الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

محمود سعد دياب يكتب: الانتخابات الإيرانية وتغير شكل الحكم بالجهورية الإسلامية



>> استبعاد حفيد الإمام الخوميني من انتخابات المجلس لافتقاده شرط الكفاءة العلمية يؤكد نزاهة الانتخابات وارتكانها للديمقراطية



تشهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية حاليًا، اثنتين من أهم الانتخابات فى تاريخها، بعد الثورة الإسلامية التى قادها الراحل الإمام الخومينى عام 1979، هى انتخابات مجلس الشورى الإسلامى (البرلمان) وانتخابات مجلس خبراء القيادة.



ويعتبر الكثيرون الانتخابات الحالية فارقة في التاريخ الإيراني، حيث شهدت إقبال غير طبيعي من الشباب الذين تسابقوا لالتقاط صور السيلفي بعد إدلائهم بأصواتهم، كما شهدت العملية الانتخابية نزاهة وديمقراطية ضمنت المساواة بين كافة المرشحين.







وتأتي الانتخابات فى توقيت حرج جدا، وهذا المجلس غالبا هو المجلس الذى سيختار خليفة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد على خامنئى، لأن الرجل يبلغ من العمر ستة وسبعين عاما، وأن مجلس الخبراء تستمر مدته سبع سنوات بمعنى أن هذه الدورة ستستمر حتى عام 2023م، لأن مجلس خبراء القيادة هو المعنى بتعيين المرشد أو الولى الفقيه وعزله، وكذلك النظر فى صلاحياته إذا أخل بواجباته ولهذا فإن الانتخابات هذه المرة تكتسب أهمية خاصة، ولهذا تم النظر بعين الريبة إلى بعض الأمور من جانب المعارضين أهمها زيادة العدد هذه المرة ليصبح 99 عضوا بدلا من 88عضوا هو العدد الحالى، لكن مصادر السلطة قالت سواء كان العدد 99 عضوا أم 88عضوا فإننا أمام انتخابات حرة هى المعيار للجميع، كذلك تم النظر بعين الريبة إلى استبعاد عدد كبير من المتقدمين للترشح باعتبار أن هذا الاستبعاد هو استبعاد سياسى، حيث كان عدد المتقدمين للترشح نحو 600متقدم انسحب منهم 158متقدما، ولم يشارك 158 فى الانتخابات الفقهية ولم يسمح لـ 111متقدما من بينهم حفيد الإمام الخمينى السيد حسن الخومينى الذى يبلغ من العمر 43عاما.
حيث أكد المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور المسئول عن قبول أو رفض المتقدمين، أن الاستبعاد تم بسبب نقص الكفاءة العلمية حيث يشترط فى علماء الدين المتقدمين للترشيح أن يكون بدرجة آية الله وهى أعلى درجة علمية، دينية، حيث يمر العالم أو الباحث بعدة مراحل تبدأ من مقلد ثم حجة الإسلام ثم تنتهى بآية الله، ولابد أن يكون الباحث قد حصل على عدة إجازات علمية وأن تكون له دراسة علمية مبتكرة لم يسبقه إليها أحد، بمعنى أن يكون مجتهدا فهذه هى شروط الكفاءة العلمية، ومن الواضح طبقا لتصريحات المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور أن السيد حسن الخمينى لم يحقق هذه الدرجة العلمية وهناك تصريحات لنجله أحمد حسن الخمينى تفيد أن والده لم يحصل فعلا على هذه الدرجة. لذا فإن مجلس خبراء القيادة الذى ينتخب بعد 26فبراير الجارى، هو المنوط به تحديد المرشد القادم لإيران الإسلامية، ولهذا فهو أهم مجلس بعد الثورة وأهم من المجلس الذى استبعد خليفة الإمام الخومينى السابق والراحل آية الله منتظرى، وكذلك اختيار السيد على خامنئى خليفة للإمام الخومينى.
أما أهمية انتخابات مجلس الشورى الإسلامى البرلمانى فهى الأهم فى تاريخ إيران لعدة أسباب، أولها أن هذه الانتخابات أول انتخابات بعد إتمام الاتفاق النووى بين إيران ومجموعة خمسة زائد واحد، والذى تم بمقتضاه تقليص قدرات إيران النووية، بحيث يصبح من المستحيل على إيران إنتاج سلاح نووى فى مقابل ذلك ترفع العقوبات الاقتصادية عن إيران ويرفع الحظر عن أموالها المجمدة. من جانب آخر تستعد إيران للدخول فى مرحلة جديدة فى علاقاتها الدولية، فقد عاشت إيران عزلة فرضها عليها المجتمع الدولى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، التى اعتبرت إيران العدو الأول، خصوصا بعد اقتحام مقر الطلاب الإيرانيين للسفارة الأمريكية فى طهران واتخاذ عدد من العاملين فى السفارة رهائن لمدة 444يوما والاستحواذ على الأوراق الموجودة داخل السفارة، واعتبرتها إيران وثائق تدل على التجسس على إيران والعديد من دول الشرق الأوسط ثم بعد ذلك الدعم الذى قدمته إيران لحركات المقاومة اللبنانية (حزب الله وغيره) وحماس والجهاد الإسلامى فى فلسطين، مما أدى إلى تصنيف إيران باعتبارها دولة إرهابية، ثم وضعها الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش الابن واحدة من دول محور الشر، وأكثر من مرة يعتمد الكونجرس الأمريكى مبالغ من ميزانيته لإسقاط النظام الإيرانى، ولهذا لعبت أمريكا وحلفاؤها الغربيون دورا كبيرا لفرض عزلة دولية على إيران، وصحيح أن إيران نجحت إلى حد ما فى كسر جزء من العزلة بعمل علاقات مع دول فى أمريكا الجنوبية مثل فنزويلا والبرازيل وكوبا، كما نجحت فى توطيد علاقاتها مع الاتحاد السوفيتى ثم روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، وكذلك نجحت فى إقامة علاقة مع الصين وأيضا نجحت فى إقامة تحالفات مع سوريا ولبنان والعراق بعد سقوط صدام حسين، وكذلك الدخول إلى إفريقيا إلى غير ذلك، لكن برغم هذا فإن إيران كانت تعتبر نفسها محاصرة ومعزولة من أغلب دول العالم، ومن ثم جاءت اللحظة مع مقدم الرئيس روحانى للسلطة، وهو الرجل الموصوف دوليا ومحليا بالاعتدال، وكان من أهم برامج الرئيس روحانى الذى كان أمينا عاما للمجلس الأعلى للأمن القومى الإيرانى لمدة ثمانى سنوات، أكسبته خبرة كبيرة فى التفاوض والحوار، كان من أهم برامج الرجل إبان ترشحه للرئاسة هو الوصول إلى اتفاق بشأن الملف النووى، ثم كسر العزلة الدولية على إيران وظهور إيران أمام العالم بوجه جديد، وقد نجح الرجل بالفعل، وها هو الآن ينتقل بإيران إلى الدخول فى علاقات دولية جديدة، ولهذا لم نندهش من هذا الكم الكبير من الشركات والمؤسسات الدولية المتجهة إلى إيران للاستثمار هناك، فضلا عن الساسة ورجال الدبلوماسية، ومن المفترض أن يلعب هذا البرلمان دورا مهما فى إظهار هذا الوجه الجديد لإيران، ولقد عودنا الساسة الإيرانيون أنهم يتعاملون مع العالم بمزاج المرحلة، ففى الوقت الذى شعر فيه الإيرانيون أنه يمكن أن يكون هناك حوار مع العالم جاء الرئيس الإيرانى المعتدل الإصلاحى محمد خاتمى إلى سدة الحكم، ولعب خاتمى دورا مهماً فى حوار الحضارات، وبعد ذلك عندما جنحت السياسات الدولية إلى التشدد بنجاح بوش الابن فى أمريكا ونيتانياهو فى إسرائيل، انتخبت إيران أحمدى نجاد ليواجه هذا التشدد بتشدد مثله، والآن مرحلة الاعتدال التى يقودها الرئيس روحانى فإنها بالضرورة ستفرز برلمانا معتدلا، ومن الواضح أن المزاج العام للشعب الإيرانى فى هذه المرحلة سيتجه نحو ذلك.
ولهذا عندما تقدم للترشح للبرلمان 12123متقدما، فإن مجلس صيانة الدستور استبعد أكثر من ستة آلاف مرشح وتحدثت المعارضة عن مذابح لقوائم الإصلاحيين، وبالفعل هناك مخاوف لدى صانع القرار الإيرانى من أن يكون الاتفاق النووى والتوصل إلى حل فيه والانفتاح على الغرب، أن يكون مدخلا لاختراق المنظومة الثقافية الإيرانية أو فتح الباب أمام الثقافة الغربية، حيث إن لدى إيران جماعات ليبرالية تسعى إلى تحويل البلد إلى المنظومة الغربية الليبرالية، وهذا ما يقلق صانع القرار الإيرانى، ومن ثم رأى الكثيرون أن استبعاد هذا العدد الكبير هو من هذه التخوفات، غير أن الاستئناف الذى تقدم به المستبعدون فى التاسع من يناير الماضى، وكذلك الاستئناف الآخر الذى تقدموا به فى التاسع عشر من يناير، أصبح عدد المقبولين عشرة آلاف وتسعمائة وأربعة وخمسين مرشحا وتم استبعاد 814متقدما فقط، وقال نجاة الله إبراهيمنيان المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور إن من استبعدوا كان بسبب عدم استيفائهم الشروط، حيث إن شروط التقدم لانتخابات مجلس الشورى الإسلامى، هى الإيمان بالنظام الإسلامى وكذلك المواطنة الإيرانية والولاء للدستور ولمبدأ ولاية الفقيه، وكذلك الحصول على درجة علمية جامعية على الأقل سنتين فى الكليات والمعاهد الجامعية وكذلك أيضا السمعة الطيبة، فلا يكون متهما فى أى قضايا جنائية وأن يتمتع بصحة جيدة على الأقل تكون لديه القدرة على السمع والنظر والتحدث وألا يقل عمره عن ثلاثين عاما، تلك هى الشروط التى يتم من خلالها اختيار 290مرشحا هم أعضاء مجلس الشورى الإسلامى الإيرانى فى دولة تعداد سكانها 80مليون نسمة موزعين على 207دائرة انتخابية.
ولكل ما تقدم يتبين لنا أن انتخابات مجلس الشورى الإسلامى «البرلمان الإيرانى»، هى أهم انتخابات فى تاريخ إيران والمتوقع أن يكون البرلمان بلون الاعتدال للدخول إلى العالم بوجه جديد وكذلك تكمن أهمية انتخابات مجلس خبراء القيادة، التى وضعتهما السلطة معا فى يوم واحد حتى تقلل الإنفاق على الانتخابات، وحتى لا تضيع وقت الناس فى تعدد الانتخابات، كما وضعت انتخابات المحليات فى نفس يوم انتخاب رئيس الجمهورية لتقليل الإنفاق، ولهذا يتوقع الخبراء أن تكون إيران ما بعد26فبراير الحالى، هى إيران الجديدة المعتدلة التى تفتح ذراعيها للمجتمع الدولى وعلى الأخص لدول الجوار الجغرافى وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وبلاد الجوار السياسى وعلى رأسها مصر .

التعليقات