الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

فكتور برليوز

ولد فكتور برليوز في لاكوت سان أندريه La Cote – Saint – Andere، في 11 ديسمبر/كانون الأول سنة 1803 حيث تلقي دروسه الأولي في الموسيقي هناك كما تلقي تربية كاثوليكية قاسية( ). كان والده لويس برليوز ذا شخصية غربية، فقد كان طبيباً ناجحاً أفل في عام 1810 أطروحة عن طرق المعالجة والتداوي الحديث، ونال عنها الجائزة الأولي للجمعية الطبية في مونتبليه( ).
درس فيكتور برليوز عدة آلات موسيقية وأجاد العزف عليها، إلا أن "فرصة الدراسة علي البيانو لم تتح له أبداً في حياته، وكان المؤلف الوحيد في العصر الرومانتيكي الذي لم يعزف علي البيانو"( ).
ذهب برليوز إلي باريس في سنة 1821 لدراسة الطب، لكنه كان يترك محاضرات الطب للذهاب إلي الأوبرا( )؛ وبدأ تلبية لرغبة والده سنة 1822 "بإعداد نفسه لنيل الشهادة في العلوم الطبية وهو لا يعلم بأنه بعد ثماني سنوات فقط سيتوج قائداً للحركة الرومانتيكية في فرنسا وسيحقق النصر في مكان مختلف تماماً عن المكان الذي بدا منه"( ).
في سنة 1823 كتب معزوفة "قداس احتفالي" وقدمها علي نفقته الخاصة في كنيسة سان روك( )؛ كما أنه لم ينجح في مسابقة روما الموسيقية سنة 1826( )؛ والتي تقدم لها أكثر من مرة قبل أن ينال جائزتها الأولي فيما بعد ثم سافر إلي إيطاليا للدراسة التي قاطعها وعاد دون أن يتمها.
بدا العمل مع مسرحيات شكسبير في الأوديون حيث "عاش برليوز تجربة حب نادرة اختلط فيها الحلم بالواقع حين وقع في غرام الممثلة الأيرلندية هنرييتا سميثسون التي كانت تلعب الأدوار النسائية الرئيسية في مسرحيات شكسبير بإحدى الفرق الهامة التي زارت باريس عام 1827، وعاش أسير حب هذه المرأة التي كان يري فيها أنثي نادرة الوجود تجمع بين ملامح شخصيتي (جوليت) و(أوفيليا)، وأوشك علي الانتحار في لحظات يأسه من الزواج بها، .....، ... فقد ألهمته هذه التجربة (سيمفونيته الخيالية) التي عزفت أول مرة في عام 1830"( ). وتعود الأفكار الأولي لهذه السيمفونية الخيالية إلي ثلاث سنوات قبل البدء في صياغتها في صورتها النهائية( )؛ فقد كانت الأفكار الرئيسية لهذه السيمفونية هي من آثار تجربة حبه لـ(هنرييتا سميثسون).
تتكون السيمفونية الخيالية من خمس حركات تحمل عناوين الأفكار الكبرى للبطل الشكسبيري؛ وهي:
1. أحلام وعواطف.
2. الحفل الراقص.
3. مشهد في الريف.
4. السير للإعدام.
5. ليلة سبت السحرة.
"وقد أعاد برليوز في كل حركة من الحركات الأربعة الأولي (اللحن المميز) للبطل العاشق الذي يصور فيه أحلامه وعواطفه، وأخذ هذا اللحن اسم (الفكرة الثابتة L'idee fixe) ويغيب (لحن ـ الأفكار المتسلطة) في نهاية الحركة الرابعة بعد إعدام البطل العاشق، أما في الحركة الخامسة فتقوم جموع السحرة والشياطين في (ليلة سبت السحرة) بحمل نعش البطل علي لحن صاخب تطغي فيه أصوات آلات النفخ والآلات النحاسية علي الآلات الوترية"( ).
"كانت السيمفونية الخيالية تحولاً بارزاً في نموذج السيمفونية لأنها وثقت الرابطة بين أجزاء السيمفونية ودعمتها عن طريق برنامج تصويري يتمثّل في تكرار ظهور لحن معين أطلق عليه برليوز اسم لحن (الفكرة الثابتة)، ثم سمّاه بعد ذلك كل من ليست وسيزار فرانك (اللحن الدوري)"( ).
وفي 1836؛ قام بتأليف "قداس الموتى" في ذكري ضحايا ثورة 1830، فقدم عملاً فنياً فذاً "قدر له أن يكون أكبر قداس للموتى في تاريخ الموسيقي، لأنه استعمل فيه اوركسترا عملاقة لم يستطع أحد بعده أن يتجرأ ويكتب عملاً لفرقة في حجمها، إلا أن تقديم العمل في الأنفاليد عام 1837 ارتبط بمتاعب كبيرة خاصة بعد أن هدد برليوز مدير مكتب الوزير، الذي حاول التملص من دفع تكاليف الحفل والفرقة بفضيحة"( ).
ثم "تقدم بعد ذلك إلي الكونسرفاتوار ليشغل منصب أستاذ مادة الهارموني إلا أن شيروبيني اعترض علي مؤهلاته، وذكره بأن أستاذ مادة الهارموني يجب أن يجيد بالدرجة الأولي العزف علي البيانو، فاعتذر برليوز عن المنصب لأنه لم يكن يجيد العزف علي البيانو، .....، وانهمك في العام التالي (1838) بكتابة أوبراه الأولي (بنفنتو شيلليني Benvenuto Cellini) التي سقطت سقوطاً مريعاً وزادت من متاعبه المالية واضطر هنا للعمل أميناً لمكتبة الكونسرفاتوار براتب متواضع جداً"( ).
قام برحلات إلي خارج فرنسا؛ فزار كل من بلجيكا وألمانيا وقدم فيهما حفلات موسيقية، وفي سنة 1846 حققت حفلاته في براغ وبودابست نجاحاً كبيراً( )؛ لكنه لم يلبث إلا أن عاد يعاني من جديد.
في عام 1854 توفت زوجته (هنرييتا سميثسون) فترك موتها أثراً كبيراً عليه، وكانت أخته قد ماتت قبلها بالسرطان بقليل( ). وفي عام 1855 انهمك في تأليف أوراتوريو "طفولة المسيح"، كما تزوج في الوقت نفسه من ماريا ريتشيو، وهي مغنية سيئة، ثم انشغل في السنوات التالية بتأليف عملين كبيرين هما: أوبرا "بياتريس وبندكت"، وأوبرا "الطرواديون"( ).
"أوبرا (الطرواديون Les Troyens) وهو عمل عملاق مؤلف من جزئين كبيرين عاق تقديمهما سوية بعض الصعوبات الفنية والتكنيكية، وتوفت في هذه الأثناء زوجته الثانية ماريا ريتشيو (1862)"( ).
جاءت برليوز الصدمة الكبرى سنة 1867 بوفاة ابنه الوحيد لويس، ففقد شجاعته وأصيح عدوانياً، ثم فقد سمعه، فانتقل إلي نيس سنة 1878 وفرض علي نفسه وحدة صارمة، وعاني في نهاية حياته من آلام رهيبة في الرأس، ثم أصيب بالشلل نتيجة لجلطة دماغية، وتوفي في 8 مارس/آذار سنة 1869( ).
كان برليوز "يتمتع بخيال خصب إلي حدٍ غير مألوف. وأنه استطاع بهذا الخيال أن يتصور أشكالاً موسيقية جديدة. ولو كان لهذا الخيال الخصب ما يناظره من الإلهام والقدرة علي تطوير الأفكار الموسيقية الأصلية إلي تراكيب وبناءات ضخمة، لكان من الجائز أن يتم علي يديه، لا علي يد فاجنر، ذلك التغيير الهائل في عالم الموسيقي، الذي سيطر علي النصف الثاني من القرن التاسع عشر"( ).

التعليقات