أخر المقالات

الجساس

الكاتب : أشرف نصر

من مجموعة: شياطين الذاكرة - أشرف نصر
*
حظ الغلابة قليل يا دنيا! يهتف الجساس بصوته الجهوري فنكش فى جلدنا من صوته، لا نعرف ما يضايقه فهو يجلس وحيدا معظم الوقت، يصحو قبل الظهر ،يلبد فى الشارع بعد أن فقد والده الفلاح الأمل فيه، واعتبره زرعة وخابت فلم يعد يخرج معه للغيط، يراهنه الشباب من عمره على أكل أرغفة عيش الفرن البيتي الساخنة ،يكومون الأرغفة فيغيظهم وهو يضع الجبنة القريش فى نصفها ويطبقها ويلتهمها ،يراهنونه على كسر أعواد القصب فيكسب،وعلى وضع يده فى النار ،دائما يدخل بغشم ودائما يكسب الرهان،ثم يمل منهم فيصرخ فى وجوههم فيهربون، لم يستطع أحد مواجهته، حتى النساء العابرات يلتهم أجسادهن بنظراته فتهرب الواحدة منهن وهي تفتعل أنها لم تلحظ شيئا،ينفخ وهو يرفع الجلباب مهويا على ساقية المشعرتين، حتى سمعنا أن إحداهن اشتكت لأمه فبكت قائلة: ربنا يعفي عنه!
مرة جاءنا الجساس وطلب لعب الكرة معنا فلم نقدر على معارضته، هاج وماج فكومنا واحدا تلو الآخر بساقه الصلبة ،ولم نفلح فى كسره فهو كعجل فرزيان ونحن كفئران تسعى بين قدميه، حتى رضي أن يحرس لنا المرمي ، ساعتها انتقمنا وهريناه بالأهداف كباري وكعوب وعلى كل شكل، يومها فقط تجرأنا عليه وبدأ فريقه يسبه بل وركبنا على ظهره واحدا تلو الآخر وطاف بنا الشارع، والغريب أنه ظل يضحك بصوته الجهوري فيرج الشارع ،
انتهى اللعب على رجاء أمه العجوز له، عاندها ورفض العودة فهرولت خلفه بعصاها ،ظللنا نضحك عليه وهو يفر منها ،ما أن كشفت رأسها للدعاء عليه حتى عاد كقط مسالم ، رغم تحذيره لنا لكننا انطلقنا خلفه لنعرف ،
رأيناه وفلاح يقف يكاد يقبل قدميه وهو يقف بجوار بهيمته ، رفع الجساس ذيل البهيمة ومد ذراعه فى مؤخرتها ، علا ضحكنا فصرخ فينا، ففر معظمنا بينما بقى بقيتنا يكتمون الضحك، بشر هو الفلاح بعجل جنين ،فقبل الفلاح يد الجساس المتسخة ،
رغم رفضه لمال الفلاح لكن أمه أخذته، خاصمنا الجساس لحضورنا يومها ثم صالحنا بعدها بقلبه الأبيض كالحليب،
فرضنا على أصحاب الدكاكين فبدأنا نجلس معه فى المطرح الذي يحلو لنا،
أخذنا مرة لعزاء بالشارع رغم نظرات الكبار،وفى عز تلاوة المقرئ الأعمى وهو يتجلى والناس تهتف خلفه: الله،الله !
فجأة انتفض الجساس وسقط من على الكرسي، ظل يبركس بقدميه فى التراب والزبد ينزل من شفتيه،وهو يلف بسرعة رغم محاولات الكبار الذين رشوه بالماء ،حتى استكان وحده، تكرر الأمر حتى اعتدناه وتعجبنا لرفضه مطاوعتنا وعدم سماع القرآن أو حضور أي عزاء من أصله ،لكن لا أحد يقدر عليه،
حتى قدر عليه المرض وقبل أخيرا بالسفر مع أبيه ، ودعنا وهو يخبرنا أنهم سيزرون الأولياء والصالحين ولو لزم الأمر قديسين النصارى، ودعنا ونحن لا نكاد نصدق أنه هو نفسه صديقنا الكبير العفي ، بدا الجساس ناحلا هزيلا لا يقوى على الوقوف كثيرا ،ولم نعرف بعدها أبدا سر تعاسة الطيبين أمثاله وحظهم القليل فى الدنيا!

التعليقات