع ما بدا من عوامل تآكل في قواعد الشرعية التي تعتمدها أنظمة الحكم عبر المنطقة بأسرها. ويمكن، في هذا السياق، تبين ملامح ثلاث استراتيجيات أمريكية متوالية:
- الفوضي الخلاقة التي استهدفت رفع الدعم عن أنظمة الحكم القائمة في بعض دول المنطقة، ومنح فرصة لما تصورته السياسة الأمريكية تيارا إسلاميا معتدلا ليكون بديلا للأنظمة القائمة، وللتطرف الإسلامي في آن واحد. وقد كشفت أحداث السنوات الخمس الأخيرة عن تهافت هذا التصور، بسبب عدم وجود فوارق حقيقية بين التيارات المختلفة التي تتبني دعاوي السياسة المقدسة، سواء أكانت معتدلة أم متطرفة، حيث تتعاضد وبعضها بعضا، مثلما كشفت خبرة حكم الإخوان المسلمين في مصر، وليبيا، وتونس، وتنتهج جميعها نمط سياسات يغذي الإقصاء، والتطرف، والإرهاب، وكذلك بسبب رفض شعوب المنطقة لهذا الخيار.
- سياسات التوازن الطائفي، من خلال خلق توازن قوي طائفي، سني-شيعي، بين إيران والدول العربية ذات الأغلبية السنية. وفي الواقع، فقد أدي الدفع باتجاه خلق مثل هذا التوازن إلي إثارة نعرات الصراع الطائفي ومفاقمتها، خاصة مع الصراع بين إيران والسعودية علي مناطق النفوذ في المنطقة. ولم تكن النتيجة الإقليمية سوي تعزيز قوي الإرهاب وتنظيماته إقليميا، ونشر قيم التطرف، ومشاعر الكراهية الطائفية بين فئات مهمة من المسلمين التي عانت اغترابا ثقافيا أو تهميشا عبر العالم.
- مع بروز مخاطر كلتا الاستراتيجيتين السابقتين، بدا وجود قبول أمريكي، منذ منتصف عام 2015؟ لمحاولة تأسيس نظام أمني متعدد الأطراف ومتوازن في المنطقة، بحيث تلعب بعض التحالفات الإقليمية، إضافة إلي حضور مباشر من قبل قوي دولية ذات مصالح في المنطقة، أدوارا أمنية محدودة ومتنافسة، تحت رعاية أمريكية. برز ذلك في القبول الأمريكي بدور عسكري روسي مباشر في سوريا، وإنشاء قاعدة بريطانية في البحرين، في أول عودة لوجود بريطاني عسكري مباشر في المنطقة منذ غادرتها عام 1971، فضلا عن السماح بدور فرنسي في بعض المرتكزات التي تقدر السياسة الفرنسية أنها مهمة لأمنها أو لمصالحها الاقتصادية.
تتمثل معضلة هذه الاستراتيجية الأخيرة في أن تنافس الأدوار والأجندات الأمنية بين القوي الإقليمية يهدد بتفجر مستمر للصراعات فيما بينها، أو بينها وبين القوي الدولية الآخذة في تأسيس مراكز أمنية جديدة لها في المنطقة. فضلا عن ذلك، فإنه لا يبدو أن أي قوي دولية أخري راغبة في تحمل أي أعباء أمنية تتجاوز ضمان مصالحها المباشرة والمحددة في المنطقة، مثل الوجود الروسي في شرق المتوسط، أو مساعي الصين لتأسيس قاعدة عسكرية في جيبوتي لتأمين طرق الملاحة البحرية مع شرق إفريقيا وعبر البحر الأحمر. ويعزز احتمال محدودية انخراط قوي دولية، بخلاف الولايات المتحدة في صياغة أي معادلات أمنية جديدة في الشرق الأوسط، البروز المتزايد لمنطقة القطب الشمالي كمركز لثروات وافرة من النفط والغاز وغيرهما من الموارد الطبيعية، فضلا عن التنامي التدريجي في أهميتها كممر ملاحي، حتي لو كان موسميا، لكنه أقصر وأكثر أمنا مما عداه من طرق ملاحية تقليدية، خاصة تلك التي تمر عبر الشرق الأوسط.
ينبئ ما تقدم بأن تلك المرحلة لن يجلوها سوي خيارات شعوب المنطقة، إما بتبني عمليات تحول سياسي، واقتصادي، وثقافي، تتيح لها الانتقال باقتصاداتها من نمط الاقتصاد الريعي إلي اقتصادات صناعية متقدمة، لتصبح مساهما حقيقيا في حركة النمو العالمي والتطور الإنساني في مجمله، أو لن تكون سوي بؤرة تهديدات لا يعني بها العالم إلا من منطلق تطوير استراتيجيات احتواء مخاطره

التعليقات