الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

هل يدرك العرب الان أنهم قد أكلوا يوم أكل الثور الأبيض في 2003 بسقوط بغداد ؟ الحلقة الثالثة: التأثير الايرانى فى العراق

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

مهدت الثورات العربية المجال أمام عدد من القوى الاقليمية لفرض أجنداتها الخاصة فى العراق مستعينة بالتغير الذى شهده العراق الجديد عقب سقوط نظام صدام حسين .
ويأتى على رأس هذه القوى الإقليمية إيران، التى استطاعت توظيف التغيير فى هرم النظام السياسى فى العراق، واختلال الميزان لصالح القوى الشيعية على حساب القوى السنية التى سيطرت فى الماضى على مقدرات السلطة. وتحول المعادلة من «عرب - سنة» إلى «شيعة - أكراد» وهى متغيرات صبت فى مجملها إلى جانب أخرى فى مصلحة إيران، التى سعت إلى ايجاد بعض منها، بينما ساعدتها الظروف على جنى ثمار أخري و فق محددين رئيسيين لها كانا قد بدءا منذ قيام الثورة الاسلامية فى ايران عام 1979 اولهما مبدأ تصدير الثورة و ثانيهما التاكيد على فارسية الخليج . و قد عملت على صياغة سياسات لتحقيق هذه التوجهات من خلال مؤسسات سياسية و عسكرية و اقتصادية ياتى على رأس هذه المؤسسات الحرس الثورى الايرانى و ما يتبعه من كيانات اجتماعية مثل مؤسسة المستضعفين ومؤسسة الإمام الرضا وفيلقا بدر والقدس، تلك المؤسسات التى أصبح العراق بالنسبة لها مسرحا لممارسة النشاط الإيراني .

الأهمية الاستراتيجية للعراق
حاولت إيران بسط نفوذها وترسيخ أركانها فى الداخل العراقي، وفى مرحلة لاحقة المحافظة على هذا النفوذ وتدعيمه، نظرا للاعتبارات التالية :
- الموقع الجيواستراتيجي:
كان العراق ولا يزال أحد أهم محددات صياغة العلاقة البينية بين إيران ومحيطها العربي، حيث مثل حائط صد للأهداف الإيرانية التوسعية وسياسات التغلغل فى الجوار العربي، واعتبر فاصلا قويا بين إيران والعالم العربى الذى يعد العراق بوابة العبور له، فكان العراق البعيد عن السيطرة الايرانية عازلا لإيران عن امتدادها الشيعى فى بعض دول الخليج وسوريا ولبنان .
- محاولة فك العزلة المفروضة على إيران من قبل الغرب:
يمثل العراق لإيران فى هذا السياق خيارين أساسيين، أولهما: أن التوغل الإيرانى فى العراق يمنحها ورقة ضغط فى مواجهة الغرب، تنعكس كعامل قوة لموقفها التفاوضي، ويمنحها القدرة على المناورة فى ملفاتها الخلافية مع الغرب، وبصفة خاصة مع الولايات المتحدة الأمريكية، التى عانت لسنوات طوال من تورطها فى المستنقع العراقي، وكان للتفاوض السرى مع إيران فضلا فى إخراجها منه بشكل ما و ثانيهما: التلويح باستخدام القوة الخشنة من خلال وكلائها فى العراق والمنطقة للإضرار بالمصالح الغربية، وذلك لتحقيق مكاسب فى ملفها النووي. وقد برعت إيران فى استخدام سياسة العصا والجزرة وحققت بفضلها تقدما فى قدرتها النووية، واكتسبت قوة فى موقفها التفاوضى خلال هذه الفترة. وإلى جانب ذلك ما مثله العراق لإيران من متنفس باعتباره أقرب الأسواق لتصريف البضائع الإيرانية فى ظل العقوبات المفروضة عليها من الغرب، لاسيما وأن العراق قد تعرض لعقوبات دولية مماثلة جراء غزو العراق فى أغسطس 1990، وقد نشطت فى هذا الإطار عمليات التهريب بين البلدين .
- السيطرة على الخلاف المذهبى مع النظام القديم:
مثل نظام صدام حسين لإيران تهديدا على تخومها، يتمثل فى وجود نظام عربى– قومى – سنى فى مواجهة نظامها الفارسى – الشيعي، الذى يحول دون تواصلها مع امتدادها الشيعى داخل الأراضى العراقية، فى الوقت الذى تولى فيه إيران أهمية خاصة للحوزة الدينية فى النجف وكربلاء، وتعتبر أن السيطرة على الحوزة الدينية فى العراق وجعلها تابعة للحوزة الدينية فى قم من شأنه أن يسمح بتدعيم النفوذ الإيرانى لدى باقى الشيعة فى المنطقة. وقد ظهر التوجه الإيرانى فى هذا الإطار من خلال سعيها الى توحيد الكتلة الشيعية فى العراق الجديد ليتحول وزنهم الديموغرافى إلى وزن سياسي، يمكن الشيعة من السيطرة على الحكومة العراقية، وهو ما حدث مع استحقاقات انتخابية عدة .



- مواجهة المتغيرات الداخلية والإقليمية:
لم تكن نظرة ايران لأهمية العراق بمعزل عن تحولات الأولى داخليا والتطورات الإقليمية من حولها، فكانت هناك صلة وثيقة بين تحركات ايران الخارجية ووضعها الداخلي، وهو ما يمكن ملاحظته خلال السنوات العشر الأخيرة، والتى اقترنت فيها سياسات ايران الخارجية وفى القلب منها سياساتها تجاه العراق بوضع داخلى متأزم اقتصاديا وسياسيا، حيث تأثير العقوبات الاقتصادية الغربية على مجمل مفاصل الاقتصاد الإيراني، فى وقت يشتد فيه الصراع السياسى بين التيارين المحافظ والاصلاحي، بل شهد التيار المحافظ نفسه صراعا بين جناحيه المتشدد والمعتدل، مما دفع النظام الايرانى الى تحقيق نجاحات او بالأحرى مصالح خارجية، تعمل على تقوية موقفها داخليا .
كما شكلت التحولات الإقليمية دافعا أيضا للمحافظة على وضعها فى العراق كورقة ضغط فى مواجهة الضغوط المحكمة عليها دوليا، والتى سعت الى تفكيك تحالفاتها التقليدية فى المنطقة، مع حزب الله اللبنانى والنظام السوري، غير أن تطورات الثورات العربية وأزمة النظام السورى حاليا، قد جعل من العراق الكارت الأهم لدى إيران، وان لم يكن الأخير حيث الحوثيين فى اليمن .
آليات النفوذ الإيرانى
وضعت الاستراتيجية الإيرانية الساعية لتحقيق هدف بسط نفوذها فى العراق، محددين أساسيين كى يتسنى لهذه الاستراتيجية النجاح، اولهما: ضمان عدم عودة عراق قوى بعيد عن سيطرتها، وفى الوقت نفسه ألا يكون العراق ضعيفا غير قادر على صد التهديدات على حدودها وبالتالى تصديرها لها عبر الحدود، ثانيهما: ضمان تشكيل حكومة مستقرة عقب الخروج الأمريكى تكون موالية لإيران وليس للولايات المتحدة. واستعانت ايران بعدد من الآليات لتنفيذ استراتيجية بسط نفوذها فى العراق، من أهمها :
الأدوات السياسية والأمنية
نظرا لتوافق المصلحة الإيرانية مع مثيلتها الأمريكية فى اسقاط نظام صدام حسين فى العراق، لم يبد النظام الإيرانى اعتراضا على خطط الولايات المتحدة لضرب العراق، بل على العكس ووفق العديد من الخبراء فقد تم تنسيق أمنى سرى بين الولايات المتحدة وإيران عقب دخول قوات الأولى العراق، بينما عملت إيران من ناحيتها على تقديم الدعم المالى والاستخباراتى من خلال الحرس الثورى وجهازى الأمن والاستخبارات، ومؤسسات من الحوزة الدينية بقم، للقوى السياسية الشيعية خاصة حزب الدعوة، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية لمساعدتهم على إزاحة القوى السنية والقومية، فى محاولة لخلخلة الاوضاع السياسية فى العراق لصالحها، واستطاعت من خلال تمكين حكومات موالية لها تحقيق اختراقات فى ملف الحدود مع العراق، إذ انتزعت موافقة العراق على اتفاقية الجزائر 1975 التى تحدد الحدود الفاصلة بين البلدين، وكذلك الموافقة على إعلان العراق عن مسئوليته عن شن الحرب على إيران 1980، وهو ما ترتب عليه آثار قانونية وتعويضات .
وقد ظل الوجود العسكرى الإيرانى من خلال الحرس الثورى سريا لفترة طويلة، غير أن ظهوره مؤخرا قد تزامن مع هجمات تنظيم «داعش» على العراق، وسيطرته على عدد من المحافظات الإيرانية، حيث شاركت القوات الإيرانية فى القتال ضد داعش إلى جانب القوات العراقية، وفى ظل غياب تنسيق أمريكى مع العراق بشأن هذه المواجهات قامت القوات الإيرانية منفردة بشن غارات جوية على التنظيم شرق العراق نهاية عام 2014، أنكرتها فى البداية ثم أقرت بتنفيذها بعد ذلك، على لسان مساعد وزير الخارجية الإيرانى إبراهيم رحيم بور، بينما تم الإعلان مؤخرا عن مقتل ضابط عسكرى ايرانى كبير فى العراق - جنرال حميد تقوى - أثناء مشاركته فى مهمة تدريبية للجيش العراقى والمتطوعين العراقيين فى مدينة سامراء .
كما نشرت وسائل الاعلام الايرانية صورا لقائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليمانى وهو يقف الى جانب مقاتلين اكراد عراقيين يقاتلون «داعش»، بدون توضيح متى واين التقطت هذه الصورة. فى خطوة غير مسبوقة للإعلان عن نشاط الحرس الثورى فى العراق. وفى إطار الدور الذى لعبته إيران فى مساعدة الجيش العراقي، وقع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون الدفاعي، وقعها وزيرا الدفاع الإيرانى حسين دهقان ونظيره العراقى خالد العبيدى فى طهران، فى ديسمبر الماضى 2014، تنص على تحديد مجالات التعاون الدفاعى بين البلدين
- الأداة الإقتصادية والثقافية :

عملت إيران على توسيعِ علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع العراق؛ والاستفادة من السوق الاستراتيجى بالنسبة لها، حيث بلغ معدل التبادل الاقتصادى بين البلدين حوالى 12 مليار دولار خلال عام 2013
كما سعى القطاع الخاص الإيرانى للاستحواذ على نصيب كبير من السوق العراقية، لاسيما عند بداية جهود إعادة الاعمار، من خلال شراء أصول صناعية وعقارية، كما استطاع الحصول على امتيازات واسعة فى حقول النفط العراقي .
كما سعت إيران إلى مد جسور تواصل بينها وبين امتدادها الشيعى فى العراق من خلال مؤسساتها الدينية والاجتماعية، وتخصيص أموال طائلة لتكون تحت تصرف رجال الدين لتوزيعها على المحتاجين من الطائفة الشيعية، بغرض كسب الشعبية والتأييد بالإضافة إلى التأثير الفكرى والسياسى عليها، كما يمكن ملاحظة الدور الذى تلعبه القنصليات الإيرانية فى عدد من المحافظات العراقية مثل أربيل والسليمانية والبصرة وكربلاء فى ذات الإطار .
إلى جانب ارسال العديد من العراقيين للدراسة فى الحوزة الدينية فى قم، وزيادة نشاط السياحة الدينية للحوزة فى النجف وكربلاء، والتى بلغت حسب بعض التقديرات إلى 3000 زائر إيرانى للعراق يوميا، يقوم بعضهم بالاستقرار فى العراق، الأمر الذى ساهم فى تغيير التركيبة الديموغرافية لعدد من المحافظات العراقية.
كما حاولت طهران الاستفادة من وجود حكومات عراقية موالية لها لإحداث تغيير فى المناهج التعليمية من خلال إعادة صياغة تاريخ الحرب العراقية الإيرانية، وكذلك حذف دور الفرس فى قتل الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، بشكل يخدم الصورة التى تسعى إيران لترويجها فى الداخل العراقي. بينما قامت وزارة التربية العراقية بمنح عقود طباعة الكتب المدرسية فى المطابع الإيرانية .
تأثير الرأى العام
فضلا عن جهود تحسين الصورة الإيرانية لدى المجتمع العراقي، استطاعت ايران تحقيق اختراق واضح فى وسائل الاعلام العراقية من خلال تمويل بعضها أو من خلال كسب ولاء القائمين عليها، وإنشاء أخرى تابعة لها، ومن أهمها قناة العراقية، والفرات التابعة لفيلق بدر، والمسار التابعة لحزب الدعوة، ومحطتا أهل البيت، وحقيقة فإن إيران تجيد إدارة الملف الإعلامى الذى يخدم مصالحها ويعد أحد أدوات استراتيجيتها فى عديد من مناطق نفوذها فى العراق وسوريا والبحرين

التعليقات