أخر المقالات

الدرس

تشنجتْ، وأشاحتْ ببصرها عنه إذ أيقنتْ إدراكه للشرك الذي تدفعه إليه. وهو مازال يصرخ بأن هوميروس شخصيةً خيالية، وأن ما يُنسب له من أدب إنما هو أدب شفوي للشعب.
كان الطريق ينحني أمام ناظريها، وهي تتململ في جلستها في السيارة إلي جواره، قال لها:
- أري أحلامًا مزعجة هذه الأيام.
لم تعنيه اهتمامًاً، واكتفتْ بنظرةٍ من طرف عينيها، فقال لها:
- هيلين لم تكن تُحب باريس، وإنما كانتْ تُحب مُتعها التي لم تنلها من مينيلاووس ملك أسبرطة.
كان القمر يجري إلي جوارها من نافذة السيارة، مُكتملاً، ففكر في نقصانه حين عودتهم، وأن القمر سيجري إلي جواره في رحلة العودة.
أمس حلم أنه علي طريق زراعي مثل هذا، وأن معه هدايا يوزعها علي الفلاحين والبسطاء؛ لم تكن هي معه؛ لكنه فجأة تعرض لطلقات نارية بمجرد ظهورها، تمني أن يتركها هدفًا حيًا للطلقات النارية، لكن شيئًا ما داخله منعه من تركها والفرار، فألقي بنفسه عليها ليطرحها أرضًا ويحميها من احتمال الإصابة بإحدى الطلاقات النارية، وجذبها زاحفًا للاختباء وسط المزروعات.
طلب منها في الفترة الأخيرة أن تترك عملها الجديد، دعم وجهة نظره بسببين:
أولاً: قلة الراتب الذي يمنحوه لها.
ثانياً: سمعة المدير السيئة، وعلاقاته النسائية التي لا يقف أمامها زاجر.
رفضتْ متذرعة بأن الفراغ أصابها بالضيق، وأضافتْ أن شعرها يتساقط هذه الأيام من الحزن، فسألها عن سبب حزنها، فصمتتْ. لعلها أرادت الحزن علي عدم وجود أطفال.
إنه لا يمل من العناية بالأرض، يسهر عليها طوال الليل للعزق والروي، لكن أرضها لا تطرح. رفض نصيحة أحد أقاربه بالذهاب إلي طبيب متخصص، لكي يظل السبب مجهولاً، فإذا كان هو العليل لا يعطها ذريعة بطلب الانفصال، وإذا كانت هي المعتلة فلا يزيد المسافة التي أصبحت تفصله عنها، وتتزايد يومًا بعد يوم.
توقف علي مدخل أحد البلاد التي لا يعرفها علي الطريق، وقال لها:
- لن أحدثكِ عن هوميروس مرة أخرى.
ردتْ بصوتٍ خفيض متحشرج نتيجة صمتها الطويل وتشنجها:
- لا يعنيني أن تتحدث عنه أو لا تتحدث، لقد مللتُ أحاديثكَ كلها.
- أتبغين الطلاق؟
- نعم.
- أنزلي من السيارة وتصبحين طالق.
نظرتْ إليه مرتابةً، فأشاح وجهه عنها ناظرًا إلي الطريق، وبتردد شديد فتحتْ باب السيارة، وأدلتْ بقدمٍ غير ثابتة تتحسس الأرض، ثم نزعتْ نفسها من السيارة بسرعة، وأغلقتْ الباب برفق ووقفتْ جامدة إلي جوار السيارة.
ألقي نظرة سريعة عليها، وتحرك بالسيارة بسرعةٍ عادية، ثم توقف فجأة، وتراجع بالسيارة إلي الخلف، ليقف إلي جوارها مباشرةً، قال لها:
- ألا تحتاجين إلي شيء؟
لم ترد، وكأنها لم تسمعه. فقال لها:
- سأقرأ الإلياذة الليلة لمرةٍ أخيرةٍ من أجلك.
ثم أنطلق في طريقه.

التعليقات