أخر المقالات

قطرات من ماء

الكاتب : تامر الصادق

قطرات من ماء

صافرة شرطي المرور يتردد صداها في الشارع سامحة للمشاة بالعبور .... كان العدد قليلا في تلك الليلة الشتوية الباردة ، عبر طارق نهر الطريق وعلى وجهه ملامح ابتسامة بلا معنى ... حيا الشرطي برأسه ثم أسرع إلى مقعده المفضل أمام نافورة الحديقة .... ابن الخمسين عاما كان يأتي كل ليلة سبت إلى هذا المكان بمفرده في نفس التوقيت .... يقترب بوجهه من النافورة سامحا لقطراتها المتطايرة ان تداعب وجهه .. رغم برودة الليل إلا أن الماء كان يغمره بالدفء ... كل قطرة ماء كانت تستدعي بريق ذكراها كل خطوة له في هذا المكان تجسد خطواتها المتسارعة الأنيقة .... كانت كأميرات الحواديت القديمة تغزل نظراتها رداء من النور يحيط بقلبه ..... كانت تهمس بصوت عجيب تمتزج فيه النعومة بالغموض والشوق وهي تقول له : تذكر قطرات الماء على وجهك بعد الرحيل ...... كان يضحك ولا يلقى لكلامها بالا أي قطرات وأي رحيل ..... نحن معا ، نحن قوة في مواجهة الكون ، نحن شراع في وجه العواصف صامد كانت تبتسم وتطيل النظر إليه بيقين المسافر بلا عودة ... ومع قطرات جديدة من الماء يحملها هواء الليل البارد كانت تربت بيديها الحانيتين على كتفه .... وتطيل الصمت .... آه من الصمت ذلك الشيطان الذي يحضر حين اللقاء فلا نرتوي من عشقنا .... لو كنت أعلم ما سكت أبدا في حضرتها ....
ترتفع صافرة الشرطي مرة أخرى لتمنع المارة من العبور .... يلتفت يمنة بلهفة وينتظر لعلها تظهر من ضباب الليل سائرة إليه بخطواتها الأنيقة كما كانت تفعل كل لقاء .... لاشئ ... لاشئ إلا زخة من الماء تتبعثر فوق وجهه وكأنها تطلب منه الرحيل ..... يلملم بقايا نفسه المتعلقة بهذا المكان ... ينهض متثاقلا يغلق معطفه ... يقترب من نافورة الحديقة هامسا : لو عادت أخبريها أنني كنت هنا .... واحتفظي لي بقطرات ماء داعبت وجهها ... لعلي أعود وأتلمس عطرها
ابتسم الشرطي حين رآه عائدا .... حياه بإشارة من يده .... أطلق صافرته من أجله ... ليعبر عائدا مختفيا في جوف الظلام ...... والشرطي يهمس : أراك السبت القادم يا صديقي .....
تامر الصادق

التعليقات