الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

كرة القدم: وجه الحياة المتقلب

أجواءٌ متوترة.. العيون تلتقي وتتباعد.. الرؤية تشوش.. الذات تذوب وتنصهر.. يبقي هدف واحد يتمناه الجميع: الفوز.
في الحياة، وفي كرة القدم، إما أن تفوز وإما أن تخسر، المشكلة تكمن فيمن يعتاد الفوز، ومن يعتاد الخسارة؛ علي حد تعبير (فينس لومباردي) مدرب كرة القدم الأمريكية الأكثر شعبية، والذي صدر (أوليفر أستون) فيلمه "Any given Sunday" بإحدى مقولته كمفتتح للفيلم.
الأجواء المتوترة التي أحاطت المشاهد وسيطرت تقريبًا علي النصف الأول من الفيلم كانت ضرورية لإرباكه وتشويش رؤيته، فـ(أولفير أستون) ليس بصدد تقديم فيلم عن تاريخ فريق كرة قدم أو عن حياة مدرب كرة قدم، أو عن صعود نجم لاعب كرة قدم، أو هبوط نجم لاعب أخر، كما أنه ليس بصدد تقديم فيلم عن صناع لعبة رياضية وملاك أدواتها وإعلامها وكواليسها، كما أنه ليس بصدد تقديم فيلم عن صراع الأجيال والعلاقة الشائكة بين الأقدم والأحدث. إن (أوليفر أستون) يقدم فيلمًا عن كل هؤلاء جميعًا دفعةً واحدة، وهذه واحدة من مزايا خلطته/خطته الدرامية الشيقة. والأجواء المتوترة التي دشن لها (أوليفر أستون) في فيلمه ساهم في صناعتها كل من تباين أحجام اللقطات وتقاطعاتها السريعة الحادة.
1. ليس مجرد لعبة
إن فيلم "Any given Sunday" ليس مجرد فيلم عن لعبة رياضية ذات شعبية ساحقة في مجتمع ما، إنما هو فيلم عن العلاقات الشائكة والرؤى المتباينة لهذه اللعبة الرياضية والهدف الأسمى منها ومن الرياضة بشكل عام، حيث يقف الفيلم في جانب المبدأ الرياضي المتسامح عن تساوي فرص الفوز والخسارة، فالمهم هو الاستمتاع باللعبة، ويساوي الفيلم بين الحياة والرياضة كثيرًا فليس مهمًا ـ من وجهة نظر الفيلم ـ أن تفوز أو أن تخسر في الحياة، المهم هو أن تستمتع بها لأنها حياتك وليس لديك سواها.
والرياضة مثلها مثل أي شيء أخر من أنشطة الحياة؛ كالسياسة أو الحرب أو الاقتصاد أو العلم؛ تصلح لأن تكون مدخلاً أو إطارًا للنظر إليها، وهذا ما تبناه تمامًا (أولفير أستون) في هذا الفيلم، حيث اختلطت أوجه الحياة بعضها ببعض، فتدخلت السياسة والحرب والاقتصاد والعلم في الرياضة، وبالقدر نفسه يمكن للرياضة أن تتدخل في أوجه الحياة الأخرى. فتتداخل علاقات المال (كريستينا بجنياكسي)، مع السياسة (العمدة)، مع الحرب (خلفية فقدان المدرب لأبيه)، مع العلم (الطبيب هارفي)، كأنها تشكل منظومة متناغمة ومتنافرة في ذات الوقت تؤثر سلبًا وإيجابًا علي عالم لعبة كرة القدم الأمريكية كنموذج لإحدى الألعاب الرياضية الأكثر شعبية في موطنها المحلي. وقد رأينا في بلادنا كيف أستغل الرئيس المخلوع وأولاده مباراة في كرة القدم بين بلدين تجمعهما علاقات تاريخية، لتتحول إلي دعاية سياسية رخيصة تمهد لتوريث الحكم، وأفسدت العلاقات بين شعبين جمعهما نضال مشترك، وأثرت علي عدد كبير من الشركات التجارية، واستفادت منها وسائل الإعلام الرياضي لجعلها مادة دسمة لجذب الإعلانات إلي برامجهم ومحطاتهم. هكذا هي أوجه الحياة تتداخل ويؤثر بعضها في بعض.
2. تداخل النصوص السينمائية
إن (أوليفر أستون) يقدم فيلمه "Any given Sunday" عبر مجموعة من التناصات (تداخل النصوص) والتي يمكن تقسيمها هنا إلي نوعين رئيسيين؛ هما:
1. الاقتباسات: وهي نصوص محددة معلومة المصدر يتم إدخالها إلي عالم الفيلم، وهي هنا نوعين:
أ‌. نصوص مرئية: علامات مرئية تضمنها الفيلم باعتباره نصًا مرئيًا، وقد انقسمت بدورها هنا إلي نوعين:
الأول: نصوص مرئية سينمائية تم تضمينها في الصورة السينمائية حيث ضمن فيلمه بعض اللقطات المرئية من فيلم "Ben-Hur" (إخراج: وليم ويلر؛ 1959م)، والتي يظهر بها صراع الأصدقاء القدمى، ليستفيد فيلم (أوليفر أستون) من النص السينمائي المعروض بواسطة شاشة تلفزيون كبيرة في منزل المدرب (توني) (آل باتشينو) حيث لقاءه بالنجم الصاعد لاعب الكرة المتمرد علي روح الفريق (ويلي) (جيمس فوكس). ويستفيد فيلم "Any given Sunday" من هذا الاقتباس المرئي أمرين، أحدهما ظاهر، وهو تأسيس الصراع بين اللاعبين: الصاعد (ويلي) والمخضرم العائد من الإصابة (جاك روني)، عبر الحوار بين اللاعب (ويلي) ومدربه العجوز (توني)، فيظهر النص المرئي المقتبس مع حديث (ويلي) عن أن زمان (روني) قد ولي وأن الزمن القادم ملكه وحده حيث يقود الفريق إلي النصر. أما عن الاستفادة الخفية من الاقتباس المرئي فربما تتمثل في الصراع بين القديم والحديث؛ السياسات/الطرق/الوسائل الحديثة والقديمة، التي يمثلها كل من (يهوذا) و(ميسلا) في فيلم "Ben-Hur"، ويعادله صراع الأجيال داخل الفريق الواحد بين (روني) العائد المخضرم و(ويلي) الصاعد المتغطرس في فيلم "Any given Sunday".
الثاني: نصوص مرئية لمباريات كرة قدم أمريكية تاريخية عبارة عن لقطات أرشيفية (أبيض وأسود)، استفاد منها باعتبارها ذاكرة المدرب العجوز (توني)، الذي هو امتداد لهذا التراث الكروي الرياضي الشعبي.
ب‌. نصوص كلامية: وهي تلك الجمل التي يؤتى بها إلي سياق الفيلم ويمكن نسبتها إلي أصحابها مباشرة، وقد اقتبسها الفيلم بطريقتين؛ هما:
الأولى: في النص الموازي؛ حيث يمثل النص التصديري للفيلم أحد مكونات هذا النص الموازي سينمائيًا. فالفيلم يبدأ بكلمة تصدير افتتاحية تكتب علي الشاشة تحمل نصًا مقتبسًا عن المدرب الأمريكي الشهير (فنيس لومباردي) حيث يقول فيها: "أؤمن بشدة أن أفضل ساعة لدى الرجل؛ إنجازه العظيم لكل ما يقدره ويعتز به؛ هي تلك اللحظة التي يعمل بها جاهدًا ـ لسببٍ نبيل ـ ثم يرقد مُجهدًا على أرض المعركة مُنتصرًا". هذا النص الموازي المقتبس ينتصر لفكرة أن الرياضة فوز أو خسارة، المهم هو الاستمتاع بالممارسة؛ وهذه هي مقولة الفيلم الرئيسية، وتؤكدها مقولة اللاعب (شارك) في أزمته؛ إذ يقول: "كرة القدم هي حياتي.... إنها حياتي.. إنها كل ما أستطيع عمله"، فيما يعارضها اللاعب (ويلي) النجم الصاعد الذي يري أن الفوز هو الشيء الوحيد الذي يحترم.
الثاني: علي لسان الفاعلين في حوارهم الدرامي، فيقتبس مرةً جملةً من الكتاب المقدس علي لسان القس في غرفة اللاعبين عقب خسارتهم لمباراة ليواسيهم بها. ومرة أخرى يقتبس جملة تُنسب إلي عمدة كاليفورنيا؛ ترد علي لسان (كريستينا بجنياكسي) التي تسعى لبيع الفريق؛ عن أنه لا يجود بما يستحق أن يصوت الناس من أجله في الانتخابات. لتستخدم السياسة في المعاملات التجارية التي تستخدم الرياضة أيضًا لسلعة لحصد الأموال.
2. الاستدعاء: وهو استحضار الشخصيات أو الأحداث أو المراحل التاريخية أو اللغة أو الإطار الفني التراثي في عمل فني جديد، وقد يكون هذا الاستحضار جزئياً أو كلياً، تصريحاً أو تلميحاً، تعبيراً مباشراً أو تعبيراً فنياً.
ويُعد استدعاء الشخصيات هو الأبرز في هذا السياق الفيلمي، ففي البداية يستدعي مدرب كرة القدم الأمريكية (فنيس لومباردي) عبر كلمة التصدير الافتتاحية المنسوبة إليه، ثم يستدعي عدد من أعلام اللعبة في الولايات المتحدة الأمريكية منهم من صارت هناك جوائز تمنح بأسمائهم مثل (لومباردي) و(سامي بو). حيث يستدعى المدرب (توني) عددًا من أسماء أعلام لعبة كلة القدم الأمريكية في حديث له مع اللاعب (ويلي) ليؤكد له علي لعبة كرة القدم ليست مجرد فوز وأنتهى الأمر إنها تاريخ خطه رجال عظام مثل (لومباردي) و(تايتل) و(سامي بو) وغيرهم. ويستفيد من هذا الاستدعاء رفض اللاعب (ويلي) لأن ينتمي إلي أي شيء أخر غير أناه المتضخمة التي صورت له أنه يستطيع أن يفعلها بعيدًا عن الجماعة والفريق والتاريخ، وهذا ما سيتبين له في النهاية ليعود منتميًا.
وفي سياق أخر يستدعي عددًا من نجوم الجاز الأمريكيين: (كولترين)، (مونك)، (مايلز)، (دايفز)، (بيلي هوليداي). ويستفيد من هذا الاستدعاء توضيح اختلاف الأجيال بين المدرب العجوز (توني) واللاعب الشاب (ويلي)، حيث يفضل (توني) موسيقي الجاز العتيقة، بينما يستمع (ويلي) وجيله إلي (الراب) وتنويعاته المختلفة التي تتعدد أسمائها، وهو ما يؤكد علي تلك الهوة القائمة بين الجيلين.
3. خطاب عميق متعدد المستويات
بعيدًا عن التناصات والاقتباسات التي استفاد منها فيلم "Any given Sunday" جدًا، يمكننا التأكيد علي تعدد مستويات الطرح الفيلمي التي عمل (أوليفر أستون) علي تأكيدها، فيبرز مستوي اللعبة الرياضية وتفاصيلها الدقيقة وأبعادها الخططية وقد استفاد منها تمامًا لجذب المشاهد الرياضي (الأمريكي) بالتأكيد الذي تعد هذه اللعبة جزءً من شخصيته. وأرتفع قليلاً ليرصد أنشطة الحياة المختلفة التي تشتبك مع هذه اللعبة الرياضية، حيث هناك صناعة تجارية كاملة تقف خلف هذه اللعبة؛ وخلف غيرها؛ لتستفيد اقتصاديًا منها تمامًا، فتجد مالك الفريق الذي هو جزء من دوري المحترفين وهو ما يعني سيطرة العمليات التجارية تمامًا علي اللعبة وتوجهاتها بعيدًا عن الهواة الذين يلعبون للاستمتاع، وكذلك عمليات بيع وشراء اللاعبين وغيرها من الصفقات، ناهيك عن التسويق الإعلامي لهذه الرياضة والصناعة التلفزيونية التي تقف خلف عمليات النقل التلفزيوني. وأخيرًا تأتي الحياة بعلاقاتها الإنسانية المعقدة والمركبة لتكون هي المستوى الأعلى في هذا الطرح الفيلمي العميق ، فتجد (كريستينا) وتشابك علاقاتها مع رجال الأعمال والسياسة، وتعقد علاقتها مع أبيها المتوفى الذي كان يفضل أن يكون له ولدًا عوضًا عنها، بالإضافة إلي تشابك علاقتها مع المدرب (توني) الذي يقود الفريق الرياضي الذي تمتلكه، وضم إلي ذلك علاقتها المضطربة بأمها. كما أنك ستجد (ويلي) النجم الأسود الصاعد الأناني ورؤيته المشوشة للعلام، ومتاجرته بكونه أسود اللون، وتأزم علاقته بأمه ورفيقته، وفريقه ومدربه مع تنامي أحداث الفيلم.
إن كل شخصية من شخوص الفيلم تحيا حياة كاملة، نسجت دراميًا بكل تفاصيلها الإنسانية بحيث تصنع كلاً مركبًا دراميًا هو هذا الفيلم المركب متعدد المستويات الذي يدعى: "Any given Sunday" للمخرج الرائع (أوليفر أستون).




التعليقات