الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أن تكون ناقدًا.. 7

أن تكون ناقدًا.. (7 - 33)

أن تكون ناقدًا..
فهذا يعني أن تصير طائرًا.. ليس أي نوعٍ من الطيور يصلح، بل يجب أن تكون طائرًا جارحًا قويًا، تمتلك من حدة البصر بقدر ما تمتلك من حدة وقوة المخالب والمنقار.
فالعمل الفني ليس إلا فخًا نصبه فنان مبدع، ليصيد به جمهوره، ويأسرهم بإعجابهم به دون أن يشعر أحدهم أنه "قد سقط في الفخ".
أن تكون ناقدًا..
فهذا يعني أن تكون لديك القدرة علي تبصر الفخ بحدة نظرك، وأن يكون لك من قوة الكلمات التي تستطيع نقد هذا الفخ، كما ينقر الطائر الفخ بمنقاره ليتهدمه. لكن الناقد يهدم الفخ لصالح فهمه، ولصالح الوقوف علي مواطن الجمال به، هذه هي معضلة عمل الناقد، ظاهره الهدم التخريب، وباطنه البحث عن اللؤلؤ والجوهر.
أن تكون ناقدًا..
أو أن تكون طائرًا محلقًا يجوب الفضاءات باحثًا ومفتشًا بنظره الحاد عن الفخاخ (الأعمال الفنية)، ولديك من العيون الثاقبة ما يسمح لك بمعرفة الفخ القوي المتين من الفخ الهش، الفخ الذي يستطيع اصطياد الآلاف من الفخ الذي لا يستطيع إلا اصطياد الأفراد.
أن تكون ناقدًا..
أو أن تكون طائرًا عارفًا بالفخاخ ومواطن ضعفها وقوتها، ومن أين تأتيها بمخالبك (أدواتك)، وبمنقارك (كلماتك المعبرة)، ليكون نقدك للفخ في موضعه وعلي قدره. وأن تكون عارفًا بالمسافة التي تصطنعها بينك وبين العمل الفني، وتلك التي تخاطب بها جمهورك من قراء أو مستمعين.
أن تكون ناقدًا..
فهذا يحمل لك قدرًا من بذل الجهد للتعامل مع الفخاخ المراوغة، وهي مراوغات فنية مبتكرة، قد تعجبك، وتستهويك، وفتجعلك تقترب أكثر وأكثر، وربما تسقط في الفخ مثلك مثل الكثيرين من الجمهور، وتصبح أسيرًا لهذا الفخ، فيتحول نقدك له إلي نقدٍ مفارقٍ للموضوعية ولا يتسم بالحياد، لأنه يصير حينئذ نقد العاشق الوله، فتسقط في نقد عبادة الأبطال، لأن مبدع الفخ يصير بطلاً قويًا استطاع أن يأسرك، فتذهب بنقدك تستحسن كل موضع في الفخ، كما تذهب بنقدك إلي طرفٍ من سيرة مبدع الفخ وتاريخ أعماله ومكانته الفنية، فتظل بنقدك تابعًا خاضعًا لبطلك الذي أسرك.
أن تكون ناقدًا..
فهذا يضعك في موضع الإختيار بين نوعية الطائر الذي تكون عليه، إما أن تكون طائر السنونو الذي يمتدح الفخ ومبدعه البطل مغردًا لهما أعذب نشيد، أو أن تكون صقرًا شامخًا تنظر إلي فخك من علٍ وتهب له مقداره، زاعقًا بصوتك منبهًا إلي مواطن ضعفه وقوته وجماله.
أن تكون ناقدًا..
فهذا يعني أن عليك مراجعة الفخاخ التي سبق وأن سقطت فيها سابقًا، تفحصها مرةً آخرى، وتبصر بنظرك فيها، وتراجع كلماتك وتوازنها. فهل كان الفخ حقًا يستحق كل هذا الاستحسان الذي امتدحته به؟ أليس به موضع ضعفٍ من جهة أو أخرى؟!
أن تكون ناقدًا..
فهذا يعني أن يكون لديك من الممانعة والقدرة علي عدم السقوط في الفخاخ واحدًا تلو الآخر، وإن سقطت، فيكون لك من القدرة علي المراجعة والإفلات من الأسر. فالطائر الحر الطليق خير من الطائر الأسير.
أن تكون ناقدًا..
فهذا يعني أن تظل محلقًا دائمًا في سماواتك ناظرًا متفحصًا - كالصقر - الفخاخ واحدًا واحد، قبل الانقضاض عليهن، لا أن تكون ذلك السنونو المهاجر الوديع الذي يغرد لكل الفخاخ.



التعليقات