أخر المقالات

كف عفريت

الكاتب : محمد السيد


كف عفريت

ليست الحياة سهلة كما يدعى البعض , ولكنها شاقة جدا وهذا سبب كافٍ لأن تثبت أنك تستحقها .









أعتقد أنها اللحظة المأساوية , وهى التى يتوقف عندها الزمن ويبدأ السكون والصمت وتبدو كأنك داخل غرفة فارغة تماماً وأبوابها مغلقة ويسود فيها الظلام , فى حين تبدأ مشاعر الخوف والفزع تتسلل بداخلك , هى تلك اللحظة التى رأيت فيها كفْ الأم ينزل على وجه إبنتها التى لا يتعدى عمرها سن الخمس سنوات , وبدأت تتوالى الضربات الواحدة تلو الأخرى كأنها قطع من الصخور التى تتساقط من أعلى قمة جبل ينهار .
لم أفكر وقتها عن الخطأ الذى قد تكون إرتكبته هذه الطفلة الصغيرة ولكن ما كان يشغل عقلى هو سؤال , أين قلب هذه الأم ؟ وإن كانت بلا قلب فأين عقلها ؟ , قما الذى يجعلها تتحمل تسعة أشهر من الحمل وكذلك الآلام الشديدة عند الولادة وسنتين من الرضاعة , حتى تأتى هذه اللحظة التى تنتهى فيها كل مشاعر الإنسانية والأمومة وتفعل ذلك بإبنتها .
وبينما كنت أبحث عن وصف لتلك المرأة والتى لا أستطع وصفها بأنها إنسانة وضِع فى قلبها مشاعر الرحمة والحب تجاه إبنتها , ولا حتى حيوان , فالحيوانات ترعى أبنائها وتحافظ عليها وتحميها , قد لفت إنتباهى مظهرها هى وإبنتها فكان يبدو عليهما شدة الفقر والبؤس , ويمكننى أيضاً أن أدعىّ شدة الجهل , وعلى الرغم من هذا ليس مبرر لما فعلته ولنه سبب أصيل فيما حدث , ورغم أننى على يقين بأن الله خلقنا درجات ولكل منا رزقه وأنه هناك الغنى والفقير إلا أن ذلك لا يعنى عدم المسؤلية وتوفير العدالة الإجتماعية من قبل المسؤلين بل ومن الناس جميعاً .
وعندما عدت بنظرى وعقلى مرة أخرى لأتابع باقى المشهد بدأت المعالم تظهر أمامى , فكانت الطفلة تحمل شنطة فى يدها وكانت هى أول شىء توجهت إليه الأم بعد ضرباتها المؤلمة , وكانت تتمتم ببعض الكلمات التى فهمت منها أن هذه الشنطة بها طلبات إحدى سكان العمارة التى يعملون بها ويحرسونها وأن تلك الطفلة قد تأخرت فى عودتها بعد شراء تلك الطلبات , فربما كانت تبحث عن حلم صغير لها أو كانت تعيش لحظة طفولة لم تعرفها من قبل عندما رأت أطفال فى نفس عمرها يلعبون ويضحكون أو ربما كانت تتحدث إلى الزمان وتلومه على وضعها البائس التى تعيش فيه .
ولكن قد عادت افبتسامة لوجهى عندما ألقى القدر بورقة أمل من أوراقه التى يمتلكها فى هذه اللحظات الكئيبة , وذلك عندما جاءت أختها الأكبر والتى انت تبدو فى سن التاسعة من عمرها لتمسك بأختها الصغيرة وتضمها بين أحضانها لتبعد عنها بعض الصخور التلا مازالت تتساقط على وجهها , ثم صرخت فى وجه أمها وهى تقول لها " كفايه حرام عليكى " , فتوقفت الأم عن ضرباتها وأخذت إبنتيها وذهبن .
وظللت واقفاً للحظات كنت أشكر فيها الله الذى أرسل تلك الأخت التى كانت كالملاك جاءت لتنير الكون مرة أخرى وتبعث رسالة إلى قلبى تخبره فيه أن الحب والرحمة مازالا موجودان وسيظلا دائماً .


التعليقات