الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

جذور الازمة بين اذربيجان و ارمينيا

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

في قلب القوقاز وقريبا من منابع نفط بحر قزوين يدور الصراع على إقليم لا تزيد مساحته عن حوالي 4800 كيلومتر مربع تتشابك وتتصادم المصالح الإقليمية والدولية بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا فضلا عن اللاعبين الأساسيين في الأزمة أرمينيا وأذربيجان وقادة قره باغ .

متى نشأ الصراع وكيف تطور؟ ولماذا فشلت جهود الوساطة في احتوائه؟ وإلى أين يتجه؟ ومتى ينتهي؟
الاجابة على تلك الاسئلة تتطلب استيعاب عدد من النقاط و هى على التفصيل التالى :
السكان
يقدر عدد سكان ناغورني قره باغ بـ145 ألف نسمة، 95% منهم أرمن والـ5% الباقية من أعراق أخرى. ونظرا لموقع ناغورني قره باغ وكونها نقطة التقاء بين الإمبراطورية العثمانية والفارسية والروسية فقد شهد هذا الإقليم عددا كبيرا من الحروب وتنقلات وعمليات هجرة ونزوح بين السكان .

وقبل اشتداد العداوات بين العرقين الأذري والأرمني كان الأرمن يسكنون العاصمة ستبانا كيرت ويمثلون أغلبية السكان، في حين كانت مدينة شوشا -مركز قره باغ فيما قبل العهد السوفياتي- تضم غالبية أذرية. لكن بعد حرب عام 1992 بين أذربيجان وأرمينيا وبعد أن سيطر الجيش الأرمني على ناغورني قره باغ أجبر كل سكان الإقليم من الأذر على الرحيل .وكان أغلب الأذر في ناغورني قره باغ قبل التهجير، من المسلمين الشيعة وبينهم بعض السنة الأكراد. أما الأرمن فهم مسيحيون ينقسمون مذهبيا بين الكاثوليكية والأرثوذكسية .

نظام الحكم

ناغورني قره باغ جمهورية غير معترف بها دوليا. تأخذ بالنظام الرئاسي منذ نوفمبر/تشرين الثاني عام 1994. والرئيس هناك هو رأس الدولة ويتمتع بسلطات واسعة، فهو الذي يختار رئيس الوزراء الذي يشكل الحكومة، ومدة الرئاسة خمسة أعوام تجدد لفترة واحدة فقط. والرئيس في قره باغ هو الذي يحدد السياسات الخارجية والدفاع .
و هناك حكومة تتركز في يدها السلطة التنفيذية، ويكون من رئيس الوزراء مسؤول أمام كل من رئيس الجمهورية والمجلس الوطني أى البرلمان .
و يطلق على البرلمان المجلس التشريعي و يتكون من 33 عضوا بعد أن كان 81 عضوا قبل عام 1991، وقد جرت أول انتخابات لهذا المجلس في أبريل/نيسان عام 2000. ومدة عضوية النائب خمسة أعوام. ويختار الأعضاء رئيس البرلمان باقتراع سري .
اختلاف الآراء حول تكييف الصراع بين ارمينيا و اذربيجان

اختلفت الآراء حول الصراع بين أرمينيا وأذربيجان في تحديد طبيعته على النحو التالي :
- أنه صراع عرقي .
- انه تنافس جيوبوليتكى لا يشمل الأرمينيين والأذربيجانيين وحدهم بل يتعداهم إلى الأتراك والروس والولايات المتحدة و ايران و الاتحاد الاوربى .
- أنه استمرار لعداء تاريخي محمل بإرث كبير من الكراهية الدفينة بين الأرمن وكل من الأذر والأتراك
جذور الصراع
إرث الكراهية التاريخي
روح العداء بين الأرمن والآذر في منطقة القوقاز قديمة ولها أسبابها العرقية والدينية والتاريخية، وبالأخص إبان بسط الإمبراطورية العثمانية سيطرتها على تلك المناطق قبل عدة قرون. لكن بوادر تفجر الصراع في إقليم ناغورني قره باغ تحديدا تعود إلى العشرينيات من القرن الماضي

ولفهم أبعاد الصراع يجدر القول بداية أن هذا الإقليم من الناحية الجغرافية يقع في قلب أذربيجان لكن من الناحية الديمغرافية تسكنه أغلبية أرمينية بنسبة 95 % .
ستالين و سياسة فرق تسد :
كانت سياسة رئيس الاتحاد السوفيتي السابق جوزيف ستالين تقوم على بث الفرقة بين الجماعات العرقية داخل جمهوريات الاتحاد المترامية الأطراف، لتظل تلك الأعراق بحاجة دائمة إلى حماية الحكومة المركزية في موسكو . و قد اقدم ستالين عام 1923 على ضم إقليم ناغورني قره باغ إداريا إلى جمهورية أرمينيا، رغم أنه يقع كما سبق القول في قلب أذربيجان وفي المقابل -ولكي تتم سياسة تأجيج الصراع العرقي- فقد ضم ستالين إداريا منطقة ناختشيفان التي تقع جغرافيا في قلب أرمينيا وتسكنها أغلبية أذرية إلى أذربيجان، وبهذا بدأ الصراع في ناغورني قره باغ واستمر .
لكن الكراهية الدفينة فى قلوب الأذر و الارمن ظلت كامنة بفعل الخوف من رد الفعل السوفيتى اذا اندلعت قلاقل . فبقيت الامور على السطح هادئة لكن نيران الغضب كانت تمور فى الاعماق .


المسعى الأرميني للضم النهائي
وفي عام 1988 وتحديدا في العشرين من فبراير كان إقليم ناغورني قره باغ بأكمله يقف عند مفترق طرق .في ذاك اليوم طلب المجلس السوفيتي القره باغي من موسكو الموافقة على انضمام الإقليم نهائيا إلى أرمينيا. هنا سارع النواب الأذر الممثلون في المجلس إلى الاعتراض، فتوترت الأجواء وتحول الحقد التاريخي المكتوم إلى أعمال عنف سرعان ما تحولت إلى حرب أهلية في الإقليم سقط فيها مئات القتلى وآلاف الجرحى من الطرفين وفي العام التالي (1989) ذهب الأرمن بصراع ناغورني قرع باغ خطوة إلى الأمام وذلك حينما اتخذ المجلس الأرميني قرارابإعلان اتحاد قره باغ مع جمهورية أرمينيا

انفصال قره باغ وإعلان الاستقلال
في الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1991 تفكك الاتحاد السوفيتي وانفرط عقد جمهورياته، وفي أوائل عام 1992 أعلنت كل من أرمينيا وأذربيجان استقلالهما، وعلى الدرب نفسه فاجأ القادة السياسيون في إقليم ناغورني قره باغ العالم بإعلان استقلالهم ورغبتهم في قيام جمهورية مستقلة غير تابعة لا إلى أذربيجان ولا إلى أرمينيا .
أذربيجان اعترضت على إعلان استقلال قره باغ واعتبرته انفصالا وتمردا، بل ذهبت أبعد من ذلك واعتبرت ما قام به الانفصاليون هناك "مسرحية" تمت بالاتفاق المسبق مع أرمينيا

الحرب الأذرية الأرمينية
و من جهتها اعلنت ارمينيا دعمها للقادة السياسيين الارمن فى قره باغ و مدهم بالمال و السلاح و هو ما نظرت اليه اذربيجان على انه بمثابة اعلان الحرب فاندلع القتال بينهم بالفعل و استمرت الحرب طوال الفترة من 1992 حتى التوصل لوقف اطلاق النار عام 1994 و كانت نتائج تلك الحرب خاصة على الجانب الاذرى فوق الاحتمال .
المواقف الإقليمية والدولية
تعقيدات المصالح الإقليمية والدولية وتشابكها واتساع الهوة بين مواقف هذه الأطراف تباعد بين ناغورني قرة باغ وفرص الحل السلمي

تركيا
فتركيا تقف مع أذربيجان في تشديد الحصار على أرمينيا، ويساعد على توثيق العلاقات الأذرية التركية ما يربطهما من وشائج الدين واللغة . و يزيد من حساسية الدور التركى العداء بين الارمن و الاتراك بسبب اتهام الارمن تركيا بارتكاب المذابح بحقهم فى الحرب العالمية الاولى حين ثاروا على الدولة العثمانية عام 1915 .

روسيا
أما روسيا فتقف في صف أرمينيا رغم أنها أحد الوسطاء الدوليين لحل الأزمة، لدرجة تساءل معها البعض عن مدى حقيقة الدور "المحايد" لروسيا في الصراع القرة باغي، لا سيما بعد ما كشف عن إمداد روسيا لأرمينيا بالسلاح إبان حربها ضد أذربيجان 1992-1994
ويقوم التحالف الروسي الأرميني على تطوير روسيا لأعمدة الاقتصاد الأرميني، وعلى رأسها إنشاء محطات الطاقة، وتعاون عسكري أقامت روسيا بموجبه قاعدة عسكرية في العاصمة الأرمينية يريفان

إيران
بالنسبة لإيران فقد دعمت أرمينيا في أزمة قرة باغ لأسباب اقتصادية، أولها أن أرمينيا تحتاج إلى النفط الإيراني، بينما أذربيجان تبيع النفط كإيران وثانيها أن أذربيجان، في بداية استقلالها، تحالفت مع تركيا لترويج مشروع الجامعة الطورانية، الذي كان يعني نجاحه إزاحة إيران كلية عن المنطقة. هذا في الوقت الذي تمثل فيه إيران شريان الحياة لأرمينيا في ظل محاصرة الأخيرة من الشرق بأذربيجان ومن الغرب بتركيا
ومن جانب تعلن إيران عن دعمها للحق الإسلامي في النزاع القرة باغي، بينما من جانب آخر توسع علاقاتها الوطيدة مع أرمينيا، وتعطي للأرمن في إيران مزايا أكبر مقارنة بالأذريين
و يتداخل فى هذا الجانب دور الاقلية الأذرية فى ايران الذين يطالبون بحقوق يصل بعضها إلى الحكم الذاتي، أو الانضمام للوطن الأم، وتتكرر من فترة لأخرى حوادث صدامهم مع السلطات الحكومية

الولايات المتحدة
موقف الولايات المتحدة من الصراع متناقض بين رغبتها في المحافظة على مصالحها الحيوية هناك، وبين ضغط اللوبي الأرمني ففي الوقت الذي تنظر فيه واشنطن إلى أذربيجان على أنها شريك سياسي واقتصادي إستراتيجي في المنطقة، وبوابة بين أوروبا وموارد وأسواق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وأحد الموردين الرئيسين للنفط و المنتجات النفطية فى اوروبا فى القرن الحادى و العشرين نرى ان العلاقات بين باكو وواشنطن تتعرض فى احيان كثيرة للتوتر بسبب نفوذ اللوبى الارمينى القوى فى الكونجرس .

وفي حين أن البيت الأبيض يدين احتلال الأراضي الأذرية ونزوح آلاف البشر وانتهاكات حقوق الإنسان، يرفض الكونغرس تقديم المساعدة الإنسانية لملايين اللاجئين الأذريين بموجب تعديله لقانون دعم الحرية المعروف بالبند 907 لعام 1992

ويخصص الكونغرس معونة خارجية غير متوازنة لأرمينيا تجاوزت قيمتها كل موازنة أرمينيا، بما في ذلك الدفاع وجعلت منها ثاني أكبر دولة منتفعة بالمعونة الخارجية التي تقدمها الولايات المتحدة بعد إسرائيل (على أساس حسابات دخل الفرد عام 1996)
وفي الوقت نفسه تعتبر أذربيجان الدولة الوحيدة فيما بعد الحقبة السوفيتية التي لم تحصل على معونة من الولايات المتحدة . ورغم جهود البيت الأبيض لرفع هذا القيد المفروض على الشعب الأذري، ما زال الكونغرس يواصل سياسته المؤيدة لأرمينيا

أوروبا
أما الدور الأوروبي فيهتم بحل مشكلة قرة باغ أو على الأقل استمرار تجمدها، لضمان الأمن والاستقرار على هوامش أوروبا من ناحية، وضمان وصول النفط من قزوين إلى السوق الدولية، وبصفة خاصة بعد مد خط الأنابيب باكو-تبليسي-جيهان من ناحية ثانية

التعليقات