الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

هل أتاك نبأ إسلام التتار؟.. بقلم: السيد شبل

الكاتب : السيد شبل


كانت عين جالوت في 1260م، معركة فاصلة، قادها المماليك (قطز، ثم بيبرس) الذين دان لهم حكم مصر والشام، بعد الدولة الأيوبية، قد وضعت حدًا لتقدم الإجرام المغولي غربًا، وحفظت مصر والشام من أن ينالهم الطوفان (اللاحضاري) المغولي!.

والمغول هم: تحالف بين قبائل منغوليا وأتراك وسط آسيا في القرن الثالث عشر، تحت مظلة حكم جنكيز خان.

ولكن هل تنتهي القصة هنا؟

الحقيقة أن هناك فصلين، في هذه القصة على قدر عال من الأهمية، قد تم التعمية عليهما، واحد لقصور في تناول الروايات التاريخية بشكل كامل، والثاني لأغرض سياسية بحتة، لا نزال نعاني من أمثالها اليوم..

الفصل الأول، دور ابن عم هولاكو (حفيد جنكيز خان)، في دعم المماليك:

1- كان زعيم القبيلة الذهبية، يدعى (بركة خان)، وورث الزعامة عن والده ثم أخيه، وهو قائد تتري ذا ثقل، وكان له إسهامات في تطوير مدينة "سراي – سراتوف الروسية حاليًا"، شمال المنطقة ما بين بحري القزوين والأسود، وتقع بالضبط على نهر الفولجا، وهي المدينة التي أسسها شقيقه باتو خان الذي قاد (الغزو المغولي لروسيا بدأ 1237 م، واستمر لعقدين).

2- القبيلة الذهبية التي تزعمها بركة خان، هي أولى قبائل التتار إسلامًا، وتسبب إسلامها في حدوث شقاقات مبكرة داخل المعسكر المغولي.

3- بركة خان هو ابن عم هولاكو.. الذي قاد القبائل المغولية في اتجاه اكتساح الأراضي العربية والإسلامية بداية من العراق وحتى وصل إلى إيران.. المهم أن بركة كان من أشد المعارضين لتوسعات ابن عمه، وليس معروفًا هل كان دافعه، هو الغيرة التي تكون عادة بين فروع الأسرة الحاكمة الواحدة، بسبب اقتسام الغنائم والأراضي والتفضيلات في العطاءات؛ أم، رفضًا لتدمير بلاد تنتمي لذات الدين الذي انتقل إليه هو وأسرته (أم الاثنين معًا).

4- لم يقف بركة خان عند حد رفض توسعات هولاكو، بل راسل بيبرس أكثر من مرة، وحالفه ضد "هولاكو"، وكان عاملًا هامًا في تدعيم النصر المملوكي على هولاكو، سواء في الشام أو حتى في الأناضول، والتي كانت تعاني جراء الانقسامات والحروب البينية بين السلاجقة (أجداد الأتراك الحاليين)، الذين وصلوا إليها من وسط آسيا في الثلث الأخير من القرن الثاني عشر ميلادي، والذين كانوا بانشقاقاتهم وتصارعهم سببًا، في وقت سابق، من الأسباب التي مهدت لانتصار الحملة "الصليبية" الأولى.

5- بالتزامن مع عين جالوت وما بعدها، وقعت حروب شديدة وواسعة بين جيش وأنصار بركة خان من جهة، وجيش وأنصار هولاكو من جهة اخرى، أغلبها في منطقة القوقاز (ليس هذا مجال التفصيل فيها).

المهم، أن بركة خان، وإسلامه، وتحالفه مع المماليك، كان أحد أهم العوامل التي مكنت الجيش العربي (الشامي والمصري) بقيادة الممالبك، من الانتصار على هولاكو.. وإلى هنا ينتهي الفصل الأول، الذي يغفله كثيرون (بسبب قصور في التناول التاريخي)، عند ذكر معركة عين جالوت وما أحاط بها من ظروف.

الفصل الثاني، إسلام دولة الإلخانات التي حكمت إيران والعراق:

1- بسط المغول (هولاكو) نفوذهم على رقعة واسعة تشمل (إيران، والعراق، والأناضول)؛ وحكمتهم سلالة مغولية: الإليخانيون.

2- في أواخر القرن الثالث عشر، أي بعد أقل من 40 سنة من عين جالوت 1260 م، وسقوط بغداد عام 1258 م، اعتنق محمود غازان (السلطان المغولي) الإسلام وجعله دين الدولة الرسمي، ثم أعلن أخوه في وقت مبكر من مطلع القرن الرابع عشر، أن مذهب الدولة هو المذهب الشيعي.

3- كان هذان الحاكمان شديدا التأثير في محيطهما، وأسهما في ازدهار سياسي، وربما، ثقافي وعلمي، في المناطق التي كانت تحت سلطتهم، خاصة في العاصمة تبريز ، حيث قام غازان بتشييد أبنية فخمة منها (مسجد كبير، ومدرسة، ودار للكتب، ودار لحفظ الدفاتر والقوانين التي استنها، ومرصد فلكي، ومستشفى، وخانقاه للمتصوفة). .

4- كانت مصر والشام في وحدة واحدة تحت سلطة المماليك، كما كانتا قبلهم، المهم أن المماليك أدوا دورهم في التصدي لأطماع هولاكو، ثم في تطهير الشام من الصليبيين، الذين بقيت عدد من إماراتهم، على حالها، طوال العهد الأيوبي..

- فنجح بيبرس في إسقاط إمارة انطاكية، واستردادها من الفرنجة "الصليبيين" عام 1268م، وهي أول إمارة كونوها في الشرق زمن الحملة الصليبية الأولى.

- ثم نجح المنصور قلاوون (مؤسس الأسرة) في إسقاط إمارة طرابلس عام 1289م.

- ثم نجح ابنه الأشرف خليل قلاوون، في حصار عكا (أهم معاقل الفرنجة)، واسترداها في 1291م.

(وكان للفرنجة قوات على الساحل الفلسطيني في حيفا ويافا.. تم تطهيرها).

6- حتى وفاة الأشرف خليل في عام 1294م، لم يكن (محمود غازان) قد وصل إلى السلطة، ولم يكن قد أسلم، ولا أسلم خلفه الآلاف، ولم يكن ببساطة قد صار المغول مسلمين!.

إذن فالأمور تبدلت الآن، فالكتلة الأكبر من المغول أعلنوا إسلامهم على المذهب الشيعي، وزعيمهم الذي كان مسيحيًا صار مسلمًا، والبلاد تشهد حالة تسامح ديني، والناس تنتقل من دين إلى دين، والمساجد يتم تشييدها.

في هذا الوقت وصل إلى الحكم في مصر صبي من أسرة قلاوون، وهو الناصر بن قلاوون (عمره 14 سنة)، بعد العادل كتبغا، وهو سلطان مملوكي (تركي – مغولي) الأصل.

وبما أن المغول قد أعلنوا إسلامهم، فقد سقطت من أيدي المماليك (الذين كانت حروبهم مع الصليبيين قد تجمدت في هذا الوقت)، ورقة الحشد الديني، باعتبار أن الحرب لم تعد دفاعًا عن أرض "الإسلام" ضد غزو "الكافر المغولي".. لأن التتار باختصار قد أسلموا.

هنا تبرز، واحدة من أهم المواقف التاريخية، التي تم فيها التجارة بالخلاف المذهبي، ويظهر دور واحد من أشد فقهاء الإسلام تطرفًا ونصّية وغفلة عن المعاني الروحية وهو: ابن تيمية، والذي حكم عليه سائر فقهاء عصره بالسجن لأرائه المتطرفة.

7- خرج ابتيمية من السجن، ليلعب دوره المطلوب بالضبط، في التضخيم من حجم الخلاف المذهبي، خدمة للسلطة، التي بدأت تواجه بخطر الإليخانات (المسلمين)، الذين بدأوا يدقون أبواب الشام، ويتمددون مرحلة بعد أخرى، وحاربوا المماليك في (معركة وادي الخزندار – 1299 م)، ثم وصلوا إلى دمشق، بل وامتدوا حتى غزة، ولو لفترة بسيطة.

8- لم تكن جيوش إليخانات المغول (المسلمين)، رحيمة بالأرض التي دخلتها، وتورطت في جرائم أعمال سلب وقتل، كعادة الجيوش التوسعية، لكن التاريخ بالغ في تصوير تلك الجرائم، ليذوب ذلك الحاجز الذي قد ينشأ عند القاريء للتاريخ، بين مغول "هولاكو" والمغول "المسلمين".. خدمة لأغراض سياسية في المرتبة الأولى، ثم فقهية في مرتبة لاحقة.

9- هنا، وهنا فقط.. يظهر لماذا، تم التعمية التامة على إسلام التتار؟

- لأن سلطة المماليك، كانت تريد أن تبقيهم "كفارًا" حتى يسهل الحشد في مواجهتهم، واستغلت "ابن تيمية" وفتاويه المتطرفة وتضخيمه للخلاف المذهبي، حتى تشرعن حربها.

وما غطى عليه "الناصر قلاوون وابن تيمية" وجد من يغطي عليه طوال التاريخ.

والحقيقة أنك لا تعرف بالضبط، هل وظفت السلطة ابن تيمية في معركتها، أم أن المناخ العام، ساعد ابن تيمية على الترويج لأفكاره التكفيرية، وباركت السلطة ذلك!.

10- الحقيقة، أن الناصر بن قلاوون لو كان ناضجًا بالقدر الكافي، لكان قادرًا على الاستفادة من إسلام (الإليخانات) والتقارب الإنساني معهم، والاتكاء على الدين كعامل توحيدي (وحدة تضامن)، وتشكيل حلفًا مقاومًا في مواجهة الفرنجة "الصليبين".. هذا إن كان ممكنًا؛ أما إن سبقوه (وهذا فعلًا ما جرى) باللجوء إلى الغزو، فقد كان يكفيه العامل القومي، ليواجه به أطماع المغول (مسلمين كانوا أو غير مسلمين) في أراضي غيرهم، وكان بإمكانه أن يحشد ضدهم باعتبارهم بغاة ومجرمين، يريدون توسيع ملكهم وأملاكهم، وإخضاع غيرهم من الشعوب إلى سلطانهم، ونهب خيراتهم، ومصادرة حقهم في إدارة مواردهم بالشكل الذي يناسبهم، ويحقق كفايتهم (وهذا طبعًا ما لا يرضاه الدين)، وكان يغنيه جدًا بعض ما قيل عن تعاون بين فلول "الصليبيين" ومحمود غازان (الحلف المغولي – الصليبي)، وكان يمكن للسلطة المملوكية أن تروج لقضيتها استنادًا إلى حجم الكوارث والاضطرابات التي تترتب على أيدي الجيوش الغازية، التي لها أطماع في ثروات البلاد المغزية.

لكن لأن (الحاكم وحاشيته)، لم يكونوا من طينة مختلفة عن طينة خصومهم، وكان الناصر قلاوون، فتاكًا وسفاحًا ومتسلطًا ضعيفًا في الآن ذاته، لجأ إلى الوصفة السهلة (غير الأخلاقية وغير الدينية)، وهي التجارة بورقة الدين، وغرس بذور الشقاق بين المسلمين، وتحريض البعض ضد البعض (حتى وصل الأمر لارتكاب مجازر ضد أهل الشام العرب في جبال لبنان سميت بالحملات الكسروانية استهدفت الشيعة والمسيحيين، وعممت الخطأ، وأخذت البريء بذنب المخطيء)، واستحضر هو أو اعوانه لهذه المهمة ذلك الفقيه الذي خرج من السجن، فوجد الظروف في صالحه، فأدى مهمته على أكمل ما يكون، ولا يزال أحفاده (فكريًا) يؤدون ذات الخدمة، لذات الصنف من السلاطين.

التعليقات