الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

التعاطف والمساعدة.. لا المساعدة والتعاطف

من يساعد من؟ أو من يقدم المساعدة لمن؟ وكيف؟
في فيلم "المساعدة" للمخرج (تات تايلور) المأخوذ عن رواية بنفس الاسم للكاتبة (كاترين سكوت) حفنة من السود المضطهدين بسبب اللون في الولايات المتحدة الأمريكية خلال حقبة الستينات - وما أدراك ما الستينات - وتحاول فتاة شابة أن تشق طريقها في عالم الصحافة والكتابة عبر إحدى الصحف المحلية، فتقترح علي الناشر أن تقدم كتابًا عن حياة السود في إحدى الولايات - حيث تعيش - ويعتبر السود أن تقديم مثل هذا الكتاب هو بمثابة مساعدة لهم تقدمه إحدى النساء البيض لنشر قضيتهم علي المجتمع الأمريكي الذي يتجاهلهم ويتعالي عليهم.
ما هي حقيقة هذه المساعدة، وسط هذه الثرثرة والحكايات العديدة التي تقدمها الإناث في هذا المجتمع شبه المغلق؟
النساء السود كن يساعدن الفتاة البيضاء علي إنجاز كتابها الأول الذي سيحمل عنوان "The help" (المساعدة) والذي سيكشف عن حجم الاضطهاد الذي يتعرض له السود وخاصة النساء أصحاب الحكايات المسرودة والمتواترة عن المعاملات اللاإنسانية التي يتعرض لها السود وخاصة النساء اللاتي يقدمن المساعدة للسيدات البيض في تربية أبناءهن وبناتهن دونما عناء أو كبد.
النساء السود كن من يقدمن المساعدة علي مستوى الحكي القصصي لإنتاج الكتاب الذي سيحمل صاحبته لأن تتبوأ مكانتها في عالم الكتابة والصحف، ذلك علي مستوى المبني الحكائي للفيلم، فهن مصدر الحكايات، وهن من يخضعن الأحداث للترتيب الذي ظهر به في الفيلم. فمثلاً حكاية الخلاف العنيف بين (ميني جاكسون) والسيدة (هيلي) لا يتضح أسبابها إلا بعد أن تحكي (ميني جاكسون) حكاية فطيرة الغائط التي التهمت منها السيدة (هيلي) قطعتين بمعرفة أمها، وهو بدوره ما يفسر سبب إيداعها لأمها بإحدى دور رعاية المسنين.
حمل المتن الحكائي للفيلم مجموعة من النساء البيض إلي جانب النساء السود اللاتي يقمن بالمساعدة علي طرفيها الحكائي والفعلي، وكان هذا العالم من النساء مناسبًا تمامًا لإظهار هذه المساعدة واضحة جلية سواء أكانت بمقابل أو بدون مقابل، كما أنه مناسب أيضًا لإظهار من يبخل بمساعدته ولماذا.
التعاطف هو الخطوة الأولي في طريق المساعدة الحقيقية، فالتعاطف يعني أن يستشعر الشخص ما لدي الأخر من انفعال أو إحساس أو شعور، بأن يتوحد مع الآخر بدرجة ما؛ لا تصل إلي حد التماهي عادةً؛ فيبدأ في التعاطف، ثم تكون الحركة الثانية التي هي تحويل الشعور والإنفعال إلي فعل خام يمكن أن يسمى المساعدة. لقد وقفت الخادمة السوداء تحكي للسيد والسيدة - البيض - عن كفاح أسرتها في تنشئة شابين بات علي أعتاب الجامعة وهي في حاجة إلي مبلغ مالي صغير لإتمام هذا الحلم، ولأن السيد الأبيض لا يستطيع التوحد مع السيدة، فتصنع أنه تأخر وأنصرف تاركًا السيدة السوداء في مواجهة الآخرى البيضاء، تصورنا أنه من المحتمل أن تتوحد كأنثى مع حلم هذه السيدة بمستقبل مبهج لشابين، لكنها كانت أبعد ما يكون عن التعاطف الذي هو عتبة المساعدة الأولي.
السود كانت لديهم قدرةً عالية علي التعاطف ومن ثمَّ المساعدة للبيض؛ وذلك من أجل المساعدة التي هي بدون مقابل سواء مادي أو معنوي. (ميني جاكسون) مع السيدة (سيليا) والتي كانت مرفوضة من السيدة (هيلي) ورفاقها. كذلك كانت (إيبلين) تتعاطف مع الطفلة الصغيرة وتساعدها مساعدات ليست تقدر بثمن وليس في نطاق مساعداتها مدفوعة الأجر - الزهيد ـ
إن عمليات تقديم المساعدة، والتعاطف هي من العمليات التي يتم فيها تبادل الأدوار بين أفراد المجتمع، وهي ما تصل بالمجتمع إلي ما يمكن أن يسمى بالتراحم. فكل واحد منا يحتاج إلي تعاطف الأخرين ومساعدتهم له، بقدر ما هو محتاج إلي أن يتعاطف معهم ويقدم لهم المساعدة, فالإنسان الذي يكبت مشاعر التعاطف داخله ويحرم نفسه من مساعدة الأخرين؛ هو بالتأكيد إنسان ينتقص من إنسانية نفسه بنفسه.
كاتب هذا المقال ربما يظن البعض أنه يقدم مساعدة تنويرية بمحاولة تأويل الفيلم موضوع المقال، إلا أنه بحاجة ماسة إلي تعاطف القارئ مع مقاله، ثم مساعدته في تبني هذا التأويل النقدي ومحاولة التماسه في سلوكنا اليومي.


التعليقات