الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أكاذيب الخروج تزينها التقنية

لم تعد التقنيات الفنية السينمائية العديدة قادرة علي خداع أعيننا عن السموم الفتاكة التي تحاول بعض المرئيات السينمائية أن تبثها إلي العقول ممزوجة بعسل التقنيات الجمالية الرائعة التي تبهر العيون، لقد أصبحت عقولنا تتمتع بمناعة من منتجات آلة الإبهار الهوليودية، وحصلت عيوننا علي فطامها بعد أن تفتحت علي فضاءات سينمائية مغايرة لا تحظى آلة الدعاية الصهيونية فيها بالغلبة والسيطرة.
لم يكن للموسيقي الرائعة الشجية المشحونة المعبرة التي امتزجت مع الصورة المبهرة الخيالية التي قدمها لنا فيلم "الخروج" "Exodus Gods and Kings" والتي تدخلت فيها تقنيات الأبعاد الثلاثية التي قدمت مشاهد غاية في الإبهار.. لم يكن لكل هذا الحشد من أدوات الإبهار وتقنياته أن تجعلنا نغفل عن مواضع السم الذي تصر آلة الدعاية الصهوينة علي مزجه في عسل الجماليات المرئية الهوليودية لجذب مزيد من تعاطف البشرية مع إدعائات الصهيونية العاليمة بمظلوميات أسطورية لم تكف عن ترويج أكاذيبها في عدد من المرئيات السينمائية بين الحين والآخر.
لقد جاء فيلم "الخروج" "Exodus Gods and Kings" للمخرج (ريدلي سكوت) في نهاية 2014م ليكمل سلسلة طويلة من أفلام ترويج الأكاذيب الصهونية العالمية، لكن هذه المرة عبر القصة التاريخية لخروج قبائل العبرانيين من مصر بقيادة نبي الله (موسى) - عليه السلام.
ربما كان فيلم "سيف في الصحراء" عام 1949م؛ من إخراج (جورج شيرمان)؛ هو أول أفلام آلة الدعاية الصهيونية، إذ كان هدف الفيلم الدفاع عن موقف بريطانيا المساند لقيام الكيان الصهيوني في فلسطين، من خلال تصوير العلاقة بين الصهاينة وبريطانيا على أنها علاقة عداء نتيجة دعمها للعرب والفلسطينيين؛ ولم يكن هذا الفيلم هو آخر أفلام الأكاذيب فالقائمة طويلة؛ نذكر منها أفلام: "المشعوذ" إخراج (إدوارد ديمتريك) سنة 1953، و"الخروج" إخراج أوتو بريمنجر سنة 1960، و"يهوديت" إخراج (دانييل مان) سنة 1964، و"الظل العملاق" إخراج (ملفيل شافلسون) سنة 1966، و"راشيل.. راشيل" إخراج (بول نيومان) سنة 1967؛ من أهم الأفلام الصهيونية الأمريكية, أما أهم الأفلام الأوربية الصهيونية؛ فمنها: الفيلم الإيطالي "معركة سيناء" إخراج (مورتيز ولوتشيدي) سنة 1968، والفيلم البريطاني "إنها أرضه" إخراج (جيمس كوللر) سنة 1969، والفيلم الفرنسي "حائط القدس" إخراج (فرانسوا رايشنباخ) عام 1969، والفيلم السويسري "المواجهة" إخراج (رولف ليوسي) سنة 1975. (راجع؛ موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية؛ عبد الوهاب المسيري).
الكذبة الأولى
لعل أول هذه الأكاذيب التي يروج/يمرر لها فيلم "الخروج" "Exodus Gods and Kings" هي كذبة بناء العبرانيين للهرم الأكبر، إذ يحاول الفيلم أن يمرر هذه الكذبة من خلال عدم التأكيد عليها ووضعها في خلفية أحد المشاهد التي تقدم تسخير المصريين للعبرانيين في الأعمال الشاقة، فتضع الهرم الأكبر في خلفية المشهد وقد إلتف حوله العمال والبنائين العبرانيين.
ولعل آثارهم تدلل علي كذب إدعائهم، إن من يستطيع أن يشيد هرمًا مثل هرم الملك (خوفو) بالجيزة، لجدير به أن يخلف لنا مجموعة من الآثار التي تحمل بعضًا من عظمة هذا البناء وفلسفته، ولا نجد آثرًا واحدًا بعد خروج هذه القبائل العبرانية من مصر في أرض فلسطين أو في أرض سيناء يأتي في مستوى عظمة الهرم الأكبر أو حتى يتدني علي سمته أو فلسفته المعمارية. وليس لهيكلهم المزعوم وجود ملموس في هيئة حجرين متقاربين يدلان عليه لو بظلال من الشك.
الكذبة الثانية
ما سقط فيه المسئولان عن الديكور والمناظر بالفيلم (سيليا بوباك) و(بيلار ريفولتا)؛ والأخيرة حاصلة علي الأوسكار فيما سبق؛ من جمعهم لعدد من الأهرامات المصرية المختلفة في منطقة العمل والتشييد، دون الإنتباه إلي أن أمرين كلاهما يفوق الآخر في الأهمية؛ وهما:
1. أن فكرة الأهرمات ليست موجودة في كل العصور المصرية القديمة؛ لأن الحضارة المصرية القديمة استمرت لأكثر من خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، واعتمدت علي التنوع الفني ومن قبله الفلسفي في معتقداتها التي كانت الدافع وراء منتجاتها الفنية التي ظل جزء كبير منها شامخًا وصامدًا علي مر العصور التالية له، فعصر بناء الأهرامات ينتمي إلي الدولة المصرية القديمة، وليس الدولة المصرية الوسطى (الأسرة التاسعة عشر) التي كانت ثقافتها ومعتقداتها تلجأ إلي الدفن في مقابر وليس في أهرامات. إن مطالعة كتاب واحد متخصص في الفن المصري القديم كانت تكفيهم لعدم التورط في هذه المغالطة الكبرى.
2. هناك تطور في عملية بناء الأهرامات، صاحبت التطور الحضاري للدولة المصرية القديمة وقتئذ، وقد لحقت بها مرحلة تدهور في بناء الأهرمات مع تدهور الدولة القديمة ذاتها، فلم يكن أجدادنا المصريين القدماء يبنون الهرم المدرج أو المصاطب أو الهرم الأكبر، أو حتى أصغر هرم من إجل إحدى الملكات بغرض التنوع البصري في المنظور التشكيلى للفراغ، لكن هناك عوامل كثيرة تتدخل في شكل الهرم وحجمه، يمكن مراجعة كتب التاريخ المصري القديم للوقوف عليها. وهي علي الجملة لا تجعل عملية بناء هرم كبير وهرم مدرج تتزامن، لأن المدرج كان في مرحلة حضارية سابقة للهرم الأكبر، ربما يفصل بينهما طراز هرمي آخر مثل هرم ميدوم الذي أشرف علي إتمامه الملك (خوفو) بنفسه من أجل أبيه الملك (سنفرو) الذي توفى قبل إتمام هرمه بنفسه.
الكذبة الثالثة
يقدم الفليم ملك مصر يستقرئ الطالع بواسطة إحدى الكاهنات، والتي تستقرئه من كبد إحدى الطيور؛ هذه القراءة للطالع لم تكن معروفة في أي من العصور المصرية القديمة، لكنها كانت خاصة بالبابليين والأشوريين (حضارات أرض الرافدين القديمة) وليست خاصة بالمصريين القدماء في أي عصر من عصور الحضارة المصرية القديمة؛ كما أخبرنا بذلك (سبتينو موسكاتي) في كتابه الشهير "الحضارات السامية" وهو كتاب صادر بالإيطالية سنة 1949م ومترجم إلي عدة لغات منها العربية. وكان حري بصناع الفليم أن يستعينوا بمتخصصين وعلي دراية بمثل هذه المعتقدات الثقافية، خاصة وأن النبوءة التي قدمتها تلك الكاهنة عبر استقرائها للطالع من كبد الطائر بني عليها مجموعة كاتبي السيناريو (آدم كوبر، بيل كولاج، جيفري كاين، ستيفن زيليان) التصاعد الدرامي الخاص بفيلمهم ذو البناء الدرامي المتصدع.
الكذبة الرابعة
جعل الفيلم خروج (موسى) - عليه السلام - من مصر بعد حادث القتل عن طريق النفي، لا الهروب خوفًا من بطش فرعون ونظامه لأنه قتل مصريًا، كما تتفق الروايتان القرآنية والتوراتية علي أن الخروج من مصر كان هربًا لا نفيًا كما قدمه الفيلم، "فهرب موسى من وجه فرعون" (الخروج: 2: 15).
حيث يصر السيناريو الفيلمي علي تقديم العلاقة بين (موسي) و(رمسيس) باعتبارها علاقة تنافسية علي السيطرة والغلبة والقيادة، وفقًا للنبوءة التي قدمت في الكذبة الثالثة؛ بأن من ينقذ القائد في المعركة يصبح قائدًا ذات يوم ما. فقام (رمسيس) في الفيلم بنفي (موسى) من مصر كي لا يصبح قائدًا بها ذات يوم، أو ليس من الممكن والمحتمل أن يصير (موسى) قائدًا في مكان ما خارج مصر ويعود إلي (رمسيس) ليصارعه، ألم يكن جديرًا بتفكير منطقي أن يتحرى (رمسيس) قتل (موسى) أو التخلص منه لتصير له القيادة والزعامة بلا اي منافس محتمل. لقد حاول السيناريو تصويب هذا الخطأ الدرامي بأن جعل رجلان يحاولان قتل (موسى) في الصحراء، لكنهما يفشلان ويصرعهما (موسى) لينجو، ثم يعود ويبرر محاولة القتل تلك بأن من قامت بها هي أم (رمسيس) وليس (رمسيس) نفسه، دون أي تأسيس لعلاقة عداء بين أم (رمسيس) و(موسي) أو معرفة أم (رمسيس) بتلك النبوءة التي قُدمت في الكذبة الثالثة، وكأننا أما فريق كتابة يتخبط بين رغبات تجاوز القصة التوراتية في سفر الخروج، وبين رغباته في إدانة المصريين دونما دوافع متماسكة من شخصيات ورقية لم يستطعوا إحكام بنائها إنسانيًا.
الكذبة الأخيرة
وهي بالتأكيد ليس أخر أكاذيب فيلم "الخروج" "Exodus Gods and Kings"، فثمة عشرات الأكاذيب ترقد بين جبنات الفيلم، بادرت بالأمساك ببعضها البارز.
صنع الفيلم من شخصية (موسى) رئيسًا لعصابة دينية تمارس الشغب، وتقوم بإرهاب خصمها باسم البحث عن حرية الشعب، وباسم الرب، وكأن عليك أن تنتزع حرية هذا الشعب بالعنف وقوة السلاح. بينما قدم النصان التوراتي والقرآني (موسى) طالبًا لحرية الشعب العبراني من ذل عبودية وتسخير حاكم مصر لهم، بالنصح والقول اللين الذي يدعمه الرب بمعجزاته المؤيدة لمطالب (موسى) العادلة عن حرية العبرانيين بدون عنف أو إرهاب.
في الفيلم يتوقف (موسي) عن ممارسة العنف، لأن الرب (صورة الرب) يطلب منه أن يتولي الأمر بنفسه، مما يجسد التيارين الرئيسيين في الكيان الصهيوني الآن؛ فأحدهما يتبنى العنف في إقامة الدولة الكبرى المزعومة، بينما يدعو التيار الثاني إلي انتظار مشيئة الرب وأفعاله التي تقيم الدولة الكبرى المزعومة علي أرض فلسطين. ناهيك عن اتساق الفيلم مع رؤية اليهود للرب بتلك الصورة/الهيئة الرمزية التي قدم عليها.
أخيرًا
كما يقول المثل المصري "الكذب ما لوش رجلين"؛ أفتقدت أكاذيب فيلم "الخروج" "Exodus Gods and Kings" إلي أقدام تحملها وتنهض بها لتسير إلي هدفها المرغوب، وهذه الأقدم المفقودة هي السيناريو المتماسك الجيد البناء، ولم تفلح التقنيات الجمالية المبهرة في تجميل أو تزيين هذه الأكاذيب.

التعليقات