الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

موتسارت الجميل

"لو أن موسيقي موتسارت فقدت، لفقد العالم شيئاً لا يعوض"
هوجو لايختيتريت ـ الموسيقي والحضارة

استمع لهذا الرابط من أعمال موتسارت أثناء القراءة:
https://www.youtube.com/watch?v=9aW9t5Cn-KU&list=PLxVexRqKs_pQzcetEmvacWqtS1j4MUR8T&index=18

ولد فولفجانج أماديوس موتسارت في سالزبورج في 27 يناير/كانون الثاني 1756( )؛ "في الثالثة من عمره، بدأت أنامله تلامس البيانو وأصبح في سن الرابعة ذا دراية بالقراءة الموسيقية الصحيحة، فبدأ والده منذ ذلك الحين إحاطته بمزيد من الرعاية والعناية التثقيفية"( ).
وتأثر فولفجانج موتسارت في طفولته بالعديد من الموسيقيين؛ "أما أعظم من تأثر بهم فولفجانج في طفولته فهو والده. وكان (ليوبولد موتسارت) (1719 ـ 1787) موسيقياً ممتازاً وعازف فيولينا مرموقاً ومؤلفاً موسيقياً محترماً ومن أصحاب العلم والمعرفة. فلقد ألف كتاب: Versuch وهو خاص بدراسة عزف الفيولينة وظهر الكتاب في نفس السنة التي ولد فيها فولفجانج، وتضمن منهجاً جديداً لتلك الدراسة"( ). "وحين اكتشف أبوه عبقريته المبكرة حرص علي أن يجوب معه أهم المراكز الموسيقية بأوربا وأتاح له فرصة اللقاء مع أعظم المؤلفين. وأفاد موتسارت من ذلك كله فتمثّل قيادات الموسيقي المعاصرة، واستهوته في لندن مؤلفات يوهان كريستيان باخ ابن باخ العظيم والتي كانت تمثل تحولاً عن موسيقي كل من أبيه يوهان سيباستيان باخ وهيندل، فإذا موتسارت يهجر أسلوب الفخامة واستعراض المبتكرات الإيقاعية والضخامة الصوتية في الموسيقي التي تميز أسلوب الباروك"( ).
وبعد أن جابت عائلة موتسارت بضع مدن ألمانية ثم بروكسيل ثم باريس سنة 1763؛ وكان لقاء موتسارت بـ(يوهان شوبرت) أهم تجربة في زيارة موتسارت لباريس، فقد تأثر موتسارت في طفولته به، ومن الدلائل علي إعجاب موتسارت بـ(شوبرت) الكونشرتات الأربعة الأولي لـ(موتسارت) التي كانت في الأصل سوناتات لـ(شوبرت)( ).
عاد موتسارت إلي فيينا سنة 1768 حيث لحن الأوبرا الأولي له "لا فينتا سيميليس La Finta Semplice"، ثم لحن مسرحية "باستان زباستيانا Bastien and Bastienne"( ).
وزار موتسارت إيطاليا بصحبة والده في نهاية سنة 1769؛ وقوبل بالاحتفاء واستمع إلي صفوة الموسيقيين الإيطاليين وقتها، "وتولي تعليم موتسارت الأب مارتيني الشيخ (1706 ـ 1784) أعظم أساتذة عصره، بل وربنا القرن بأسره، فهو معلم ممتاز وصاحب نظريات ومؤرخ"( )، "وقبل مغادرة إيطاليا أُخرجت له أوبرا (متريداتي ملك بونتو) Mitridate Re da Ponto في ميلانو وعُهد إليه بتأليف اثنتين أخريين للسنة التالية"( ).
وقد تأثر موتسارت بحركة التنوير التي قامت علي إثر مكتشفات نيوتن العلمية؛ "وتجلي تأثره بها في ميله إلي الوضوح المنطقي والوحدة في بناء صوره الموسيقية علي اختلاف أنواعها. كما تحمس للمذهب الطبيعي الذي نادي به روسو وهو ما عبر عنه في رسائله الشخصية العديدة"( ).
ومن أشهر أوبرات موتسارت: "ايدومينيو"؛ "الاختطاف من السراى"؛ "زواج فيجارو"؛ "دون جيوفاني"؛ "الناي السحري"؛ "كلهن يعملن علي هذه الوتيرة"( ).
"وتعد أوبرا (زواج فيجارو) التي اقتبسها عن مسرحية بومارشيه الشهيرة حقلاً إنسانياً فسيحاً تتلاقي فيه الشخصيات الحية وكأنهم شركاء متساوون في الرقص علي مسرح الحياة، سواء كانوا سادة أو خدماً، أوغاداً أو نبلاء، فإذا هو يقدم المواقف العاطفية فيها بصورة موضوعية وبنظرة سيكولوجية عميقة وبفهم حي ينطوي علي المداعبة الرقيقة، ابتداء من يقظة حس كيروبينو المراهق بالميل إلي الجنس الآخر حتى نضوج حب فيجارو وصيف الكونت وسوزانا وصيفة الكونتيسة، كما يقدم الكونت في صورة الزوج الدائب علي مغازلة النساء في حين تعاني زوجته من إهماله لها طوال المسرحية، متدرجاً بالأحداث من التدلل والمراوغة حتى الخيانة والخطيئة ثم عودة الصفاء والتعاطف وغفران كلٍ لخطايا الآخر"( ).
ويلاحظ في افتتاحية "زواج فيجارو" أم النسيج الموسيقي يتكون من عنصرين لحنيين، وموزع كالتالي:( )
1. العنصر الأساسي (أ): ويحتوي توزيعه علي الآلات التالية: فلوت ـ أبوا ـ كلارنيت ـ كمان.
2. العنصر المصاحب (ب): ويحتوي توزيعه علي الآلات التالية: باصون ـ كورنو ـ ترومبا ـ تمباني ـ فيولا ـ شيللو ـ باص.
ونلاحظ أن "آلة الكمان هي الآلة الأقوى وتدعو إلي الانتباه عند اللحن المتنوع والذي يبدو أثره في آلات النفخ الخشبية. وهذا ما نراه ماثلاً في المازورة الثالثة والرابعة"( ).
"قد زود الأوبرا بما عجز الإيطاليون بأجمعهم عن تزويدها به، فقد زودها بالاكتمال النهائي في الشكل والصناعة والفن والتعبير، فرفعها من مكانتها الوضيعة إلي مرتبة المؤلفات التي تتجلي فيها الشخصية الفردية. والأوبرات التي ألفها موتسارت إيطالية في أسلوبها، ألمانية في عاطفتها، إلا أنها قبل كل شيء مؤلفات (موتسارتية)، ففيها إتقان واكتمال لا مثيل لهما"( ).
و"لم يقصر موتسارت نشاطه علي مجال التأليف الأوبرالي فحسب بل كان أغزر إنتاجاً في الكتابة لموسيقي الآلات، فقد وضع عدداً وفيراً من المؤلفات للآلات المفردة ولمجموعات الآلات المختلفة، كما ألف إحدى وأربعين سيمفونية بقيت نابضة بالحياة حتى اليوم. وكتب كذلك عدداً من الكونشيرتات للبيانو وللفيولينا وللفلوت"( ). إلا أن موسيقاه لا تعتني بالنواحي الدينية أو التصوير النغمي أو بما هو فكري محض، فقد كانت موضوع موسيقاه دائماً الجانب العاطفي للروح الإنسانية( ). "فقد سيطر موتسارت بسهولة ويسر علي الطرق الهوموفونية البسيطة التي كانت سائدة في شبابه حتى أنه تحول بعد ذلك تحولاً طبيعياً إلي الفن البوليفوني الأكثر تعقيداً، يلتمس فيه مزيداً من النمو، ...... وهذا الميل نحو البوليفونية يتجلى في الوضوح المطلق في كتابته للأصوات المختلفة داخل نسيجه الموسيقي، حتى عندما يكون الطابع الغالب علي الابتكار الموسيقي هوموفونياً، فرباعيات موتسارت الوترية تقف كأثر فني عظيم في تراث الموسيقي بفضل الشفافية التي حققها تناوله نصف البوليفوني للنسيج الموسيقي"( ).

ويمكن تقسيم مؤلفات موتسارت إلي قسمين كبيرين؛ هما:( )
1. موسيقي تحمل روح القرن الثامن عشر بشكل ملحوظ؛ ويندرج تحتها أغلب مؤلفاته من موسيقي الحجرة والسوناتات والكونشرتو والموسيقي الدينية والسريناد وبعض أوبراته المبكرة.
2. موسيقي تتعدي قيمتها حدود الزمان والمكان والبيئات؛ ومنها سيمفونياته الضخمة ومقطوعات الرباعي الستة التي أهداها إلي هايدن، وأوبرات "زواج فيجارو" و"دون جيوفاني".
وكانت السنوات الثلاث الأخيرة من حياة موتسارت في غاية اليأس والفاقة( )؛ توفي موتسارت في فيينا سنة 1791( ).

التعليقات