الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

سيناريو افلام الرعب 2 - خلق العدو و بناء القصة

الكاتب : كريم بهاء

لا يأتي الخوف في افلام الرعب من مصدر خارجي كالوحوش او الارواح او الشياطين كما يظن البعض ، انما ينبع الخوف من داخل المشاهد نفسه ، و كل ما علينا هو ان نضبط توجيه هذا الخوف باستدعاء صورة بصرية تحفز المشاهد ان يخاف .
في الجزء الثاني من سيناريو افلام الرعب نتابع الحديث عن مرحلتين مهمتين في كتابة سيناريو افلام الرعب ، خلق العدو وهو البطل الضد ، و بناء القصة بتصاعد احداث قوي و ناجح .

اولا خلق العدو Creating The Nemesis :

النظرية خلف البطل الضد و هي المتعارف عليها في كتابة السيناريو ان البطل الضد يمثل القوة التي تصارع البطل و تسعي لعرقلته عن تحقيق هدفه بجعله يتعرض لعقبات واحدة تلو الاخري ، من عباس الزفر في فيلم الي دكتور هانبيال ليكتر ، الكل اشرار باختلاف الانواع الفيليمة و الكل يعمل كعدو للبطل .
لكن في افلام الرعب جزء اساسي من نجاح الفيلم يكمن في البطل الضد و اسطورته و تكوينه ، فأي كان هيئة العدو للبطل يجب ان يكون ذو تأثير على المتلقي ذاته و ليس على البطل فقط ، و بطبيعة الحال فالبطل الضد في افلام الرعب هو كائن له طبيعة غرائبية غير مناسبة للواقع ، بل تكسر الواقع بغرائبية و تفقد الكيان المستقر للعالم استقراره ، فقد يمارس العدو القتل ، اقتحام المنازل من الجدران ، و قد يمارس التلاعب بالوسائط التكنولوجية كما في فيلم الرنين The Ring الا ان الوحش سواء كان وحش باللفظ الفعلي او شيطان ، شبح ، كائن فضائي ، مصاص دماء ، او شخص مجنون مستلسل القتل يعيش بيننا فلا شئ يضاهي الوحش الذي نستخرجه من النفس البشرية .
وهذا هو المطلوب حين نعمل على رسم شخصية العدو في افلام الرعب .
إن نظرة واحدة باتجاه الازمات المجتمعية المتباينة تجعلنا نثق ان الخوف يقف وراء اغلبها ، و الفوبيا ذلك المرض النفسي الذي تم الصاقه للتعبير عن الخوف من كل شئ و اي شئ ، اصبح هو المرض الاشهر في هذا العصر و ربما يتم تصنيفه احيانا في الامراض النفسية بأنه المرض الثاني بعد الاكتئاب .
نحن نعيش في مجتمع يعاني من التشويش ، الاضطراب حدث بالفعل من بدايات القرن الحادي و العشرين و لا يزال مستمرا ، فانتبه لانه عليك ككاتب ان تقف على مسافة من المجتمع لترصد التشويش و تتعرف على مصدره .
و بشكل يقطع عنك جهد البحث قد تستطيع اكتشاف ان اغلبية التشويش الحادث بالنسبة لنا سببه الخوف .
الخوف هو الشعور المتولد نتيجة خروج الامور اليومية التي نواجهها عن المألوف بالنسبة لنا ، لذا لا تندهش حين تجد من يكره فعل الثورة حتي و ان كان هذا من اجل مساندته اجتماعيا ، انه الخوف من ان يفقد عمله او يفقد شعوره بالامان .
لا تندهش حين تجد من يصارع بشدة على منصب او على سلطة او مال او شهرة ، إنه الخوف من عدم التحقق و غياب الشعور بالامان .
الوحش الحقيقي الذي على المشاهد ان يخاف منه هو الوحش الكامن داخل نفوس المشاهدين في مجتمع ما في لحظة ما .
و قد تجاوزت سينما افلام الرعب الشكل الكلاسيكي للرعب - و الذي لا يزال مستمرا في بعض الافلام - حين تخلق عدو البطل من اسطورة ميتافيزقية كشبح او شيطان او حتي كائن فضائي و تجعله يطارد البطل في سلسلة لا تنتهي من المطاردات حتي يتمكن البطل في النهاية من النجاه من الموت ، لقد اصبحت شخصية العدو في افلام الرعب اكثر تعقيدا بفضل كتابات اشخاص مثل ستيفن كينج .
لكن هل تكفي قراءة ستيفن كينج لتتمكن ككاتب من خلق عدوك ؟
بالطبع لا و اليك النظرية الاولي التي طرحناها ، العدو في افلام الرعب يكمن في المجتمعات و لكن ما الذي يجعل المجتمع غير قادر على رؤية العدو ؟
تستطيع ككاتب استنباط العدو من داخل المجتمع و هو ما قام به عدد من كتاب السيناريو حينما خلقوا شخصيات مثل فريدي او جيسون ، هؤلاء القتلة المتسلسلون ، حين قد المجتمع بالفعل هذه النماذج من القتلة داخل المجتمع الامريكي و التي يمكن ان تجد عنهم مئات الصفحات على الانترنت اليوم مثل تشارلز منسون و جون واين جاسي و الاشهر اد جين .
ولكن ماذا عن الوحوش الكامنة في النفس البشرية ، كيف تخلقها ككاتب ، من المدهش التحليلات التي يقدمها علماء النفس في هذا الامر حين لاحظ العديد من العلماء ان الانسان حين يخاف من شئ يحاول تفادي التفكير فيه بشكل كامل .
و علينا ان ننتبه لتعبير كامل هذا ، ان الانسان بالفعل يخاف من شئ ما ، وحش من صنع خياله و لكن المخ يعطل الخيال و يعمل على عدم اكمال الصورة النهائية لمصدر الخوف ، بل ان كثير من الناس يرددون عبارة الاستعاذة من الشيطان كلما ذهب ذهنه الي صورة خيالية تفزعه او عند الاستيقاظ يردد خير اللهم اجعله خير في عبارة تهيئة من العقل - و ليس من الدين - لكي يمنع الخيال او العقل الباطن من استكمال الصورة المخيفة للوحش او الحدث .
لذا انت ككاتب عليك ان تمتلك القدرة على اكمال الخيال ، تشجع فأنت لست الشخص الذي يفترض فيه الخوف ، على العكس انت الكاتب و لذا انت المتحكم في قوة الخوف و تأثيره ، و المهم ان يكون مصدر الخوف حقيقي و ملتصق بسلوك المجتمع فعليا حتي يحقق النجاح المطلوب .
فحين انتشرت افلام الرعب الامريكية التي تستدعي العدو و يكون ذكر عادي متسلسل القتل ، لم تكن مثل هذه النوعية من الجرائم - و لا تزال - منتشرة في المجتمع المصري ، لذا كان الطبيعي ان يتم صناعة فيلم كوميدي من هذه الشخصية و التي ظهرت في فيلم بعنوان سفاح النساء من انتاج 1970 واخراج نيازي مصطفي وسيناريو عبدالحي اديب و بهجت قمر .
فطبيعة هذه الجرائم النفسية غير موجودة في مصر او الوطن العربي و لكن هناك اشكال اخري للخوف يمكن ان تصنع من خلالها الرعب المجتمعي الناجح .
في النهاية ان اي من طرق كتابة الشخصية المتعارف عليها يمكن تطبيقها على العدو وبنجاح لكن يبقي قدرة هذه الشخصيات التي تخلقها على خلق الرعب ، و لن تعرف قدرة هذه الشخصيات على خلق الرعب حتي تتمكن من قياس ما هو الشئ المخيف داخل مجتمعك ، و تذكر ان هذه النظرية هي الحاكمة في اختيار الموضوع المناسب لافلام الرعب ، تظل هي الحاكمة ايضا في خلق اهم عنصر في افلام الرعب ، و هو العدو .

ثانيا : بناء القصة

الفصل الاول
خلق القلق و الرهبة ، تقديم الشخصيات و الوسط المحيط بالاحداث .

يتفق بناء الفصل الاول من فيلم الرعب مع ما اعتدنا عليه في الافلام بمختلف انواعها ، اذ يأتي الفصل الاول كتمهيد للحدث الرئيسي ، و يضم الفصل الاول فرصة لكاتب افلام الرعب ان يعمل على تهيئة المشاهد للقلق لا اكثر ، فالخوف لا يجب ان يبدأ من المشهد الاول للفيلم كما يعتقد البعض ، بالمثل في افلام الحركة او الافلام الاجتماعية تصبح فكرة التمهيد هي المسيطرة ، لذا فإن سيناريو افلام الرعب يعتمد على تمهيد للقصة يشرح ان هناك تهديد موجود يمثله العدو / البطل الضد ، لكن دون تحديد واضح لماهية العدو او حتي التعرف على البطل .
ثم يأتي الانتقال من خلق القلق الي العوة للعالم العادي ، الذي لا يضم اي تأثير للرعب بل ربما تضمن رحلة لاسرة او لقاء بين حبيبين او يوم عمل عادي .
نجد هذا واضحا في فيلم the cell من انتاج عام 2000 تأليف مارك بروتوسفيتش و اخراج ترسيم سينجي ، حيث تحمل التترات الخاصة بالفيلم موسيقي موترة و مشاهد غير محددة لاجواء صحراوية تنتهي بصورة غرائبية عند مركب في قلب بحيرة جافة لنكتشف ان كل هذا جزء من حلم ، و ان الحلم هو حالة علاج تشارك فيها بطلة الفيلم و التي نعود معها للعالم العادي و حياتها اليومية .
و نلاحظ ان البعض يري ان قصة فيلم الرعب الناجح هي التي ينجح مؤلفها في عدم خلق الخوف خلال الفصل الاول و انما يكتفي بالتمهيد له ، و السبب في هذا بسيط ان طول فترة التهيئة تؤدي لجعل المتلقي اكثر استعدادا نفسيا لتلقي الرعب و ليس العكس و السبب في هذا انه بالفعل يكون في انتظار الشعور بالخوف طوال فترة عرض الفيلم و لذا صرخات الرعب من حناجر المشاهدين لا تسعي لحصدها مبكرا ، و يكفي ان نمهد الطريق طوال النصف ساعة الاولي من الفيلم بخلق الاجواء .
الاجواء التمهيدية هي المرتبطة بتحديد طبيعة الزمان و المكان و الاحداث في العالم العادي و انتقال الشخصيات من العالم العادي الخاص بهم الي عالم الرعب .
و بالتالي انت تسعي في الفصل الاول ( لعزل ) البطل عن العالم العادي ليستعد لدخول عالم الرعب ، و بالطبع لا يخفي على احد لعنة التليفونات المحمولة ، تلك اللعنة التي تطارد الكتاب ، لماذا ؟ .
لقد اصبح من الطبيعي انه حين يسقط البطل في مشكلة فإن اول ما سيخطر لباله هو الاتصال باحد لنجدته ، لذا اصبح جزءا من التمهيد عزل البطل و التخلص من اي ادوات مساعدة واقعية .
ولقد نجح بعض الكتاب في استخدام التليفون المحمول كاداة للرعب ، مثل فيلم صرخة Scream حين يستخدم القاتل التليفون كوسيلة لازعاج البطل و تمهيده للجحيم الذي سيلاقيه قبل البدء في مواجهة القاتل .

الفصل الثاني
تحوير الخوف ، الارهاب النفسي و تحقق الرعب .

في هذا الفصل الذي يعد فصل المواجهات يتم تحوير القلق الي خوف حقيقي ، فيظهر هنا تأثير العدو ، و يبدأ الفصل الثاني من خروج البطل من العالم العادي ليدخل الي العالم المنعزل و الذي سيصبح فيه وجها لوجه مع العدو.
وهناك ست اسئلة رئيسة تصنع لك الفصل الثاني من الفيلم و يمكن تنسيقها على النقاط الثلاثة المفصلية في الفصل الثاني من قصة الفيلم .
س1 : ما هو العدو ؟
س2 : ما هو الايذاء الذي يقوم به العدو للبطل و لما هذا المكان و الزمان ؟
س 3 : ما الذي يفعله البطل ليجذب انتباه العدو ؟
س 4 : ما هي الاختيارات امام البطل حين يفشل في الهروب من العدو ؟
س 5 : ما حجم المعلومات التي يملكها العدو عن البطل ؟
س 6 : ما هي قدرة البطل على صراع العدو ؟
ست اسئلة تصل بنا الي بناء الفصل الثاني بالاجابه عليها ، و بالطبع لا يفضل دمج الاجابه بل تنسيقها مرحليا .
فإن الاسئلة 1 و 2 تصلح لتمثل نقطة الانطلاق في احداث الفصل الثاني بدءا من نقطة الحبكة الاولي ، ثم من الطبيعي ان في نقطة مواجهة 1 يتمكن البطل من الهروب مكتسبا فهم اكبر للعدو و منتبها الي السؤال 3 .
ثم في نقطة المنتصف على البطل ان يصل الي ادراك انه في نقطة اللاعودة و بالتالي يظهر دور السؤال 4 .
و بطبيعة الحال سوف يملك العدو حجم معلومات كبير عن البطل تجعله ينتصر في نقطة المواجهة 2 مجيبا على السؤال 5 .
لتبقي المواجهة الاخيرة في نقطة الحبكة الثانية لتجيب على السؤال رقم 6 .
هذه الاسئلة تساعد في بناء العقبات المتتالية للبطل و صراعه مع البطل الضد و يمكن الرجوع الي نقاط هيكل القصة في دراسة سابقة عن بناء القصة في الفيلم الروائي و كيفية كتابة فيلم ناجح ، قدمها الباحث من قبل استنادا الي نموذج سد فيلد في بناء قصة الفيلم .

الفصل الثالث
اكتمال المأساة و نهاية الامتداد

كجزء اساسي من طبيعة افلام الرعب التي سبق ان شرحناها في الجزء الاول من الدراسة تسعي افلام الرعب للحصول على نهاية تراجيدية ، بمنطق المأساة الكلاسيكي القديم بحيث يتمكن العدو من الافلات تماما من الموت ، و ربما يصاب البطل بالجنون او الرحيل عن عالمه الحقيقي و الانجذاب لعالم اخر اكثر واقعية من عالمه كما في فيلم قطاع 9 District 9 ، فإن ما يحدث للبطل من نفي بصورة من الصورة هو ما يحقق لدي المتلقي مشاعر التطهير ، و لذا يبقي عمل الكاتب على انهاء قصته بانجاح عملية التطهير و شعور المشاهد بالشفقة على حال البطل و بالخوف من ان يواجه نفس مصيره .
و لكن يبقي للنجاح التجاري لافلام الرعب فرصة حصد نجاح اكبر بثنائيات و ثلاثيات و ربما خط انتاج كامل من نفس النموذج و هو ما يحدث مع كثير من افلام الرعب ، لذا تصبح النهاية في الفصل الثالث تضم هذا الامتداد ، فكلما هرب البطل من الزومبي في مكان لمكان اخر يكتشف انه قد تم السيطرة عليه من قبل الزومبي ليمهد لمواجهة جديدة .
او اذا تمكن البطل من حجب الروح الشريرة في قلادة او مكان ما ، فإن القلادة او المكان يستولي عليه او يزوره اشخاص اخرون دون ان يعلموا نوعية الخطر التي تنتظرهم من وراء القلادة او المكان .
نهاية الامتداد هي نهاية متعارف عليها في كافة الانواع الفيلمية و لكنها توظف بنجاح كبير في افلام الرعب لانتاج اجزاء جديدة من الفيلم خاصة حين يلاقي الفيلم ناجحا تجاريا و يبقي السؤال هل الكاتب في هذه الحاجه يخضع للضمير الفني ام التجاري .

التوفيق بين الضميرين ضرورة احيانا و بعض الكتاب لا تكون لديهم رغبة في تكرار التجربة لذا يتم تحميل مسئولية كتابة السيناريو لكاتب اخر جاء بوعي جديد و بالفعل يضيف الكاتب الجديد ابعاد اخري لنموذج فيلم الرعب المقدم مما يساعد على تحقق النجاح الفني و التجاري .

ويظل فيلم الرعب نموذج ناجح جدا في المجتمع العربي دون ان يكون من انتاج هذا المجتمع ، و تحقق هذا الامر ربما يحدث في الاعوام القادمة بتوافر مادة علمية و فهم جيد لمصادر الخوف التي تسيطر على المجتمع .

الصورة من فيلم صمت الحملان انتاج 1991

التعليقات