الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الجيوبوليتيكس و رفض الفرضيات الجامدة 1

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

مقدمة :
الجيوبوليتك مصطلح مكون من جذرين يشير أحدهما إلى الجغرافيا والآخر إلى السياسة، لكن ليس المقصود منه هو الجغرافيا السياسية التي تعني بتأثير الجغرافيا (الخصائص الطبيعية والبشرية) في السياسة، إنما ينصب الاهتمام فيه على دراسة تأثير السلوك السياسي في تغيير الأبعاد الجغرافية للدولة .
تعريف الجيوبولتيك :
علاقة الدولة بمحيطها الخارجي وسياساتها الخارجية وتصورها عن ذاتها ومحيطها وتأثيرها وتأثرها بالعالم الخارجي وكيفية صياغة السياسات والنشاطات التي تحقق لها اكبر العوائد وتجنبها المخاطر .
يذهب كثير من الباحثين إلى أن علم الجيوبوليتك من العلوم القديمة، حيث نستطيع أن نجد بعض ملامح التفكير الجيوبوليتكي في آراء أرسطووينسب البعض آراء ابن خلدون في مراحل عمر الدولة إلى مفهوم الدولة العضوية كما تتطور في الدراسات الجيوبوليتكية، ويرى كثير من الباحثين أن المفكر الفرنسي مونتسكيو هو من وضع الإشكالية الأساسية لهذا العلم .
لكن الانطلاقة الحقيقية لهذا العلم بمنهجياته ومحدداته الأساسية تعود إلى الألماني فردريك راتزل (1844-1904) الذي يرجع إليه الفضل في كتابة أول مؤلف في الجيوبوليتكا يحمل عنوان "الجغرافيا السياسية" في عام 1897م.
وقد شهد القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين تطوراً كبيراً لهذا العلم سواء على المستوى النظري، أو على مستوى تأثيره في صياغة التوجهات الإستراتيجية الكبرى للدول، ولكن مع نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا، صار ينظر إلى الجيوبوليتك على أنه مثال للتوظيف الخاطئ للجغرافيا في السياسة،وقامت معظم الدول بمنع تدريس الجغرافيا السياسية والجيوبوليتيك في جامعاتها؛ باعتبارهما علمين مشبوهين يسعيان إلى بذر العداء ويكرسان الأطماع القومية.
واستمر الحال على هذا المنوال حتى تسعينات القرن الماضي عندما لاحت مؤشرات الانهيار الكبير للاتحاد السوفيتي، لنعود ونشهد الولادة الجديدة لمقولات الجيوبوليتك، ذلك أن انهيار كل المحددات الأيديولوجية والسياسية التي قام على أساسها النظام العالمي ثنائي القطبية بعد الحرب العالمية الثانية، دفع الباحثين في محاولاتهم تلمس شكل النظام الجديد المرتقب إلى أكثر العوامل ثباتاً وديمومةً في صنع الكتل السياسية الكبرى، ألا وهي الجغرافيا؛ فعادت إلى الظهور مقولات الجيوبوليتكا وظهرت في المكتبات مؤلفات كلاسيكية ودراسات حديثة تسعى لقراءة التحولات الكونية الكبرى من منظور جيوبوليتكي وانفرط العقد الذي فرض حول هذا العلم.
الاسس الرئيسية لعلم الجيوبولتيكس :
1- الموقع الجغرافي للدولة: للموقع الاستراتيجي أهمية في زمن السلم للسيطرة الحركة التجارية أما في زمن الحرب فيؤثر بقواعده العسكرية
2- شكل الدولة ومساحة رقعتها: سواء من حيث قصر الحدود أو مساحة الدولة حيث تمتاز الدولة العظمى بأتساع وكبر المساحة
3- المناخ: ويحد كثيرا من انتقالات البشر في المناطق التي تشتد برودتها كالجهات القطبية والمناطق التي تتصف بارتفاع حرارتها
4- السكان: حيث ان النصر في اوقات الحرب هو بعدد من يمكن حشدهم من الرجال في ميدان القتال
5- الموارد الطبيعية: يعد المكون الاقتصادي للدولة من العوامل والاسس الحيوية للقوة السياسية وجيوبولتيكيا الدولة
الجيو ستراتيجية والجيوبولتيك :
إن الجيوستراتيجية الحديثة تبحث عن تطوير الأمن القومي الداخلي كونه الإطار الذي يسمح بتطوير الأمة بمختلف قطاعاتها الاقتصادية، وإتباع الجيوستراتيجية الحديثة لمنهج "سلمي" قائم على تطوير آليات الدفاع عن المسرح العملياتي القومي الذي يمتد على كامل التراب القومي للدول، ويتلاحظ أن تطوير العالم لتكنولجيا المراقبة الفضائية باستخدام توابع ذات مرئيات عالية الوضوح المكاني، " جعل للجيوستراتيجية بشقيها العسكري والمدني بعداً فضائياً هاماً،
ولا شك في أن الهدف الثاني والأكبر للجيوستراتيجية الحديثة، يكمن في تحقيق المكاسب وتكوين مناطق التأثير والأنظمة اللاحقة أو التابعة، ذلك أن الجيوستراتيجية التطبيقية تتطلب أن يكون هناك منافع ومكاسب من وراء الأراضي المحتلة، التابعة أو الحليفة، بشكل مباشر أو غير مباشر عن طريق عبقرية اتخاذ القرار الصادر عن الاستراتيجي المسيطر أو الأقوى الذي يتخذ عادة "القرارات التكتيكية الهجومية" التي لها بالضرورة علاقات مكانية،
وتحتاج الجيوستراتيجية اذن إلى المعلومة المكانية ـ الزمنية، وهذه المعلومة يجب أن تكون موثقة وصحيحة لكي تتمكن القرارات التكتيكية الصادرة حسب الخطة الجيوستراتيجة من أن تكون صحيحة وقيمة وبالتالي ذات فاعلية، والحصول على المعلومات المكانية يكون عن طريقين فقط هما: العمل الميدان، وآليات استشعار عن بعد بواسطة المرئيات الفضائية عالية الدقة، كما أن الحصول على المعلومات المكانية المرئية والبيانات الخاصة بمختلف الخصائص الجغرافية لأي مسرح عمليات تسمح بعزل وحصار هذا المسرح إعلامياً وقطعه عن العالم مما يؤدي إلى شلل كبير في مختلف مرافق هذا المسرح وسرعة وقوعه كقيمة نافعة إن كان ذلك بالمعنى الفكري أو المدني للجيوستراتيجية المستخدمة .
وهكذا نجد بأن الجيوستراتيجية هي ليست نوعاً من أنواع الإستراتيجية لأن المسئول الجيوستراتجي يهدف إلى السيطرة المتكاملة على المجال ـ الزمن من أجل أن يتمكن الإستراتيجي من اتخاذ قراره الصحيح والأمثل، فهي إذن من هذا المنطلق أداة تقنية لاتخاذ القرار وهي تكتسب كل أهميتها من هذا المنطلق .
وتماشيا مع التغيرات الجغرافية والإيديولوجية التي عرفها العالم بعد انهيار المعسكر الشرقي، تغيرت نظريات الجيوبولتيك، نفسها عن وظائف الدولة، ومقوماتها، وكذلك عن عناصر البناء السياسي للدولة خارجيا وداخليا. وتغيرت كذلك نظريات وأساليب دراسة الجيوبولتيك وأصبحت الساحة الدولية مليئة بالعديد من النماذج العملية والواقعية عن المشكلات الخاصة بالحدود والأراضي المتنازع عليها .
و من ثم فقد تطور علم الجيوبوليتسكس فى تحليلاته ليواكب سمات العصر و تغيراته و رفض تلك الفرضيات الجامدة التى استمرت لفترة طويلة فى التحليل الجيوبوليتيكى كون الفرضيات التى تصلح فى زمن معين قد لا تصلح للتحليل فى زمن اخر بسبب جملة من التغيرات الجذرية التى حدثت فى السياسة الدولية و اقطابها و اقاليمها الجيوبولوتيكية . و هناك حاليا ثورة حقيقية لبلورة فرضيات جديدة لما أخذ يعرف بالبوليتيكس النقدى الأكثر صلاحية للتحليل الجيوبوليتيكى المعاصر

التعليقات