أخر المقالات

الصحه النفسيه بين الماضى و الحاضر

الكاتب : مى رشاد

دخل الإنسان القرن الواحد والعشرين يحمل معه من القرن الماضي عبءاً ثقيلاً من المشكلات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية المعقدة، منها ما هو قابل للحل ومنها بعد جهد وتكاليف كبيرة ومنها ما هو خطر وشديد التهديد ولا يمكن حله بسهولة.
ولعل تراكم المشكلات وازديادها حدة ما هو إلا نتيجة تطور تاريخي طويل عبر العصور المختلفة، ولكن بالمقابل نجد أننا اليوم نمتلك كماً هائلاً من المعرفة والأدوات العلمية التي تجعلنا قادرين أكثر فأكثر على مواجهة المشكلات “ومنها مشكلات الصحة النفسية” التي تواجهنا ونمتلك أساليب فاعلة لمواجهة القسم الأكبر منها، على الرغم من أن كثير من المشكلات التي نواجهها اليوم غير مألوفة ومتقلبة، وقسم كبير منها يسببها الإنسان بنفسه بوعي منه أو دون وعي.
لقد اهتم الإنسان عبر العصور المختلفة من تطوره بالصحة كما نهتم بها اليوم وأدرك أهميتها كقيمة عليا، وسعى نحو تحقيقها بشتى الوسائل، غير أن مستوى المعرفة لم يكن دائماً مواز لمستوى طموحات الفرد الصحية. فالمعرفة تراكمية وهي في كل فترة أفضل من سابقتها، إلا أنها لم تكن في أي عصر من العصور موازية لمستوى معرفتنا الراهن. ومع ذلك فمستوى معرفتنا الراهن حول الصحة والمرض يدين بالدرجة الأولى لأولئك الذين لأولئك الذين سبقونا في أننا وصلنا الآن إلى هذا المستوى من المعرفة، تماماً كما سيدين لنا أبناء العصور اللاحقة في إيصال مستوى المعرفة التراكمي إلى ما استطعنا الوصول إليه، ولكن في الوقت نفسه يقع علينا اللوم لأننا مسؤولين عن الأضرار التي ألحقناها ببيئتنا وبعلاقاتنا الاجتماعية والتي سنورثها لهم دون ذنب لهم في ذلك. إننا –أبناء هذا العصر- لا نجد الكثير لنلوم فيه سابقينا من هذه الناحية.
كانت الأوبئة والأمراض المعدية غير الوبائية و الكوارث الطبيعية بأشكالها المختلفة والحروب والجوع هي المارد الجبار الذي يرعب الناس عبر العصور المختلفة ويهدد وجودهم. ومع ذلك فقد عرف الإنسان عبر تاريخه أشكالاً مختلفة من الاضطرابات والمشكلات النفسية، منها ما كان يلقى الاهتمام والرعاية ومنها ما لم يكن كذلك، أو كان لا يعد مرضاً أو مشكلة تستحق الرعاية والاهتمام. وقد سعى الإنسان سعياً حثيثاً عبر عصوره المختلفة لفهم طبيعة هذه الأمراض وأسبابها، فعرف بعضها وغابت عنه معرفة أسباب القسم الأكبر منها، ذلك أن مستوى معرفته في العصور السابقة لم يكن يتيح له التعرف على أكثر مما استطاع معرفته في ذلك الوقت، تماماً كما تواجهنا اليوم كثير من القضايا التي نقف عاجزين عن فهم أسبابها على الرغم من امتلاكنا لمستوى من المعرفة يفوق عشرات الآلاف من المرات مستوى المعرفة في العصور السابقة، بدءاً من عصور ما قبل التاريخ حتى اللحظة الراهنة.
وكان الإنسان ينظر للأمراض التي تمس العقل نظرة متطابقة مع النظرة الفلسفية والدينية السائدة في ذلك العصر والمكان. فبعضها كان يعد حالة راقية من التواصل مع الآلهة، يبلغها أشخاص اختارتهم الآلهة لتحقيق أهدافها على الأرض، وبعضها الآخر كان يعد عقوبة من الآلهة لذنوب وأخطاء اقترفها الإنسان وبعضها الآخر كان يعد مسَّاً من الأرواح الشريرة. وبالتالي كانت طرق العلاج المختلفة التي ابتدعها الإنسان تتناسب مع تلك النظرة للأسباب.
أما أمراض الإدمان والأمراض الناجمة عن السلوك الصحي الخاطئ فلم تكن معروفة أو على الأقل كانت العلاقة بين السبب والنتيجة غائبة، أو أن وجود هذه الأمراض لم يكن شديداً وواسع الانتشار لدرجة اعتبارها مشكلة ملحة تتطلب الحل وتتطلب البحث عن الأسباب.
وكانت الإعاقات الجسدية والعقلية الأوسع انتشاراً، بسبب الحروب والكوارث الطبيعية، وربما كان المعوقين جسدياً أوفر حظاً من المتخلفين عقلياً، لكن الاهتمام بهم وبمشكلاتهم الخاصة وما ينجم عن إعاقاتهم من عواقب لم يحظ عبر العصور بالاهتمام الكافي وكان لابد من الانتظار طويلاً –إلى نهايات القرن التاسع عشر- كي تتاح الفرصة ونتيجة لتطور العلوم بشكل عام وظهور علم النفس كعلم مستقل و لتبدل النظرة الفلسفية للإنسان شيئاً فشيئاً، واعتبار الظواهر الاجتماعية والنفسية ظواهر خاضعة لقوانين معينة يمكن اكتشافها والتعامل معها، مثلها مثل الظواهر الطبيعية الأخرى.

التعليقات