أخر المقالات

من فوق الأرض

الكاتب : محمد السيد


من فوق الأرض

ليس صعباً أن تحلم وتضع هدفاً لنفسك ولا أن تعرف كيف ستصل إليه , ولكن الصعب أن تبدأ بخطوات جادة مثابراً وصابراً نحوه












شعرت بحرارة شديدة فى جسدى كانت السبب فى أنها أيقظتنى من نومى , وعندما إستيقظت كنت قد وجدت شعاع من الشمس موجهاً على صدرى , وذلك أثناء نومى على غصن كبير لشجرة ضخمة هى الوحيدة فى هذا المكان الغريب الذى وجدت نفسى فيه , وكان هذا المكان جميلاً جداً حيث تلك الشجرة التى تحيط بها نباتات وأزهار تفوح منها رائحة طيبة وعطر لم أستنشقه من قبل , كما كانت تجرى مياه شفافة زرقاء اللون فى نهر صغير وسط هذه الأزهار , وكان هناك أيضاً طيور غريبة تملأ المكان وهى تطير فى أشكال متناسقة مع بعضها البعض وصوت تغريدها ذو أنغام موسيقية رائعة .
وكان الغريب أنه على كل غصن من أغصان تلك الشجرة والتى يصعب عدّها بسبب كثرة عددها كان يوجد زوجان من كل نوع من هذه الطيور يمثلان أسرة مع بعضهما البعض , وكانت تلك الأغصان على شكل طبقات فوق بعضها كأنها طبقات لبرج كبير , وعندما حاولت النزول لم أستطع تحريك رجلى بمفردها وكذلك الأمر مع زراعى , ولكننى وجدت نفسى أتحرك ككتلة واحدة بل وجدت نفسى أطيؤ !! نعم أنا أطير يا إلهى كم هذا غريب ولكنه كم هو إحساس ممتع حقاً , ورغم إندهاشى لما يحدث إلا أنه كانت قد تعالت صيحاتى وضحكاتى أثناء تنقلى من مكان لأخر فى الهواء , ثم شعرت بالعطش فإقتربت من النهر الصغير وبدأت أشرب منه وكانت المياه لها طعم لذيذ لم أتذوق مثله من قبل .
وعندما نظرت حولى لأستكشف هذا المكان الذى كان يشبه جنة لفت إنتباهى وجود طائر على الغصن الذى كنت عليه من لحظات , والغريب أنه كان الطائر الوحيد الذى يقف بمفرده دون قرين مثل باقى الطيور , فجاء فى مخيلتى شىء غريب وتساؤل هو " هل حقاً أنا قرينه ؟ " فبدأت نبضات قلبى تزيد من سرعتها وإنتابنى شعور غريب , فقررت الذهاب إليه لأجد الإجابة على هذا التساؤل وعندما وصلت إليه ووقفت بجواره على الغصن وجدته يتوجه بنظره ناحيتى ثم بدأ يغرد كأنه يتحدث إلىّ ولكنى لم أفهم شيئاً , ثم فجأة بدأ يطير ويبتعد ويقف فى الهواء وينظر ناحيتى ثم يطير مرة أخرى , فشعرت أنه يريدنى أن أتبعه وبالفعل ذهبت وراءه ولكنى لم أستطع ملاحقته فكان دائماً ما يسبقنى ببعض أمتار فى الهواء , وظل يطير لوقت كبير وأنا خلفه وقد عبرنا أثناء الطيرا بصحراء واسعة كانت رمالها ذهبية اللون وشديدة اللمعان تحت أشعة الشمس , حتى توقف هذا الطائر وكنت قد وصلت إليه ووقفت بجواره فى هذا المكان الغريب , والذى كان عبارة عن بوابة ضخمة ليس لعرضها أو إرتفاعها نهاية والتى كانت تخفى ورائها مكان آخر لا يستطيع أحد الوصول إليه , ثم بدأ الطائر يطير ناحية اليمين لدقائق ثم نزل إلى أسفل تلك البوابة وأنا خلفه , وتوقف فجأة عند مكان كان قد أثار إنتباهى وهو عبارة عن فتحة صغيرة لا تمثل شيئاً بالنسبة لتلك البوابة إلا أنها كانت تكفى لعبور مخلوق فى نفس حجمى , ثم بدأ الطائر يغرد مرة أخرى كأنه يتحدث إلىّ ثم دخل الطائر من تلك الفتحة وعندما دخلت وراءه لم أجده فقد إختفى تماماً , ولكن ليس إختفاء هذا الطائر هو الذى سيطر على تفكيرى بل هذا العالم الآخر الذى وجدته موجوداَ والذى كنت أعرفه جيداً بمعظم تفاصيله , إنه عالمى الحقيقى الذى عشت فيه طوال عمرى , إنها الطرق والشوارع المزدحمة بالناس والسيارت التى تخرج منها العوادم التى تلوث الهواء , إنهم نفس الناس البشريون الذين مازالوا على نفس حالهم تمتلأ قلوبهم بالحقد والكراهية , الذين يسعون إلى تحقيق مصالحهم الشخصية حنى لو كانت بالتعدى على حقوق الآخرين , إنها نفس التعديات والحروب مازالت قائمة بين المُعتدى وصاحب الوطن الذى ينادى بتحريره .
ولكن الغريب أننى مازلت أطير فى الهواء ولم أستطع النزول على الأرض ولكنى كنت أطير على مسافة تعلو عن رؤسهم بأمتار قليلة تجعلهم يرونى ويسمعونى , إلا أنه لا أحد منهم كان يشعر بوجودى كأننى شبح لا يراه أو يسمعه أحد .
وجدت الناس مازالوا يتصارعون ليركبوا الميكروباص والذى ترتفع أجرته كل يوم بسبب إرتفاع سعر البنزين الذى كان قد أصبح شيئاً نادراً الحصول عليه , إنها نفس طوابير العيش التى لا تنتهى من التشاجرات وتبادل الألفاظ السيئة للحصول على العيش الذة لم يكن صالحاً للأكل من الأساس , ولكن قد قطع مشاهدتى لهذا العالم الذى أعرفه ذلك الطائر عندما وجدته أمامى مرة أخرى , والذى وقف يردد تغريداته التى بدأت أفهم ما سيفعله بعدها وبالفعل طار مرة أخرى فذهبت خلفه حتى عدنا إلى تلك الفتحة الموجودة فى البوابة التى يوجد هذا العالم ورائها , وعندما خرج منها الطائء خرجت خلفه ووقفت عند الفتحة فرأيته مازال يطير عائداً مبتعداً ولكنى وقفت مكانى ولم أتبعه , وعندما لاحظ هذا الطائر بعدم وجودى خلفه عاد مرة أخرى ناحيتى وظل يغرد كما كان يفعل دائماً ثم طار مرة أخرى عائداً فى نفس الإتجاه الذى جئنا منه , وكان بين الحين والآخر يقف فى الهواء وينظر ناحيتى ثم يطير مرة أخرى ولكننى كنت فى حيرة بين الذهاب خلفه حيث المكان الذى يشبه الجنة , والذى فيه الشجرة والأزهار والنهر الأزرق الشفاف أو البقاء فى هذا العالم الذى أصبح ملىء بكل شىء سىء , ولكنى قد قررت عبور الفتحة والبقاء فى عالمى الحقيقى الذى أعرفه ولكن ليس فقط كمشاهد لما يدور من جولى كما كنت فى السابق , ولكن كصاحب فكر وداعية للتغير إلى الأفضل , داعية للحب والعطاء , داعية لجعل هذا العالم كالجنة التى رأيتها .

التعليقات