أخر المقالات

إبتسامة حظ

توقف عن السير فجأة، فقد رأي الحظ يبتسم له علي جانب الرصيف. اتسعت عيناه، ودقق النظر.. نعم إنه يبتسم له. تلفت يمينًا ويسارًا ليتأكد أن أحدًا من المارة لم يلاحظ إبتسامة الحظ علي جانب الرصيف فيسبقه إليها، كانوا جميعًا يسيرون كما لو كانوا مغمضين، أو مبرمجين (تمت تعبئتهم ببرامج تشغيل مسبقة تقيد حركتهم، وسيرهم، وأفكارهم)، أو مغيبين عن إبتسامة الحظ علي جانب الطريق.
انتبه إلي أنه الوحيد المتوقف عن الحركة في هذا الفلك الدائر في حركة شبة منتظمة لا تجعل الرصيف يشعر بالفراغ مطلقًا، الأقدام ترتفع عن الأرض وتهبط بوتيرة منتظمة، كأنهم تم تدريبهم عليها لسنوات طويلة، فلا يخطأ أيهم في حركة قدمه، دون أن يراقبها، لكن توقفه عن السير من أجل الحظ المبتسم علي جانب الطريق، صنع بعض الارتباك في منظمة حركة سير الرصيف. بدا البعض ينتبه لها.. ينتبه لوجود عائق يمنع التدفق المنتظم للحركة المعتادة علي الرصيف، ثمة خلل يتكون في مصفوفة الرصيف يبدأ من عنده.
شعر أن عليه أن يتصرف فورًا كي لا يتراكم الخلل في مصفوفة الرصيف، ويكتشف أحدهم بسبب الفوضى الناتجة عن هذا الخلل إبتسامة الحظ علي جانب الرصيف. عليه أن يتصرف فورًا، وبسرعة، بل بأقصى سرعة دون أن يلفت أحدهم إلي تلك الإبتسامة، فلا يطالب بنصيبه منها.
بدء يرتبك من ضغط أفكاره علي جهازه العصبي، والمطالبة المتزايدة المتسارعة بضرورة اصلاح الخلل الحادث في مصفوفة الرصيف. عليه أن يتحرك، فورًا، وحالاً، لكن كيف يكون شكل الحركة؟ هل تكون سريعة خاصفة ناحية إبتسامة الحظ؟ أم تكون بطيئة وحذرة؟
لكل خيار من خيارات الحركة احتمالاته، ويجب أن يضع تصورًا لاستجاباته السريعة لكل احتمال ينتج عن شكل الحركة التي عليه أن يتقدم بها ناحية إبتسامة الحظ علي جانب الرصيف.
وماذا لو جعل تقدمه ناحية إبتسامة الحظ يبدو تقهقرًا، كي لا يلاحظه أحد المارة؟ استراتيجية التقهقر في الحركة لن تجعل أحد يحدد الوجهة التي يتخذها بحركته، لكنها قد تصنع مزيدًا من الخلل في مصفوفة الرصيف، فينكشف أمر ابتسامة الحظ علي جانب الرصيف. ليجعلها بطئية وحذرة ربما تجدي نفعًا؟!
رمى نظرة سريعة علي إبتسامة الحظ ليتأكد من أنها مازالت تنتظره علي جانب الرصيف، لكنه ما زال حائرًا في شكل الحركة التي ينطلق بها ناحية إبتسامة الحظ.
- يجب أن أتصرف، وبسرعة.
مازالت هذه الفكرة تربكه، فقد يلاحظ أحدهم الآن إبتسامة الحظ، ويسبقه إليها. فكر في الحركة الخاطفة العشوائية، فالخلل علي كل حال قد أصاب مصفوفة الرصيف، ولن يعاني الرصيف من الحركة الخاطفة العشوائية أكثر مما هو يعاني الآن من خلل توقفه المفاجأ عن السير مربكًا منظومة السير علي الرصيف.
حشد كل قواه ليقتنص إبتسامة الحظ بأسرع مما يمكن، الآن، وفورًا.
انقض بيده علي إبتسامة الحظ لينتزعها من الرصيف، فهذه الورقة من فئة المئتين جنيه كفيلة برسم الإبتسامة علي وجهه ووجه أسرته لعدة أيام. لكن يده اصطدمت بأرضية الرصيف المتربة، وإذا بإبتسامة الحظ/الورقة فئة المئتين جنيه تفر من تحت يده، جهة أحد الظرفاء الذي ربطها بخيط رفيع غير مرئي، بينما كانت إبتسامته السخيفة المرئية تملأ وجهه لإقتناص لهفة من أحدث الخلل في منظومة السير علي الرصيف.

التعليقات