الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

عصر الروماتيكية الموسيقية

"الرومانتيكية" لفظ نسبي فهو يدل علي اتجاه فني وعلي حقبة زمنية؛ فـ"الحركة الرومانيكية في الأدب والفن من أهم المظاهر التي تميز بها القرن التاسع عشر"( )؛ وقد "اصطلح مؤرخو الموسيقي علي أن يطلقوا هذا الاسم علي الفترة التي بدأت عقب وفاة بيتهوفن وشوبرت مباشرةً، والتي اقترنت بظهور اتجاه رومانسي مواز في الأدب وفنون أخرى متعددة؛ وربما أدرج فيها بعض الكتاب بيتهوفن وشوبرت بدورهما.....[و] يمكن أن يقال إن العصر الرومانسي في الموسيقي يكاد يشمل القرن التاسع عشر بأكمله، بل يتجاوزه حتى تلك الثورة الفنية التي ظهرت في أوائل سني القرن العشرين"( ). " وكلمة (رومانتيكية) قد انحدرت من كلمة (رومانس) romance بكلا معنييها، أي بمعني حكاية وبمعني لغة. وبوجه عام، تطلق كلمة (رومانتيكي) علي الدقائق الخرافية والوفيرة التي تميزت بها (رومانسات) أدب العصور الوسطي"( ).
وقد رأت الكاتبة الفرنسية (مدام دي ستايل) في كتابها "من ألمانيا" De I'Allemagne؛ أن الرومانتيكية ظهرت في أصل روح أغاني التروبادور في العصر الوسيط، وفي روح الفروسية والمسيحية في عصر الصليبيين، ورأت ضرورة وصف الفن الرومانتيكي بالأصالة، وقالت: (ينبغي أن يكون هذا الفن حديثاً، قومياً، شعبياً، نابعاً من البيئة والدين والنظم الاجتماعية القائمة)( ).
في بدايات المرحلة الرومانتيكية؛ "حلت الاتجاهات القومية محل الاتجاه الكلاسيكي العالمي، كما قام الفنانون صراحة بتمجيد أصلهم..... [و] أعظم ما يدل علي طابع الرومانتيكية المتقلب هو عودته بعد ذلك إلي المثل الأعلى العالمي وقيامه بالمزج بين القومية، والعالمية، أي بين غايتين متعارضتين، بإتباع عدة سبل مبتكرة بارعة، وأوضح مثل لذلك موسيقي (شومان) و(ليست) و(برليوز) و(فاجنر)"( ). وطوال الفترة الرومانتيكية كان يزداد تأكيد الجانب التعبيري للموسيقي علي حساب الجانب الصوري أو الشكلي، كما كانت الموسيقي تخاطب جمهوراً واسعاً من الذي كانت تخاطبه الموسيقي فيما مضي، وأثرت روح الديموقراطية، مما جعل الأسلوب الموسيقي المميز لها شعبياً( ).
وقد "اتبعت الحركة الرومانتيكية الحديثة اتجاهين مختلفين في ألمانيا وفرنسا. فقد نبعت الرومانتيكية الألمانية من مصدر مثالي خالص، أما الرومانتيكية الفرنسية فنبعت من روح ثورية عسكرية. وكانت بواعث نهضة الحركة الرومانتيكية في هذين البلدين واحدة، إلا أن رد فعليهما حيال الأفكار الرومانتيكية الجديدة كان مختلفاً، اختلافاً مماثلاً للخلاف بين الألمان والفرنسيين في الطابع والمزاج"( ). وقد تميزت الرومانتيكية الفرنسية بعنفها وبسرعة انتشارها( )؛ فكانت أشد من الرومانتيكية الألمانية غير الواقعية( ).
وكان الفنان الرومانتيكي لا يهتم بكمال عمله الفني قدر اهتمامه بقدرته التعبيرية، فهو يُخرج أحاسيسه وانفعالاته في عمله الفني، وهو لا يصور الطبيعة بقدر ما يصور انطباعاته عنها( ). ففي "العصر الرومانتيكي ازدادت عناية الموسيقي بالمضمون والمعني والتعبير، فلقد بدت الصورة المبسطة التي ظهر فيها الصوت في أواخر القرن الثامن عشر، ضحلة في نظر الموسيقيين الرومانتيكيين. ولم يعد الفن الرومانتيكي الديونيزي يطالب بطابع صارم محدد، بل أصبح ما يهمه هو الانفعال المثير"( ).
"ويتميز الفنان الرومانسي باتساع نطاق اهتمامه؛ فهو يهتم بالأدب والفلسفة والتاريخ وعالم الطبيعة والنفس الإنسانية، وهو يُدخل هذه العناصر كلها في نطاق فنه، فيتسع هذا النطاق بالتالي اتساعاً عظيماً. وهنا ينظر الفنان إلي نفسه علي أنه أكثر من مجرد فنان، فهو يري نفسه إنساناً له رسالة، ورائداً روحياً لقومه، ومفسراً للكون بأسره. وتبلغ به ثقته بهذا الدور الجديد الذي يلعبه، دور المبشر والنبي، حداً يجعله ينسي أحياناً واجبه نحو صنعته وأصول حرفته"( ).
لقد قامت الرومانتيكية علي فكرة المجاهرة بطلب المزيد من الحريات للفرد ليظهر ويتنفس ويفكر ويعبر( )؛ "تجلت نزعة الروح الرومانتيكية العالمية الحرة المتسامحة في سرعة حصول بعض المؤلفين الموسيقيين اليهود لأول مرة في التاريخ علي الشهرة، وذلك بعد تحرر اليهود في البلدان الأوربية، وهو ما يُعد في ذاته ثمرة من ثمار النزعة الرومانتيكية. وأعظم القرائن دلالة علي ترحيب القرن التاسع عشر الرومانتيكي بالبراعة الموسيقية التي أظهرها اليهود هو ظهور أعلام من أمثال: (مايربير) و(مندلسون)، و(هاليفي) و(هيللر) وأوفنباخ، ثم فيما بعد (جولد مارك) و(روبنشتين) و(يواقيم)، و(مالر)، وعشرات من المشهورين في عزف الفيولينة والبيانو والغناء ورئاسة الاوركسترا. غير أن الروح الرومانتيكية الحافلة بالمفارقات قادرة علي إيواء للاتجاهات التي تبدو متعارضة وغير متوافقة ظاهرياً جنباً إلي جنب، ومن ثم نصادف إلي جوار هذه الروح الرحبة المتسامحة العالمية نزعة قومية محصورة الأفق متعصبة متطرفة تجلت عندما بدأ ريتشارد فاجنر حمل تعصب ضد العنصر السامي بلغت أعلي ذروة لها في عصرنا الحالي"( ).
الرومانتيكي ما هو إلا موسيقي ثائر علي التقاليد، مبشر بالتطور السريع، مخالف لأسلوب المحافظين( ). لقد صقلت الرومانتيكية في الموسيقي مجالين يعضد كل منهما الأخر، وهما: التأليف الموسيقي والتوزيع الاوركسترالي. فالموسيقي الرومانتيكية ليست شيئاً ثابتاً استاتيكياً بل إن جوهرها هو الديناميكية، فمضمونها دائم التبدل والتقدم، وفيها تغير دائم من فكرة لأخرى ومن حال إلي أخر، وفي هذه الموسيقي أصبح للكلمات: توتر ـ ذروة ـ نبرة ديناميكية ـ تباين ، معني جديد( ).

أهم مميزات / خصائص أسلوب الرومانتيكية الموسيقي:
1. التعبير عن المشاعر الإنسانية عند المؤلف الموسيقي أصبح صاحب المقام الأول من الاهتمام( ).
2. الخروج عن فكرة الشكل أو القالب تماماً؛ وذلك بالخروج عن القالب التقليدي للتأليف الموسيقي، وهو قالب السوناتا( ). فـ"الشكل في الأسلوب الرومانتيكي مفتوح، وله قوام طيع رخو، أي أنه لا يسير علي وتيرة واحدة"( ).
3. النزعة القومية الوطنية بدلاً من النزعة العالمية( ).
4. العناية بالفولكلور وبالأغنية الشعبية( )؛ واستخدمت الأساطير في مؤلفات البالية والأوبرا( ).
5. زيادة القدرة التعبيرية للبيانو( ).
6. ظهرت مؤلفات قصيرة للبيانو، مثل: الليليات ـ الوهليات ـ الفالسا ـ المازوركا( ).
7. التقارب والامتزاج مع الفنون الأخرى؛ فالمثل الأعلى الرومانتيكي كان يرمي إلي مزج الفنون المختلفة، وإلي جعل الموسيقي شاعرية وتصويرية( )؛ ومما أدي ظهور مؤلفات موسيقية جديدة هي: القصيد السيمفوني ـ الافتتاحية التصويرية ـ السيمفونية التصويرية( ).
8. ظهور معني جديد للطبيعة في الفن( ).
9. ظهور الدراما الموسيقية علي يد فاجنر( ).
10. زاد عدد الآلات الموسيقية الأوركسترالية لتفي بالمتطلبات الجديدة للمؤلف الموسيقي الرومانتيكي( ).


ثانياً : أهم المؤلفات الموسيقية

تظهر عبقرية العصر الرومانتيكي بوضوح في الأغنية، وهي نوع من التأليف الموسيقي أبسط من السوناتا، فقد حل الاهتمام بالقدرة التعبيرية والدرامية للأغنية محل الاهتمام بمتانة البناء وإحكامه، وكانت الأغنية الفنية Lied تلائم مواهب الرومانتيكيين المتجهين إلي الجانب الأدبي والتصويري للموسيقي، إذ هي تلحين موسيقي لشعر غنائي يُستخدم فيه البيانو والصوت البشري لمحاولة تحقيق اللحن الكامن في الشعر( ). وفي الأغنية الرومانتيكية "لا يرتبط النص الشعري بالموسيقي المصاحبة برابط مفكك، بل يتم الجمع بينهما بإحكام، أي أنهما يمتزجان ـ بكل معني الكلمة ـ حتى يتعذر تعذراً كاملاً الفصل بين النغمة والكلمات"( ).
"وظهرت في هذه الفترة أنواع جديدة من التأليف الموسيقي، من أهمها القصيد السيمفوني، وهو عمل من حركة واحدة تفرع من السيمفونية، ووجد فيه العصر الرومانسي [الرومانتيكي] تعبيراً عن خيالاته الأدبية والوصفية. وليس لهذا النوع من التأليف الموسيقي قالب أو هيكل محدد، بل إن العامل الوحيد الذي يتحكم في تركيبه وتحديد شكله هو برنامجه أو موضوعه"( ). فقد كان للموسيقيين الرومانتيكيين ولع بالمقطوعات القصيرة ذات الحركة الواحدة التي توفر لهم ما يعنيهم من تجلي للإلهام والشاعرية وفيض النشوة، ويبعدهم عن التصميمات المعقدة( ).
وقد "تميز القرن التاسع عشر بظهور الأوبرا الرومانسية الألمانية، وبالنجاح الهائل الذي أحرزته الأوبرا الكبيرة (Grand Opera) التي ظهرت علي يد الفرنسيين"( ).

ومن أمثلة مؤلفات القصيد السيمفوني:( )
• فرانز ليست: تاسو ـ المقدمات ـ أورفيوس ـ بروميثيوس ـ هاملت.
• سان سانس: شباب هرقل ـ فايتون.
• بو دوكا: صبي الساحر.

ومن أمثلة مؤلفات السيمفونية:( )
• فيليكس مندلسون: السيمفونية الثالثة في سلم لا الصغير (الاسكتلندية).
• فرانز شوبرت: السيمفونية الرابعة في سلم دو الصغير (التراجيدية).
• روبرت شومان: السيمفونية الأولي في سلم سي بيمول الكبير مصنف 38 (الربيع).
• تشايكوفسكي: السيمفونية الثانية في سلم دو الصغير مصنف 17 (روسيا الصغرى).

ومن أمثلة مؤلفات الكونشرتو:( )
• فرانز ليست: كونشرتو البيانو والاوركسترا رقم 1؛ في سلم مي بيمول الكبير.
• فيليكس مندلسون: كونشرتو الكمان والاوركسترا في سلم مي الصغير مصنف 64.
• روبرت شومان: كونشرتو البيانو والاوركسترا في سلم لا الصغير مصنف 54.
• سان سانس: كونشرتو البيانو والاوركسترا رقم 5 في سلم فا الكبير (الكونشرتو المصري).
• يوهانس برامز: كونشرتو الكمان والاوركسترا في سلم ري الكبير مصنف 77.
• تشايكوفسكي: كونشرتو البيانو والاوركسترا رقم 1 في سلم سي بيمول الصغير؛ مصنف رقم 23.

ومن أمثلة مؤلفات البيانو المنفرد:( )
• فريدريك شوبان: 4 بالاد ـ 4 سكرتسو ـ 27 دراسة ـ 19 ليلية ـ 25 مقدمة ـ 14 فالس ـ 10 بولونيز ـ 55 مازوركا.
• فرانز شوبرت: فانتازيا في سلم دو الكبير.
• روبرت شومان: وهلية علي لحن لكلارا شومان، مصنف رقم 5.
• فرانز ليست: الدراسات الكبرى ـ رابسوديات هنغارية.
• فيليكس مندلسون: 3 مقدمات ودراسات.


ثالثاً : أهم المؤلفين الموسيقيين

من أهم مؤلفي الموسيقي في العصر الرومانتيكي:

فرانز شوبرت (1797 ـ 1828)؛ نمساوي الأصل( ).
روبرت شومان (1810 ـ 1856)؛ ألماني( ).
فيليكس مندلسون (1809 ـ 1847)؛ ألماني( ).
يوهانس برامز (1833 ـ 1897)( ).
فريدريك شوبان (1810 ـ 1849)( ).
هيكتور برليوز (1803 ـ 1869)؛ فرنسي( ).
ريتشارد فاجنر (1813 ـ 1883)؛ ألماني( ).
فرانز ليست (1811 ـ 1886)( ).
بيتر إليتش تشايكوفسكي (1840 ـ 1893)؛ روسي( ).
كميل سان سانس (1835 ـ 1921)؛ فرنسي من أصل نورماندي( ).

التعليقات