أخر المقالات

المزين

الكاتب : أشرف نصر

لم نعرف جريمتنا أبدا! صحيح أنه منذ ذربتنا الأمهات للدنيا ونحن نٌخرب وندمر،لكننا ننال العقاب أولا بأول، نقلق نوم النائم ،ونزيد من ألم المريض ،ونبول فى أي مكان يحلو لنا ،، وحين ندب فى الشارع نفزع الجيران،نضرب ونكسر، لكننا نلنا من السباب والضرب ما يكفي لتخليص حق أي مسكين وقع فى طريقنا،،وفى بيوتنا لم نفعل شيئا ليكرهنا آبائنا ويعاقبونا بتلك القسوة! كيف خدعتنا الأمهات! كيف سلمونا لشيطان كالمزين!
صحيح أننا لم نرحمه يوما،لكن هل فعلا نستحق ما جرى؟!
،نمر أمام دكان المزين، والزبون يجلس منجعصا أمام المزين بشارب يقف عليه الصقر،،وحين نمر نهتف بأعلى صوت: يا حلاق الحمير!
فيشتمنا المزين بأعلى حس بينما يلعننا الزبون بصوت كسير كأننا فضحناه، نلف لفة فى الشارع وعندما ينهي الرجل حلاقته ويمد يده بتفاخر فى سيالته مخرجا النقود بينما المزين يتمنع وعينه تأكل النقود وتعدها حتى قبل أن تصل ليده،،نكون قد عدنا فنهتف هذه المرة: يا حلاق المعيز!
فينفض المزين الفوطة وهو يدعو السماء لتخسف بنا الأرض، بينما يختفى الزبون قبل أن يعلم أحد أن تجريستنا كانت من نصيبه،،
نعيش شهورا من النعيم وشعورنا تطول بلا عائق،ولا تقربها الأمشاط، يغزوها القمل أحيانا فتطهرها الأمهات بالجاز،ونحن نحتمل حتى لا نذهب أبدا للمزين،حتى حين يأتي العيد ويأتي موعد الذهاب للمزين،،يذهب كل منا مع أبيه،،محتميا فى جلبابه،منكمشا خوفا من انتقام المزين،،والغريب أنه يتركنا دون عقاب ،،والأجمل أنه يسلمنا لأبنه ،
فيهون شقاء الحلاقة مع الابن المجنون،، الابن الذي يثير جنوننا حين ينظر للمرأة ونظنه يحدثنا بينما هو يحدث نفسه ،،يبتسم ويكشر ويهز رأسه باقتناع ثم يهمس لنفسه للرد،،وعندما تتألم معدتنا من الضحك نكتشف مرور الوقت ،وأن الرأس خست النص وصرنا جميعا زلبطه ، مجموعة من القرع ، لا يملك أحدنا شعرا ليغيظ الباقين ،
مرة اجتمعت مع شياطين الشارع،انطلقنا وأقنعنا ابن المزين أن الجاز يطرد الجن من أي مكان ،قمنا برش الجاز فى كل أركان الدكان،،بل وزاد ابن المزين برشة الجاز على الموس والصبانة وزجاجة الكولونيا الخمس خمسات،جن المزين وضرب ابنه كما لم نرى أحدا يُضرب من قبل،،وفى المساء تنوعت العلقات التي أكلناها من آبائنا بين الصفع وبين الضرب بالمقشة أو بخرطوم الماء،وطبعا فى الصباح نسينا الأمر وبدأنا فى التفكير فى خطة جديدة
حتى جاء يوم غريب نٌصبت فيه الزينة فى الشارع ،غرقت الأمهات فى إعداد الطعام ،انفشخت أشداق الآباء وهم يضحكون ويأكلون ويشربون السجائر بفرحة انتقلت إلينا ،لعبنا ثم فجأة لاحظت اختفاء أصحابي واحدا تلو الآخر،،لم أفهم شيئا حتى رأيت المزين مع أربعة من الكبار يتحدثون فى نفس الوقت يشيرون هنا وهناك، قبل أن أعي ما يجرى فرد المزين الملعون الموس ومده ،وبضربة واحدة قطع شيئا من بين فخذيي، أول وآخر مرة أصرخ هكذا، صرخة صارت تثير أوجاعنا جميعا عندما نتذكرها ،لطالما كنا نهرب من ذكر ذلك اليوم حتى لا نسمع هذه الصرخة ترجنا
وربما ننساه حتى لا نعذب أكثر بالسؤال عن كراهية الآباء وخداع الأمهات لنا!
***
من مجموعة: شياطين الذاكرة
أشرف نصر

التعليقات