الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أن تكون ناقدًا.. 4

أن تكون ناقدًا (4)

أي أن تكون مجردًا..
والنزوع إلي التجرد ليس من المعطيات البسيطة التي يمكن أن يكتسبها الناقد، فالتجرد يصعد بك إلي مستويات صعبة، كأن يضعك كناقد أما وجهة نظرك. فهل تستطيع التجرد منها، وتحيد عنها، لتنظر في الموضوع أو الأمر متجردًا منها؟!
إن مشكلة الناقد اليوم هي عدم التجرد في نظرته إلي الأمور وبناء النتائج، حتى لو جاءت النتائج بعيدة بعض الشيء - أو كثيرًا عما يؤمن ويعتقد به نقدًا، لكن هذا النزوع إلي التجرد هو المنوط به أن يجعل من النقد علمًا لا مجرد قول علي الهوى والذوق الأدبي أو الفني.
لكونك كتبت في موضوع معين، أو صرحت برأي في اتجاه معين وجاء بعدك من يقول قولاً مخالفًا لما ذهبت إلي أو تصورته دون القول به تصريحًا، فهذا يجعلك تأخذ مقفًا مهاجمًا معاديًا لدلك القول المختلف، لكن النزوع إلي التجرد سيجعلك محايدًا في نظرك للجديد المختلف، تنظر إلي معطياته وآلياته التي أدت إلي نتائجه المغايرة، وتتمهل في حكمك وموقفك منه، وإن كنت متجردًا حقًا ربما استطاع هذه القول المغاير أن يجعلك تراجع بعض تصوراتك عما يقول، وقد يذهب بك ابعد من ذلك إلي مرجعة رأي ربما تكون قد قلته في وقت سابق، لكن القول الجديد المختلف أنار لك تجردك في تعاطيه مراجعة وتصحيح ما قد ذهبت إليه فيما مضي.
أن تتجرد..
ربما تعني أكثر من ذلك بكثير، إنها تدفعك عزيزي الناقد إلي أن تتوافق.. كما تدفعك إلي أن تتبصر بعين محايدة في المادة الإبداعية المعروضة عليك، فلا تهتم بسياقها قدر اهتمامك بموضوعها، بكيف قدمتها أدواتها، وكيف كان بناءها.
تخليك عن السياقية، أصبح ضرورة حين ممارسة النظرة النقدية التطبيقية، فأنت معني بالعمل الإبداعي أكثر من عنايتك بمبدعه وجنسه وديانته ووطنه، أن معني بما يتوافق أكثر مما أنت معني أيها الناقد بما هو مختلف ومغاير.
أن تكون ناقدًا..
فتكون محايدًا.. غير منحازًا..
التوافق الذي دعوتك إليه، لا يعني الإنحياز، بقدر ما يعني الاقتراب ومحاولة التفهم، والتبصر، والنظر إلي مستويات العمل الفني، وشحذ الذهن في عمليات بناء العمل الفني وكيفيتها.
فالتوافق مع العمل الفني لا يعني الانحياز إليه، أو إلي وجهة نظر مغايرة له، وإنما التجرد تمامًا من أي معطيات سابقة عليه، إلا إذا دعاك العمل الفني إلي معطى سابق وخارجي، بأن استدعاه إليه بتناصٍ، أو تضمين، أو استلهام، أو غيرها من أشكال جذب ما هو خارجي سابق إلي داخل العمل الفني. هنا يبرز تجرد أكثر ويسمو في تعاملك المحايد، وقراءتك التي تستقر علي الشروط الداخلية للعمل الفني دون الانصياع للشروط الخارجية التي تهمس بها نظرياتك النقدية ومناهج التحليل النقدي.
أن تكون ناقدًا..
يعني أن تنصت لصوت العمل الفني، متجردًا من كل شيء، إلا من العمل الفني ذاته.. منصتًا لما يريد أن يهمس لك به، حتى لو كان صوته خافتًا ضعيفًا، سيجعلك الانصات له تلتقط هذا الصوت، لتخبرنا به نحن معشر القراء المنتظرين كلماتك النقدية المجردة لما أنصت إليه.
أن تكون ناقدًا..
يدفعك إلي مزيد من التجرد وعدم الانحياز دائمًا..




التعليقات