أخر المقالات

شراء

قرر أن يتعامل مع أزمة فراغه هذه المرة بوعي، بل وبوعي شديد. قرر أن يذهب للشراء.. شراء أي شئ.. ما دام الجميع يبيعون، فليشتري، وليجرب متعة الشراء التي يتحدث عنها خبراء الإعلان.
دفع عربة التسوق أمامه في أضخم متجر في المنطقة التي يقطن بها.. إنه ذات المتجر الذي لم يفكر لحظة من قبل أن يشتري منه، فعادة ما يكره فكرة الشراء، ويهرب دائمًا منها حتى ولو كانت الأشياء التي تُجلب له لا تروق له. لاحظ في البداية تغير في درجة الحرارة، لكن هذه الملاحظة لم تستمر في ذهنه طويلاً، فقد تلاشت مع انسياب موسيقي عمر خيرت في آذانه، تذكر ـ مرة أخرى - حديث خبراء الإعلان عن الموسيقى أو الغناء كعنصرٍ مساعدٍ علي فتح شهية العميل علي الشراء وأن تجاربهم العملية أثبتت ذلك - من حسن طالع المتجر أن أول قسم قابله كان قسم الحلوى، وهي من الأطعمة المحببة إليه جدًا. وجد نفسه مدفوعًا ودافعًا عربة التسوق أمامه ليتفحص الأصناف في اهتمام لا يتناسب مع الخطوات المتهدلة المتراخية التي دخل بها المتجر. بدء يضع اختياراته من الأصناف في العربة حتى جذب انتباهه صوت موسيقى اللقاء الثاني لعمر خيرت فتوقف مطالعًا تلك الكلمات الإنجليزية علي عبوة الشيكولاته الفخمة التي بين يديه دون أن يقرأ حرفًا من حروف كلمات عرض المنتج، كانت الصورة التي يطالعها مستدعاة من ذاكرته، حيث يتحرك في ردهة منزله ممسكًا بهاتفه المحمول، وفمه عاجز عن النطق، وعيناه متسعتان من الدهشة لصوتها الذي لم يسمعه منذ سنوات. لم يتصور أنه سيسمع منها كلمة واحدة، بعد أن عرضت نفسها عليه ولفظها. كان صوتها حادًا سريع الطلقات مدْغَم الحروف والكلمات، لكنه كان مندهشًا من نفسه لإستطاعته ببساطة أن يلتقط الكلمات من وسط هذا السيل المدْغَم الذي يقتحم الآذان؛ وكان يحسد علي ذلك. وجد في نفسه أن القدرة ذاتها علي التقاط كلماتها مدغمة الحروف لم تتعطل. في البداية كان الأمر صعبًا بفعل الدهشة، لكن بعد مرور الثواني الأولي، وبدء زوال الدهشة، بدأت أجهزة الرصد الخاصة بصوتها تعود للعمل وبكفاءة ، غير أن استمرار الدهشة كان لظهورها ثانيةً في حياته عبر اتصال هاتفي .
انتقل إلي بعربة التسوق إلي قسم الخضروات والفواكه، متفحصًا الثمرات بعينيه، قبل أن تروق له ثمرات التفاح الصفراء، فينتقي بعضها بيديه.
دخل ذلك المقهى ذي الاسم الأجنبي الذي لم يرق له أبدًا، يبحث عنها بعينيه، دون أن يجدها، وظنه النادل يبحث عن مكان شاغر للجلوس، فأشار بترحيب إلي مائدة بجوار زجاج الواجهة تنظر إلي الشارع الخارجي مباشرة، فتوجه إليها من فوره، وجلس ينقل نظراته ما بين الشارع وساعة يده التي كانت تشير إلي أنه وصل قبل الموعد بعشر دقائق.
إندهش لوجود العنب الأسود في هذا التوقيت من العام علي الأرفف، حمل منه عنقودين ثمينين، وضمهما في كيس بلاستيكي بحرص مبالغ فيه، وقرر أن يعتني بالخضروات قليلاً مثل إعتنائه بالفاكهة.
صعدت درجات السلم المؤدي إلي المقهي، كان يراه من وراء الزجاج، لم يتعثر في التعرف عليها، لكنها بدت له غريبة من خلف الزجاج وهي تصعت الدرجات في ثقة وثبات وفي يدها طفلها. لاحظ ترحيب النادل بها وبصغيرها، وهو يشير لهما إلي مائدة في أحدى الأركان، لكنها كانت تحصي زبائن المقهى بنظرة سريعة فاحصة باحثة عنه، حتى عثرت عليه هناك بجوار الزجاج، حيث أشار لها وهو ينهض، ويحاول أن يضع إيتسامة أتقن صنعها من عمله.
قامت بعملية التعارف بينه وبين طفلها، وتركتهما يتصافحان قبل أن تصافحه وهي تحاول أن تحتفظ بيده بين يديها كدليل علي الشوق أو كتعبير عن الفقد، ولسانها يطلق دفعة كثيفة من الكلمات التي تعبر له بها عن إفتقاده طيلة تلك السنوات السبع.
كانت أصناف المربى علي الأرفف متنوعة، وكثيرة، كذلك في أنواع المعلبات البقولية، ترك المربى، واعتني بتفحص البقوليات المعلبة.
فَهِمَ من حديثها مع النادل أنها من زبائن المكان هي وصغيرها، لم يزعجه هذا، أو حاول أن لا يشغل باله به، إنه مجرد لقاء بعد غياب طويل، وسينتهي الأمر بغياب آخر يطول أو يقصر. سحبت سيجارة من علبتها وهي تنظر في عينيه مباشرة وتسأله عن أحواله كيف هي، لم يكن بها ثمة ارتباك كما في الماضي أو تطلع للمحيط، وعندما سعل الصغير مع انتشار دخان النفس الأول الكثيف، طلبت منه أن ينتقل إلي مائدة مجاورة ويجلس للرسم.
اختار نوع من علب الشاي التي تناسبه، لكن حرص علي التعرف علي باقي الأنواع، وخاصة تلك الأجنبية، ثم اختار مشروب أخر عبارة عن جنزبيل مخلوط بالليمون المجفف، ولأن العبوة كانت صغيرة، فقد حمل عبوتين إلي عربة التسوق، وتحرك خطوتين إلي أرفف القهوة، حاول أن ينصت للموسيقي، لكنها لم تكن تصل إلي أذنيه إلا بصعوبة، فأهملها وانتبه إلي أصناف القهوة المكدسة فوق الأرفف.
ظلت تحكي عن زوجها السابق كأنها تحكي عن مأساة، ولاحظ تورطه بالتعاطف معها، وارتفع ضغطه قليلاً مع قدح القهوة الأمريكية الثاني الذي اقترحته عليه، وضربت الحمرة في بعض مناطق وجهه. كانت تبتسم لإنفعاله بما تحكي، رغم أن ما تحكيه لا يدعو للإبتسام، فعادت تستعيد نفسها وهي تضغط علي عقب السيجارة بعنف وإحكام داخل المطفئة التي امتلأت بالكثير من الأعقاب المحترقة للحافة.
استعرض أنواع اللحم والدواجن والأسماك بنظرة خاطفة، ثم تأمل أرفف علب الأسماك المعلبة، وعبر المجمدات دافعًا عربة التسوق إلي قسم الألبان والجبن.
عبرت علي سنين طوال، دون ملل، دون أن تحاول أن تعرف كيف عبر هذه السنين إليها هنا، حتى نفدت سجائرها، وقصصها، وآلامها، وهدأ توترها قليلاً. أشارت للصغير أن يستعد للرحيل، كأنها حزمت أمرها بإنهاء اللقاء، وجمعت متعلقاتها، وهي تستمع إلي مواساته لها، قبل أن تنهض مباشرة، قاطعته وسألته:
- هل سأراك مرة أخرى؟
أجابها بأنه يرجب بلقائها مرة أخرى إن شاءت، فنهضت وهي تسأله:
- ولماذا تريد أن تراني مرة أخرى؟
ارتبك.. لم يعرف إجابة.. نهض بسرعة ليودعها.. مد يده ليصافحها، أمسكت بيده، وهي تنظر إلي عينيه الحائرة مباشرة، وقالت:
- لماذا تريد أن تراني ثانية؟
جف حلقه، وبرودة يدها تتلاشى في يده الدافئة، لا يجد إجابة.. كلمات متلعثمة:
- نتحدث تليفونيًا..... سأتصل بك..... الأسبوع القادم..... المكان هنا ظريف.....
انتزعت يدها من يده فجأة، وجذيت يد الصغير، وانصرفت بسرعة كأنها تهرب. ظل واقفًا في مكانه حائرًا مرتبكًا، لا يعرف أن كان يبقي قليلاً أم ينصرف.
جمع أنواع شتى من الجبن، وعلب الزبادي، والألبان، ملئت عربة التسوق، وانطلق إلي مستحضرات التجميل ومزيلات العرق، والصابون، والشانبو. لاحظ أن أغلبها نسائي، وأنه لن يشتري أيها، فلماذا يتوقف هنا، لكنه لمح مزيل العرق الذي ظل صيفًا كاملاً يتنسمه، إذ كانت تستخدمه بمعدلات كثيفة، كل نصف ساعة تقريبًا. انتزع الغطاء، وقربه من أنفه، استنشق الرائحة بعمق. أغلق عينيه.. لقطات سريعة تدور برأسه كالدوار.. وجهها الضاحك.. إيماءاتها.. فستانها ذو الورود المبهجة.. صوتها ذو الحروف المدغمة.. شعارها الأصفر المتطاير. كاد أن يترنح سكرًا بالرائحة، وعندما حاول إعادة العبوة مكانها بيده المرتعشة المرتبكة، تسبب في إسقاط باقي العبوات، حاول منعها من السقوط، فصنع فوضي كبيرة جذبت انتباه القائمين علي المكان، فتدخلوا، اعتذر لهم وهو يدفع عربة التسوق لمكان دفع ثمن المشتريات.
ما زال حائرًا من سؤالها، إنه لم يطلب أي مرةٍ لقاءها.. لم يستطع أن يعود إلي مقعده، فأشار للنادل بفاتورة الحساب، حاسمًا أمره لأول مرة.
جمع مشترياته وذكرياته، وهرع خارجًا إلي الشارع ذي الهواء البارد المنعش.
ذاب في الشارع بضجيجه وتياره، وحركته السريعة الباحثة عن الدفئ. تاركًا خلفه هناك حيرته، وأسئلته، ودفئ يديه.

التعليقات