الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الرهان

الكاتب : محمود حمدون

" الرهان "
محمود حمدون
=====

الدولار يتجاوز العشرة جنيهات .. معلومة منتشرة منذ سويعات على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الجرائد الإليكترونية .. وبغض النظر عن مصداقية الخبر , أو أنه يقع تحت أخبار البروباجندا , للترويج لإنهيار اقتصادي وللعملة الوطنية بشكل خاص .. إلاّ أن الخبر ودلالته ينبغي أن يؤخذا في الإعتبار , كذا ينبغي النظر للموضوع بزاوية أخرى :

إن إرتفاع الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري أو بالأدق , إنخفاص قيمة الجنيه مقابل الدولار ظاهرة طبيعية مرتبطة بسوء الأداء الإقتصادي المصري خلال عشرات السنين ونتيجة لتجارب خائبة من مجموعات اقتصادية أكاديمية قفزت على مواقع اقتصادية هامة ( بنظام الاستيراد السائد حاليا بالدولة )

لكن من الضرورة بمكان إعادة النظر في المتغّير الجديد الذي ظهر وعصف بقيمة الجنيه نزولا لهذا الحد غير المسبوق , فالملاحظ أن الأداء الاقتصادي كما هو لم يتغير منذ شهور طويلة , وثمة محاولات جادة للسيطرة عليه ,

وهناك مشروعات عملاقة وغيرها من الاتفاقات الدولية التي يُفترض أن تؤثر على مناخ الاستثمار بصورة إيجابية وتدفع العملة لأعلى أو على الأقل أن تحافظ عليها من التدهور أو تقليص درجة التدهور بصورة كبيرة .. لكن هذا لم يحدث !

كما أن الإجراءات الجمركية الجديدة , تغيّت السيطرة على نزيف العملة الصعبة في إستيراد سلع تُصنف تحت الرفاهية والكماليات وغيرها وكان يُفترض أيضا أن تدفع هذه الإجراءات لفائض من العملة الصعبة أو للتقليل من الفجوة بين الطلب على العملة والمعروض منها .. لكن هذا لم يحدث !!

لعل المتغيّر الوحيد المقبول منطقيا , أن تدخل البنك المركزي لوضع حد أقصى لتحويلات الدولار الأمريكي ( دخولا وخروجا ) من مصر من العلامات الفارقة في سرعة تدهور العملة الوطنية مقابل الدولار .

ملاحظة شخصية , أن تلك القرارات ارتبطت وبسرعة كبيرة بإختفاء المظاهرات والاضطرابات الداخلية ( بخاصة ما يُطلق عليها العمليات النوعية ) ما يعني أن ثمة رابطة إيجابية قوية بين الرقابة على التحويلات الدولارية وبين إختفاء أو ندرة هذه الإضطرابات ..

لعل هذا المتغيّر ( على فرض صحته ) هو ما أشعل الحرب والمواجهة فلم تعد نزالا في مظاهرة أو تفجير محول كهرباء أو قطع طريق , بل إتسع نطاقها لتصبح حرب على العملة الوطنية , معرفة نقطة ضعفها . فنجد إقبالا منقطع النظير على شراء العملة الصعبة ( الدولار ) من مصادره ( العمالة المصرية بالخارج ) ومن الداخل وبأي سعر , بصورة تقارب عمليات غسيل الأموال .

ربما كانت الفرضية السابقة من باب نظرية المؤامرة , لكنها تظل فرضية صادقة مع ثبات باقي المتغيّرات الأخرى .
قيل وتردد أن البنك المركزي المصري طرح مبلغ نص مليار دولار أمريكي خلال الساعات الماضية , بغرض وقف نزيف تدهور سعر العملة الوطنية مقابل الدولار الأمريكي ,, باءت بالفشل , ذلك أن هذا الإجراء وإن كان صحيحا من الناحية المصرفية البحتة ,

إلاّ أنه كما لو كان قطرة ماء في صحراء جدباء , لا يُغني ولا يُسمن من جوع , في ظل حالة من الشراسة من أطراف بالداخل والخارج تضارب على العملة الوطنية بقسوة ولم تعد المضاربة بغرض الإتجار وبحثا عن فروق سعرية مريحة , لكن بغرض إنهاك الاقتصاد وإشعال أسعار السلع والخدمات , توسعة شريحة الفقراء والمعوزين , كأداة لإشعال ثورة فقراء داخلية ,,

لا ريب أن هؤلاء وأولئك قد استوعبوا الدرس ورأوا عن يقين وحق أن المواجهة التقليدية مع الدولة , خاسرة ومكلّفة بشريا وماديا , وآثر هؤلاء جميعا أن تكون المواجهة اقتصادية وأن الرهان على تدمير العملة في مواجهة الدولار , لدولة تعيش على المعونات وغالبية سكانها فقراء وتستورد أكثر مما تُنتج ..

نعي جيدا أن المصري , بتاريخه الحضاري وموروثه الثقافي الطويل , قادر على التكيّف مع الوضع الاقتصادي , وأنه خبر الفقر وعايشه وتأقلم معه , وأنه يغض الطرف عن أي أزمة طالما كانت قيمة الحياة لديه تعلو وتتجاوز الموت والفناء , فإن حدث العكس وأصبحت الحياة رفاهية برغم الفقر والفاقة , وأصبح الموت مطلبا ,

وقتها , سوف تنطلق جموع الحرافيش من كل صوب وحدب على شاكلة يأجوج ومأجوج ,, في ثورة ستأتي على القواعد ولن تبقي ولا تذر .. ذلك رهانهم بالداخل والخارج , فهل يعي كبار القوم هذا ؟

التعليقات