أخر المقالات

الجحيم

لا استطيع لحاق خطوك يا أبي، خطواتك الواسعة المتوترة تعجزني. أشعر أن قدميّ تكاد أن تتهشم، ولا أستطيع لحاقك. وتلك الشمس لا تكف عن ارسال حرارتها، ليست مثل تلك التي اعتدت رسمها صفراء في كراسات الرسم، إنها ترسل الجحيم..
توقفت عن اللحاق بأبي، فلن أستطيع مواصلة الإحساس بتهشم عظام ساقي، فشعر أبي بأني لم أعد أتبعه. توقف بغتة، واستدار برأسه، وعيونه الغائرة مليئة باللوم لي بدلًا من السؤال عن سبب توقفي عن ملاحقة هرولته.
نطقت مدافعًا عن نفسي، وأنا ألتقطت أنفاسي بالكاد، وأنهار الملح تغزو فمي:
- أهذا هو الجحيم الذي تحدث عنه الله يا أبي؟
تلعثمت ألفاظ السباب في فم أبي، رأيت لسانه معلقًا في فمه النصف مفتوح، وحدقة عينه تلتفت جهة اليمين، كأنه يسأل شخص ما عما نطقت به توًا.
اعتدل أبي، وأخذ يحرك رأسه هنا وهناك، كأنه يبحث عن شخص ما يساعده، بدا جسده أكثر نحولاً مما مضي، ومياه العرق تحتل مساحات واسعة من قميصه الذي يفترض أن لونه بُني، لكنها بقايا اللون علي جسد نسيج يتمسك بكونه مازال قميصًا.
بدا أبي تعبًا أكثر من قبل وهو يقترب مني، ومازال يتلفت يمينًا وشمالاً باحثًا عمن يلهمه الإجابة. أشفقت عليه من هذه الحيرة، وأردت أن أبدل السؤال، ربما تذهب عنه تلك الحيرة، لكن شفقتي أتخذت لنفسها من جسد أبي النحيف موضوعًا جديدًا لها.
- الجحيم....!!
أخيرًا نطق أبي.. لكن ظلت اللفظة معلقه، نطق بها وكأنه يتعجب منها، أو يتساءل عن معناها. المهم أنه أخذ يقلل من إلتفاتاته، ويركن إلي السكون بتباطئ، ويركز نظرة عينيه الغائرتين علي عينيّ، ويشيح بهما بعيدًا عندما يشعر كلانا بالغضب الذي ينسكب منهما.
ردد مرة أخرى:
- الجحيم....!!
وظل يبحث، ويهدأ من حركة رأسه، وينظر إلي عيني، فينسكب غضبٌ منهما، فيشيح بهما عني. شعرتُ ببعض الخوف يتسرب إلي، وأخذتُ ألوم نفسي، فها هو شعور تهشم ساقي يتبخر، وصرتُ أشعر أني أستطيع مواصلة الهرولة خلف أبي. تقدمت خطوة نحو أبي لأثبت له أني أستطيع مواصلة السعى خلف خطواته الواسعة المتوترة، لكنه رفع يده ووضعها علي كتفي ليثبتي في مكاني، أو ليمنعني من التقدم نحوه، ونظر في عيني، لكن دون أن ينسكب منهما غضبٌ هذه المرة، وقال بصوت متهدج:
- نعم.. إنه الجحيم.
اندهشت فقد كنت أتصور هذا الجحيم خرافة، شيءٌ لا وجود له مثل الجنة، ومثل أشياء كثيرة سمعتها في المدرسة، وفي بعض الحكايات التي رويت لي هنا وهناك. لكن ها هو ذا أبي يخبرني مباشرةً أن حياتنا تحت هذه الشمس التي مازلت تلقي علي رأسينا بمزيد من أشعتها الملتهبة، ونحن واقفين يحدق أحدنا في الآخر، ونلهث، وأنهار الملح تسيل علي جسدينا، وربما تبللت الأرض ببعض قطرات سقطت من أحدنا، ومازالت الأرض تنتظر المزيد منا في ذلك اليوم أثناء العمل بتلك المزرعة علي طرف المدينة في أول أيام عملي بها بعيدًا عن المدرسة ودروسها المملة، مدرسيها، وناظرها الخبيث ذي النظرات القاسية المرعبة.
استدار أبي عني، وأنا عالق في حيرتي ودهشتي، قائلاً:
- هيا واصل سعيك في الجحيم.

التعليقات