الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أن تكون ناقدًا.. 5

فهذا يعني أن لك تصورًا ما عن عملك النقدي وطبيعته.. ربما يكون هذا التصور منطلقًا لدورك، ولكتاباتك، ولوجودك ذاته.
إن النقد والناقد وحدهما القادران علي الكلام (بالمعني الحرفي لكلمة "الكلام")، بينما تقف جميع الفنون - بما فيها الشعر - خرساء، لأن جميع الفنون تعرض ما لديها وتسكت عن الكلام، إذ ليس بالإمكان أن يذهب الفنان إلي كل جمهوره (متلقي عمله الفني) ليقول لهم ما أرد التعبير عنه، وكيف قام بالتعبير عنه. كما أن كلام الفنان عن عمله في كثير من الأحيان يُفسد متعة الجمهور في تلقي ما يُعبر عنه العمل الفني من مستويات وإحالات، ومتعة التبصر/النظر في كيف أدت عناصر العمل الفني ما أريد للعمل الفني التعبير عنه.
أن تكون ناقدًا..
فعليك أن تمعن النظر قليلاً في دورك، وماهيته، وكذلك عليك أن تتأمل قليلاً في الأطوار التي مرَّ بها عمل الناقد، وكيف كان حال النقد في كل طورٍ منها، ثم تتفهم الطور الذي تقف به، أو الطور الذي تريد أن يوجد به عملك ودورك النقدي.
هناك ثلاث أطوار مرَّ بهن عمل الناقد والنقد؛ هي:
الطور الأول؛ هو الناقد القاضي.. وهو الناقد الحاكم.. الناقد صاحب الحكم التقييمي للعمل الفني.. الناقد الذي يقول - وقد يكتفي بهذا القول - أن هذا العمل الفني "جيد" أو "ردئ". حيث كان يُنظر إلي الناقد كأنه الصَّيْرَفِيُّ الذي يقوم بعملية تمييز العملة جيدها عن رديئها. وكأن الناقد - كما يصفه (أحمد مطلوب) في معجمه بأنه - هو من انصرف إلي تمييز الكلام الجيد من الردئ، وتحليله، والحكم عليه. وهناك من النقاد من توقف عند مسألة التمييز هذه بإصدار الأحكام التقييمية دون تعليلها تعليلاً جيدًا مقنعًا عبر عملية التحليل الفني، عابرًا مسألة التحليل إلي إصدار الأحكام، فصار قاضيًا غاشمًا (غشيمًا) عن فهم دوره، مستهترًا بأدواته (التحليل) التي تقوده إلي الحكم المقنع لجمهوره من المبدعين أو المتلقيين.
أما الطور الثاني؛ فهو الناقد الوسيط (السمسار) الذي يبدو عمله كأنه نوع من أعمال التطفل. لقد ميَّز (فراي نورثراب) هذا الطور من عمل الناقد في كتابه المُلهم "تشريح النقد"، حيث وصف النقد بأنه نوع متطفل من أنواع التعبير الأدبي، وبأنه "فن" يقوم علي "فن وجد قبله"، حيث يشكل النقاد طبقة من "الوسطاء الثقافيين" - اللفظة المهذبة لسماسرة الثقافة في العصر الحديث - وهم يوزعون الثقافة لقاء ربحٍ يربحونه، حيث يعتمد عملهم علي استغلال الفنان وزيادة أعباء (المستهلك) الجمهور. وفي هذا الطور يُنظر إلي "الفن" باعتباره بضاعة (منتج) قابلة/قابل للتسويق، وهكذا يكون علي الناقد (السمسار) الترويج/التسويق للسلعة (المنتج الفني). وهذا الطور ستجده كثيرًا في الصحف والمجلات التي يعمل علي إدارتها رجال أعمال أكفاء (هيئة تحرير) تجيد اختيار الوسطاء الثقافيين (السماسرة) بعين خبيرة مدربة ليمنحوهم لقب "الناقد"، لتستمر عجلة صناعة المال دائرة بلا توقف.
أما الطور الثالث؛ فهو الناقد العلمي، وهو ذلك الناقد الذي يسعى لأن يكون عمله علمًا ليس بالمعنى الدقيق أو الخالص لكلمة "العلم"، لكنه سعي لأن يعتمد عمله علي النظريات النقدية ومناهج النقد، ليقدم بها تعبيره، وليعتمد عليها تحليله عبر امتلاك أدواتها، مرورًا بمحاولة التحلي بالموضوعية والحياد، محاولاً أن يجمع في دوره ووجوده بين الفن والعلم. فيصبح عمل الناقد في هذا الطور - كما يصفه (نورثراب) - بعمل المؤرخ من جهة أن عملهما في الأساس يعتمد علي الفن والقدرة علي التعبير والصياغة والتبصر في الأمور، لكنه صار عمل يسعى لأن يتحلى بمواصفات علمية. فتضفي هذه العلمية علي الناقد هالة من الخصوصية والتفرد، وتلك هالة تسمح بارتقاء النقد مكانة فريدة، لا هي مكانة الوسيط (السمسار)، ولا هي مكانة القاضي/الحاكم، ولا هي مكانة الفنان المبدع، لكنها مكانة تسمو وترتفع وتنأى بنفسها إلا أن توصف بأنها "مكانة الناقد".
أن تكون ناقدًا..
عليك اختيار هالة لك، تميز بها دورك ووجودك.

التعليقات