أخر المقالات

النادله من مجموعه قصصيه رجل يبحث عن مقاس مناسب



النادله
المحل قائم إلى جوار منزلهم و الشاب طيب و وسيم وهى تهوى الشاي الليلي, فيومها نهار و ليلها نهار و الأرق عاده لا تفارقها تحولت مع الزمن إلى متعه لا ترغب أن تفقدها
معدات الشاى بالحجره الكاتل - باكيتات شاي و أكياس سكرصغيره و مغلفه تحمل إسم المكان الذى تعمل به فلديها هواية جمع بعض ما يتركه الآخرون (لكن ليس كل ما يتركونه ) , لم تكن تسرق فكثير من الزبائن حدث و أن نسوا أغراضهم الهامه و أعادتها هي لهم أو أعطتها لإدارة المكان دون أن تفكر أن أحدهم زبونا عارضا و أنها لو أخذت ما نساه, ربما لن يعرف أحد, كان الأمر يتعلق بالأمانه أولا ثم بلا إحساسها بقيمة المتروكات مقارنة بأكياس السكر ( أهم مخلفات الزبون ) , و لا شئ عندها أغلى من أن تحمل معها إلى البيت السكر الذى يتركه الآخرون . عندما يترك لها الزبون بقشيشا لم تكن تهتم بالنظر إلى كم من المال ترك, قدر إهتمامها كم عدد أكياس السكر التى تركها خلفه, لتأخذها كغنائم حرب , تتعمد إفسادها وهى تسير متراقصه عائده من طاوله الزبون إلى المكان المعد لإعداد المشروبات , حين تتأكد من أن تراقصها وهي تسير بين المناضد حقق الغرض وأن قطرات كوب المياه أو بقايا الشاي وخلافه سقطت على أكياس السكر, عندها تعود إلى طريقة مشيها المعتاده, تتعمد هذا دائما كما تؤكد لنفسها حتى لا يعاد تقديم نفس السكر لنفس الزبون بعد عده أيام ( كانت ترضي ضميرها بقولها هذا لا يصح لقد دفع ثمنه و تركه لي, لقد أصبح جزءا من البقشيش ) و حقيقة الأمر أنها كانت تتعمد إفسادها لتبرر لنفسها فكرة أن تحملها معها الى البيت.
بدا الأمر معروفا لسيد عمر( هكذا كان إسمه السيد عمر) الذى يتابعهم بدقه فى المطبخ فقال لها لا تفسدي السكر بقلقلة الصينيه, و هبأه أشتري لك كل شهر كم كيس سكر, إمتعضت فالأمر ليس ماديا تماما ولا علاقه له بقدرتها الشرائيه لأكياس السكر. قالت ضاحكه : سيد عمر أنا لا أتعمد إفسادها, إنهم الزبائن, و لكن عامة بما أنها تبدو مقايضه, ماذا تفعل لو تمكنت يوميا من إعاده كل الأكياس جافه دون أن تبتل؟ هل تعطينى يوميا عشر أكياس صغيره تحمل إسم المكان؟؟ كانت تجمع الأكياس المبتله بالمياه أو بقايا الشاي و تقول له سيد عمر : هل يمكنني أخذها إلى المنزل , إنها عطنه بفعل الماء كان زميل لها قد إعتاد أن يمازحها, و يدعىي أنها تربى حصانا يأكل السكر بل أن حصانها, أدمن أن يكون السكر من نفس المكان ( مطعم و كافتريا حلو و رمان ) و له نفس العلامه التجاريه و كانت تتقبل مزاحه بقولها : نعم حصانى يرى قبل أن يأكل, و انا و الحصان متأكدين من جودة السكر هنا و يضيف سي عمر: العين تأكل أيضا, فإشتهاء الطعام يأتى من حاستي البصر و الشم و يا حبذا لو إجتمعا معا.
( السيد عمر) إعتادوا أن ينادوه سي عمر, كان صارما لينا فى آن واحد بطريقه لا تجعلهم يستهترون بصغيره أو بكبيره فى العمل, و لا تجعلهم يكرهونه أو يتأففون من تعليماته, بل أنهم ينتظرونها على الرحب و السعه . سي عمر, سورى الجنسيه أتى بإبنتيه و زوجته هربا من الحرب الدائره فى سوريا, أو الثوره أيا ما كان مسماها, و ما يزال يسعى لتدبير الحال لإستقدام أمه و أخوته, لكن مع التطورات الأخيره يبدو الأمر مستحيلا فقد عادت طائرات كامله بكل الركاب السوريين, لماذا يتدخل هؤلاء الحمقى في ما لاشأن لنا به؟ ما شأننا نحن و من يحكم مصر؟ هل تمكننا من تغيير الأمر في سوريا حتى نغيره لهم هنا؟ لكنه يعرف أيضا الرد, الجوع, اللامأوى, الخوف, فقد الأحبه, الإستغلال الجنسي و السياسي لجموع الفارين من الجحيم السوري, هنا قريب من منزلي كانوا يبيعون فتاة سوريه صغيره و جميله لتتزوج كهلا كبيرا مقابل البيت و الطعام لأسرتها, تحولت الأميره في لحظات تاريخيه و قاسيه إلى خادمة منزل, و خادمة سرير و خادمة مطبخ ( أشياء كانت تكلف الكهل أموالا أكثر مما تكلفه إستضافة أهل زوجته في شقة الزوجيه الثانيه له ) و بهذا الثمن منعت الأميره عن أخوتها و والديها التشرد في الشوارع ( فالتشرد في البيوت أقل وطأه )
يبدو صامتا أغلب الوقت, و إن تكلم كان يبدو ناقدا لاذعا للأشياء الجديده المحيطه به, فوطنه يبدو له كما لو كان هو الجنه, و هوس المقارنه بين وطنه ومصر بدأت تثير الضيق فى النفوس قال أحدهم و لما مصر مش عاجباه جه هنا ليه ؟ رولا ( كان إسمها رولا) كانت تقول له: انت ما شفتش كل مصر , إنت يا دوب شفت الحي ال لا محصل شعبي ولا مش شعبي ال إحنا فيه.
سى عمر كان يقول: دعاني صديقى لوادي الملوك و لم أذهب !! هذا ليس واديا للملوك, تعالوا عندنا شوفوا إيش معنى وادي الملوك الخضره والمياه, موو المقابر
صاحب العمل وهو أيضا صديق قديم ل سى عمر, نبهه إلى أنه ليس من اللائق أن يكثر من المقارنات بين حاضره فى مصر و ماضيه فى سوريا لصالح وطنه, و أن التعبير عن الإشتياق يمكن أن يحدث دون مقارنات, بلا شك هي تؤذى أسماع من حوله , سي عمر إلتزم ولم يعد يذكر سوريا إلا فى مخيلته, أو عندما يكلم أهله , و بدا صامتا إلا فيما يتعلق بأمور العمل, وكانت رولا وحدها تستشعر ألمه الصامت, و رغبته فى البوح و التباهي بالوطن الغائب, فما أن يفرغ لهم المكان بضع دقائق كانت تقول له : إحكي لي عن دمشق و لكنه لم يكن يحكي, فقط كان يدمع داخليا دون أن تلمح رولا أو غيرها هذا الدمع المحبوس , ناغشته ذات مره بخطف ساندوتش أحضره معه من بيته : ما نا لازم أدوق
: إنت مش بتقول طعميتكم أحسن من طعميتنا ميت مره إبتسم سى عمر و قالها بإيمان منقطع النظيربلهجه خليط بين السوريه و محاولات تقليد المصريه: رولا شوفي انتي ال بدأتي بالمقارنه, لكن أنا ما فيا أكدب, طعميتنا أفضل, هدا ما فى فيه شك إحنا بنعملها بحمص. إنتم من غير زعل طعميتكم فقيره, يعني أكيد الحمص أفضل من الفول ضحكت وهى تأكل من الساندوتش : الميه تكدب الغطاس لكنها جاملته إلى أقصى حد وهى تمتدح طعم الساندوتش المحشو بالطعميه ( الفلافل كما يسميها سي عمر ) مع كل قطمه لها من الساندوتش كانت تهتف: رائع ممتاز تحفه ومع كل صياح ينبئ عن إعجابها بما تأكله, كان سي عمر يسترجع من وطنه صوره لشئ أو لمكان أو لإنسان يفتقده أو فقده حين رحل. لكن حقيقة الأمر أن رولا كانت تجامله فقد إكتشفت أنه فيما يبدو, يعشق الإنسان دائما الطعام الذى إعتاد تناوله في سنوات عمره الأولى, أو ربما الطعام الذي إعتاد أن تصنعه له أمه, الأم الكائن الوحيد الذي يصنع كل شئ مجهد بمنتهى الحب فقط ليحصل على لحظات من المراقبه لإستمتاع صغاره, الطعام لا يصنع له مذاقا طيبا مجرد إستخدام الزبده و الزيت و اللحم و البيض ( ولا مذاق الطعميه يصنعها الحمص أو الفول ) الطعام يصنعه الحب أيضا و يتدخل في مذاقه, حب أمهاتنا و حب جداتنا حين إبتكرن لنا ما أطلقنا عليه بمرور الزمن طعاما شعبيا, إكتشفت رولا أنها تميل إلى الطعميه الفقيره, أقراصها تحمل معها عبق ذكريات الإفطار أيام الأجازات في شرفة طنط أم جون, إبتسمت ثم ضاعت إبتسامتها حين تذكرت جون
عندما عاد سي عمر ثانيه ليعاتبها على تعمدها سكب المياه على أكياس السكر وهى عائده بالصينيه قالت : بالطبع أنا لا أقصد, إنهم هم (أي الزبائن ) يملؤن الكوب عن آخره , ثم لا يشربونه, هم فقط يريدون فتح كل ما دفعوا ثمنه أو إفساده, المياه المعدنيه يفتحونها ولا يشربونها, السكر يفسدونه ولا يستعملونه , كانت تعرف أنها تكذب و أنه هو نفسه يعرف بكذبها فهم الذين يباغتون الزبائن بفتح زجاجات المياه ثم سكب الماء في الأكواب لتضاف قيمة المياه المعدنيه سواء شرب الزبون أو لم يشرب.
كان لها رصيدا عنده, فبغض النظر عن أنها الوحيده التى تسأل هنا عن المدن السوريه بأسمائها , و تتلذذ بنطق دمشق و الشام بلهجه سوريه, و تخطف منه الساندوتشات السوريه, و تتناولها بمنتهى الشغف (دون أن يعرف أنها مدعيه ) , فما حدث باليوم السابق جعل رصيدها أكبر فقد نست إحدى زبونات المكان موبايل باهظ الثمن وجدته رولا وهى تعد بعينيها عدد أكياس السكر التى تركتها الزبونه, أعطته له ( رولا ) ليعيده إلى صاحبته وأشارت له بباقى أكياس السكر, و كانوا ثلاثه أكياس فى حاله جيده (من النادر أن تعود رولا بصينيه تحمل أكياس سكر لم يصبها البلل ) : دول حلاوتى بأه
إنتبه هو إلى هوسها بالسكر, فلم يكن يعنيها الموبايل, أو حلاوة و عطية عودته, قدر ما عناها أمر أكياس السكر التي طلبت منه أن تأخذها معها, كان يظن أنها بخيله و لا ترغب فى دفع جنيهات قليله من راتبها لشراء السكر.
: - أنا لا أنام الليل سي عمر قالتها ببساطه : - و ماذا تفعلين إذن ؟ : - أحتسى الشاى, و أؤدى دور النادله و الزبونه معا لا يمكننى الذهاب كثيرا إلى المطبخ , أمى تنزعج فباب حجرة نومها مقابل للمطبخ, بتصحى من أقل حاجه, و بمجرد ما تنام بيتحرم عليا دخول المطبخ, طلبت منها مرارا و تكرارا أن نبدل الحجرات فرفضت بحجة رائحة أبى رحمه الله و التى تملأ الحجره, و تكتم رولا ضحكتها بسبب ما لا تتمكن من قوله فأمها تتمسك بالحجره المقابله للمطبخ ليس فقط من أجل رائحة المرحوم بل وكما تداعبها دائما لأن المرتبه متشربه من عرق طفولة رولا نفسها ( و تعرف رولا أن أمها تقصد بولها لا عرقها و هى طفله, و تتساءل لم نحن فقراء الى هذ الحد؟
لم لا نجدد المراتب و هل تعوض أمها هذا الفقر المادي بمقولتها إن رائحة الأب تملأ المكان؟ أم أن لأبيها بالفعل رائحه خلفها بالحجره لا تشمها إلا أمها.
لم تخبره قطعا بهذا الجزء من حوار أمها, كما أنها لم تخبره أنها تخشى تكرار ذهاب الحمام ليلا للسبب نفسه, وهو ألا تيقظ أمها, مع أن كثرة إحتساء الشاى تجعلها أيضا كثيرة الرغبه فى التبول ليلا, أو ربما كان هذا سببا إضافيا لأرقها المزمن, عندما كانت طفله كانت تخاف الشئ نفسه ( أن تعملها على نفسها ) فكانت لا تنام الليل إلا متقطعا, و هاهى بعد أن كبرت و تمرست على عمليات التحكم فى النفس تجد نفسها غير قادره أيضا على التحكم فى الخوف الطفولي القديم, كثير من الخوف و كثير من مرارة الذكريات لا يزيلهما أي شئ ولا حتى أكياس السكر.
عامة ما يهمنا هو أن سى عمر بعد حادثة إعادتها الموبايل باهظ الثمن لصاحبته سمح لها بحمل أكياس السكر و أنه وجد أفضل طرق العقاب لها إن أخطأت فكان عندما يريد معاقبتها يعاقبها بمنعه عنها و كانت حجرتها البسيطه لها شرفه كبيره تطل على شارع واسع يقابله ميدان ( شقه إيجار قديم كانت لجدتها ثم أصبحت لوالديها ولا تعرف رولا هل سترثها هى أيضا أم كيف ستتحول القوانين مستقبلا ) , هنا من هذه الشرفه صيف شتاء كانت تجد متعتها الشاي و النظر الى العالم بعد موته بينما هى وحدها باقيه.
كانت ترى العالم ميت إلا هى و أمها فقط , بلا شك لأن نوم أمها خفيف للغايه, و لايمكن أن ندرجها فى قائمة الأموات الليليين, هؤلاء الذين لا ييقظهم أي حدث جلل فى العالم, و يستمرون فى النوم اللا متقطع عكس أمها التي نادتها ذات يوم من سريرها : رووولا : ماما مش كنت نايمه ؟ الأم و قد فتحت عينيها : نشرة الأخبار عند الجيران بتقول فيه مذبحه فى كرداسه و دخلوا دبحوا العساكر رولا ضاحكه ضحكه تنبئ عن شعور بالغم : ماما ده من إمبارح , ههههه هو إنت ما بتتابعيش الأخبار و إنت صاحيه , فبتتابعيها و إنت نايمه؟؟ أمها لم تكن تحاول أن تهتم بالأمور السياسيه , مؤخرا على الأقل حاولت الهرب مما يحدث فى العالم العربي قدر إستطاعتها, و إنتبهت إلى اللقب الذي خصص لها عقب ثورة يناير, و الذي يصر أبناء أختها أن يلصقوه بها هي ألا وهى حزب الكنبه , و كانت تثور قائله: بيدخلوني في اللي ماليش فيه غصب عني , أنا ما إنضميتش لحزب , لا كنبه ولا كرسي , هو فيه حد بينضم لحزب من غير ما يعرف؟؟
تحررت من الكنبه و اللا إهتمام فقط من أجل ثورة 30 يونيه 2013 لإقتناع خاص و إيمان مطلق بالمنظمه العسكريه, و لإحساسها أنها يجب أن تفعل شيئا فالتغيرات أثرت فى كل شئ , حتى إبنتها رولا التي فوجئت بها أمها مؤخرا تكلم نفسها ليلا و نهارا, كانت تقول لنفسها ( نعم أعرف أن إبنتي مجنونه و لكن ليس إلى هذا الحد)
كانت رولا تتساءل كيف تسمعها أمها وهى نائمه, و بينهما مسافات مزدحمه بالجدران و الأثاث؟؟ ربما كان طبيعيا أن تسمع أصوات النشره الاخباريه عند الجيران, لكن أن تسمع همهمة إبنتها مع نفسها فده غريب جدا, و كانت رولا ترد على أمها :أنا أصلا ما بتكلمش ,أنا بفكر مع نفسي يعنى أتكتم يعنى؟ أمي لا تهتم بأى شئ, لكنها حين تنام تسمع كل شئ و هذا هو الأمر المزعج فالعالم الذى تتركه فى حاله وهى يقظه, و تؤدي فيه دور اللا مبالى و الأنا مالى هو نفسه العالم الذى يهاجمها ليلا حين تنام و تستيقظ حاسة السمع عندها لأقصى حد, فتعرف كل ما يمكن معرفته ( و كل ما كانت تحاول الهروب من اللقاء معه ) , تعرف كل شئ عبر أصوات المحطات المختلفه التى يستمع لها المحيطون من الجيران, و عبر صرخات الآباء و الأمهات فى البيوت المجاوره. رغم كل هذا تتحصن رولا أحيانا ضد سمع أمها العجيب , فلم تعرف الأم أبدا أن إبنتها كانت تعيد نفس العباره على نفسها كل يوم حين تصب الشاي : كان جديرا بى أن أكون أى شئ أفضل من جارسونيره رنت الكلمه فى أذنها رنينا غريبا....ايراااا
لم سمتها امها رولا ؟؟ يعتقد كثيرون أنها مسيحيه بسبب الإسم, و هى ليست كذلك, لكن صديقة أمها التى تقطن أمامهم كان إسمها رولا ( إنتبهت رولا إلى أنها كانت تقطن, فاليوم لا يقطن أى أحد ) رحل جون عن أمه عبر إجراءات السفر و الهجره, و رحلت رولا الجاره الطيبه عن عالمهم عبر الموت, والنتيجه أنهما رحلا معا عن رولا الجارسونيره.
كان مسيحيا و بالتالى لا يمكن أن تتزوجه, وكانت مسلمه و بالتالي لا يمكن أن يتزوجها , رحل هو بحثا عن مجتمع اقضل, و بقيت هى لأنها لا حول ولا قوه لها إلا الأمل فى مجتمع أفضل ( مما سيتاح ل جون ) يمكنه أن يتحقق على أرضها هي. المحل الذى لم تشتر منه الكاتل, و لاأى شئ بعد يقع أمام شرفتها, و شرفتها قريبه من الشارع, شرفه ذات سياج حديدي, كانت تستمتع خلال فترة طفولتها بأن تدلي ساقيها من خلال قضبانه و تؤرجحهما و هي تتأمل الطريق, عندها لم يكن هذا المحل موجودا, الآن أي شخص سيخرج من المحل ستكون رولا هي أول ما يلفت نظره لو ألقى ببصره أعلى قليلا من المعتاد, و غالبا سيلفت نظره نفس الساقين المتأرجحتان سابقا ( ساقا على ساق ).
كان هذا المحل قد توسع كثيرا دون أن تنتبه رولا لأهمية توسعاته بالنسبه لها, فصاحبه إشترى الشقه التى تعلوه, و ضمها إلى المحل, و بدلا من أن كان يبيع الأدوات المنزليه من أطباق و صحون, ضم قسما آخر للمفروشات, قسما آخر للأدوات الكهربائيه ,مكواه, سخان سشوار و بلا شك كاتل و كل ما يتعلق بصنع الشاي و القهوه. كان أحمد هو آخر من يخرج من المحل و يغلقه ليلا, و أحيانا قرب الفجر, و ينتبه كثيرا إلى أنه فى الشرفه المقابله له تسكن فتاه لا تنام الليل و تظل طوال الوقت تصب من زجاجة المياه فى الكاتل و من الكاتل فى الإبريق ( الذى لم يتفهم سبب وجوده ) و منه إلى الفنجان و ترشف الشاى بمحبه لا مثيل لها, كانت غالبا ترتدى قميص نوم يصل طوله إلى الركبه أو ترتدى تى شيرت و برمودا يصل أيضا طوله إلى الركبه , كانت ساقاها جميلتان و ربما أيضا ملفتتان وسط شارع يغوص في الظلام, و بدا له من إختياراتها لطول ملابسها أنها تعرف هذا الأمر.
أحمد كان يتساءل لماذا هى حريصه على إخفاء ما يعلو الركبه, فلم أرها أبدا بثوب أقصر من هذا ( و يخشى أحمد أن يكون يشتهى رؤيه ما هو أعلى من الركبه فيكمل التساؤل بسؤال آخر و لكن لم هى أيضا ليست حريصه على إخفاء ما تحت الركبه فلم أرها أبدا بثوب منزلي طويل : أليس حراما أن تعري ساقيها لي و لكل العابرين هنا, إن لم تكن رولا مسيحيه فهي مسلمه غير متدينه بلا شك من وجهة نظره.
ترشف الشاي فى وقت أطول من المعتاد بالنسبه للجميع, تستمتع بوضعية الفنجان فى يدها بالرشفه الأولى ,الثانيه , الرشفة الثالثه ربما نعم و ربما لا, فالجرسونيره تهوى التأمل الذي يسلبها أحيانا متعة شرب بقيه الفنجان, حتى تنتبه بعد كثير من الوقت للبقايا البارده منه, فترشفها مره واحده, ثم تسرع نحو الكاتل لإعداد فنجان آخر تصبه مباشرة في الفنجان دون المرور بمرحلة الإبريق الذى تصر على أن يكون من مكونات المائده يوميا. إنتبه أحمد الواقف أمام المحل يدخن سيجاره و يتحدث مع صديق أتى لزيارته ليلا إلى أنه سقط في فخ مراقبتها و هو الرجل المتدين, أو هكذا يحب أن يكون و يبدو.
لو كانت رولا تعرف ما يدور بخلده بخصوص إستغرابه كميات الشاى التي تتناولها ليلا و عدد الفناجين التي تصنعها سواء تناولتها أم لا, فالوساوس توسوس لأحمد هل يمكن أن يكون شيئا غير الشاى الذى نشربه؟ هل تخلطه بشئ؟
أحمد إعتاد للأمور أن تحدث كما يراها هو, لا يعترف بشئ غيرإعتيادي من وجهة نظره إلا و حمله تفسيرا مبهما و غامضا (إنه فيها إنا و لازم إكتشاف هذه الإنا ), ما يعرفه أن هذا وقت نوم أو عمل أو قيام ليل, أما فكرة أن يكون السهر لسبب آخر كالقلق أو حتى لإستنشاق الهواء يوميا فهذا أمر يحمل تأويلات مختلفه من وجهة نظره, و غالبا لا يتسع ذهنه لأي تأويل إلا من خلال فتحه ضيقه أمام عينيه تفسر له كل شئ في الحياه, فالأمور من وجهة نظره إما أن تكون حلالا أو حراما فقط , إما أن تؤدي إلى النار أو إلى الجنه, الأمور كلها من وجهة نظره لها سبب ما و هدف محدد و ما تفعله رولا من وجهة نظره غير مفهوم فبغض النظر عن ساقيها العاريتين حتى الركبه هو لا يفهم هل سهر رولا الليلي مع فناجين الشاي أمر تحاسب عليه بالنار أم بالجنه؟؟ ألم يكن الأفضل ان تقوم الليل؟ لو كانت رولا تعرف أن هواجسه تتدخل فى حياتها, و فى أمسياتها بالشرفه لقالت له : و كم من السيجارات تستعملك و تستعملها أنت أيضا, ثم تلقيها على الأرض, أنا لا ألقى الأبريق و الفنجان أرضا ( أحمد يخفي عن عمه حقيقة تدخينه الشره رغم أن رائحته تفضحه و عمه يتصنع عدم المعرفه, عل الله يهديه ذات يوم ) رولا تربت على باكتات الشاى المنتهى أمرها بعد إستخدامها, و تبدو وهي تلقي بها إلى السله المخصصه فقط للباكتات دون غيرها, كمن تدفن جنينا لها و فى إنتظار وعد بحمل جديد , أو كمن ترسل رسائل لعالم مختلف عن عالمنا.
عامة هى إشترت الكاتل الأخير الذي تصنع فيه الشاي اليوم من محل آخر, يجاور مكان عملها , و لم تعرف إلا أخيرا, و صدفه من حديث أمها التي تسعى لتجهيزها منذ الطفوله, و تشكو وقف حال إبنتها منذ أنهت دراستها بكلية التجاره أن المحل الذى توسع منذ شهور أمام منزلهم يبيع أيضا بعض الأدوات الكهربائيه, إسمه ( أحمد) قارب الثلاثون و يعمل فى محل عمه و يبدو عمه يأتمنه كثيرا.
تمنت رولا ألا يتعطل الكاتل الذى إشترته أخيرا كسابقيه, وهى لا تفهم تحديدا لماذا تتعطل الأشياء سريعا فى بلادها. أمها تقول لأن الصيني يغزو, وهى تنزعج من التوصيف ( غزو !!) لكنه مع الوقت أصبح يعجبها خاصة عندما قال لها مراد و هو صديق بمحل عملها إن الطعام أيضا يغزونا, فكل هذه المطاعم الأمريكيه التي نرتادها ما هي إلا عمليات غزو نشطه, حاولت كثيرا أن تتوقف عن الذهاب الى تلك الأماكن إلا أنها لا هي ولا صديقها مراد الناشط العامل ضد الغزو الغذائى لمصر توقفا, وكان يقول لها : إذن هم نجحوا, لقد وصلنا الى مرحلة الإدمان. مراد تحول إلى ناشط سياسي بعد رحيل مبارك 11 فبراير 2011, وهو نفس الوقت الذي إستلم عمله في مطعم حلو و رمان كصانع بيتزا مميز و هناك تعرف على رولا, مراد غالبا بيمشي مع الرايجه ( وهو ما لم تكتشفه فيه رولا ) , دائما هو قادر على الإقناع بذات الموقف و بعكسه في آن واحد, أقنع الجميع أنه كان يبيت كل الليالي في الميدان رغم أنه لم يطأه الا بعد ما تمت تسميته ( رحيل النظام ) أعجبها كثيرا ما وصف به المطاعم الكثيره حولهما ( الغزو الغذائي ) خاصة عندما قارنته بمرارة تجربتها مع غزو العراق ( كانت عندها صغيره ) إلا أنه هناك مات, أو فقد والدها, و منذ ذلك الحين إرتبط عندها مغزى الغزو بفقد الأحباب. (في هذه الغزوات – تقصد إرتيادها المطاعم - لا أفقد شخصا أحبه, لا أرى ديارا تتهدم ولا دول تتمزق, هنا أفقد فقط بعض الجنيهات مقابل كثير من الكوليسترول و الدهون المضافين إلى حصيلتي السابقه منهم )
لفظ غزو هنا تحول إلى شئ آخر, إنه يشعرها رغم الخوف بالأمان, فمادام الغزو يأتي مهادنا بلا دم ولا قتل ولا هدم ولا فقد أحبه هتفرق إيه؟؟ خليهم يغزوا كانت تأكل الهامبورجر أو البيتزا الأمريكيه, و تعلق الغزو ده جميل ياريت كل الغزو كده, كان صديقها مراد يطالبها أن تكون أقوى, و أن تكون نموذجا يحتذى به, و أن هذه ستكون آخر مره يصطحبها إلى مثل هذا المكان ( فهي لا ينبغي أن تستسلم ), و كان يفزع من فزعها من كلمة غزو, و إرتباطها عندها بفقد الأب و يظل يصيح : أننا يجب أن نضحى من أجل الوطن و أن نموت من أجل مستقبل أولادنا , لا يجب أن نكون أنانيين ومؤخرا أصبح يختتم بقوله: يا نجيب حقهم يا نموت زيهم.
عندما قررت أن تغير أسلوب الترويح عن النفس,و ألا تكون نزهتها نصف الشهريه دعوه منها لمراد أو لمراد منها سواء لمشاهدة أحد أفلام السينما, أو على الطعام في قاعات الإحتلال الغذائي, و قررت أن تملأ جيوبا مصريه بأموالها القليله, إشترت فاكهه وزارت سي عمر و زوجته و إبنتيه وهناك تعرفت على الغزو أكثر, و بدا لها أنه لا مفر.
لم يتمكن سى عمر من إحضار باقي أهله, بل ربما يتخوف من ترحيله , فالإعلام يعمل على قدم وساق ضد السوريين جمعاء بعد الثوره الشعبيه الأخيره التى حاول الغرب جاهدا أن يصفها بالإنقلاب , كان سي عمر قد دعاها لتناول إفطار رمضان مع أسرته, و ما أن سمعت إبنته الصغرى أصوات البمب و الصواريخ فى الشارع, حيث الأطفال يلعبون حتى إجتاحتها حالة ذعر, فسرتها زوجة سيي عمر وهى تهدئ من روع الطفله أن البنت تحسبها نفس أصوات الثوره أو الحرب ( كيف ما يحبوا يسموها ) التى إستمعت اليها فى سوريا بدا أن سى عمر لن يتمكن ربما حتى حين او الى الأبد من لقاء أمه و أخوته. وكانت تتساءل و ما ذنب سي عمر؟ إنه رجل من المحل إلى البيت, و من البيت إلى المحل ؟؟ ما ذنب أمه و أخوته؟ كانت رباب زميلتها تقول لها لكن الأمر بات معروفا, إنهم يمدون العائلات السوريه بالسكن و الطعام و المصروفات ليؤيدونهم فى اليوم المشهود و( تشير بأصابعها بعلامة رابعه ) , و يملوا الميادين رولا بهدوء و تبدو كلماتها متقطعه: مش كل صوابعنا زى بعضيها, و سي عمر لا يتدخل أصلا, هو عنده شغله وراتبه و ما بيحبش يتكلم في السياسه يقاطعها مراد : الحسنه تخص و السيئه تعم و ترد رباب : بس همه جايين يقاسمونا لقمة عيشنا, مش كان مصرى إشتغل مكانه أحسن؟ و تنفجر رولا : بس الناس لبعضيها و سى عمر مش جاي يشحت .يعنى لو إحنا ال حصل معانا كده كنت تحبى يتقال لنا ما تيجوش تقاسمونا, إنت متخيله يعني إيه البنات بتتباع في الجوامع؟؟ يقهقه مراد : أنا عاوز أشتري لي واحده و يبدو الغضب على رولا فيغمز لها بعينه : فكي , أنا بهزر يتغير الموضوع تلقائيا بوصول سي عمر
هل تغزو أمريكا سوريا؟ هل نحن هشين إلى هذا الحد فنخشى الغزو, و نعترف باللا قدره على المقاومه , تداركت و قالت لنفسها : لأ بس جيشنا, و سكتت : الحرب هى الحرب ! ماذا يفيدنى أن ياتي الأمريكان أو غيرهم فنهزمهم لكن بيتي قد تحطم؟؟ حتى النصر له مراراته التي لا تنتهي. إعتراها الفزع , و تقلبت ملامح وجهها وهى تنظر لكوب الشاي و تلعق بقايا كيس السكر: حتى إعتياداتنا الحياتيه الصغيره سنفقدها,و ربما تسولنا كوب الشاي, أو الماء المغلي, أو كوبا قذرا يستخدمه الجميع دون غسله , و ترتعد مع ذكر كلمة الماء!!! هل يتغير الدور الذى يلعبه الماء فى حياتنا؟ فبدلا من أنه هو الذى يهبنا الحياه يسلب منا الحياه فنقضيها كلها بحثا عنه؟؟ سنعيش من أجل الماء؟ من أجل توفيره و من أجل الحفاظ عليه؟ هل يسرقنا الماء دون أن ندرى؟
كان صديقها الناشط مراد, يحاول أن يجعل مداركها و عالمها أكبر من عالمها الشخصي, و أن يجعل بيتها أكبر من تلك الشقه التي تضمها هى و أمها, و أن تطل من شرفتها على العالم لا على المحلات التى تشتري أو لا تشتري منها إحتياجاتها, لم ينجح صديقها إلا في أن يزيد الفزع لديها خاصه مع تذكرها ما لاتنساه أبدا ( طيب و جون ) ؟؟؟ هل يأتى جون ليهاجمنا أو يقتلنا أو يهدم منزل أمه و ذكرياته بها؟؟ صاحت جون لا يفعل هذا رولا كانت تحب جون ( هذه هي حقيقة الأمر ) و المؤسف حقا أنها لم و لن تحب آخر فى حياتها. نهرت الهاتف الذى فاجأها بثقه ( و لن تحب شخصا آخرفي حياتها ) و قالت : هتسودها ف وشي ليه ؟ أكيد هعرف أحب لكن هل كان جون يحبها ؟ صديقاتها حذرنها : عاوز يغريك عشان تبعدى عن دينك عاوز ينصرنك و أصدقاؤه أيضا حذروه هتأسلم ولا إيه؟؟ لماذا يقف الله ضد الحب؟ لا يمكن أن يكون هذا ما قد قصده من إختلاف الأديان و الملل, أن نتصارع أي منا الأفضل , أي منا المنتصر؟؟ رولا ( الأم ) قررت أن تجعله يسافر, و أكيد هينسى, و أم رولا الصغيره لم تعرف شيئا و لم تنتبه رغم قوة سمعها طوال حياتها إلى أن ما نشأ بين طفلين ولدا فى نفس اليوم و نشآ نفس النشأه كان فى حقيقة أمره حبا لا أخوه ولا جيره. رولا لا يمكنها أن تبوح لأحد بما يتعلق بالقبلات المحمومه التي حدثت , و التي تتمنى لها أن تعود ( قبلات لها مذاق السكر الحلو الذي تحاول اللحاق بما تبقى منه لحظة سقوطه في طبق سردين مملح ), هي لا تحكي شيئا بينما أغلب صديقاتها يحكين لها عما يجرى في الخفاء مع الحبيب و الخطيب , هنا كانت مأساتها الحقيقيه ( الكبت ) و أن تفعل شيئا لا يمكنها أن تخبر به أحدا أبدا, لا يمكنها حتى أن تخبر رولا أم جون ( مخزن أسرارها منذ الطفوله ) ولا أن تخبر أمها, ولا أقرب الصديقات, بل أنها طلبت من جون نفسه أن يعاهدها ألا يتحدث فى الأمر أبدا لا معها ولا مع غيرها. لم تفهم أبدا لماذا تبدو القبلات عيبا؟ بينما هى كل الحب و ما العيب أن نحب, نحن نقبل الأطفال لأننا نحبهم لا لأننا نشتهيهم, نقبل صور من غادرونا من العائله لأننا نفتقدهم لا لأننا نشتهي الصور. لكنه عيب و خلاص, و علينا أن نقر بما أقره السابقون فخبراتهم في الحياه تمتد لآلاف السنين على أرضنا, و بكت نفس البكاء الذى كان يتبع كل قبله يمطرها بها جون, ودخلت نفس الحاله المزريه لإمرأه تشعر أنها خاطيه و تهون على نفسها بأنها خطيئه غير مكتمله, تضع إعترافاتها على فنجان شاي, تنهض في حالة قلق مضني لتتأكد أن الأبواب مغلقه و أن أمها لن تسمع إعترافاتها الليليه لكوب الشاى.
عامة هى تعرف أن جون لن يضرب منزلهما بالقنابل ( هذا مستحيل ), عندما ماتت أمه لم يتمكن من الحضور لكنه أخبر اهله أن يعطوا مفتاح الشقه لطنط رولا و لرولا الصغيره و امنهما على ( مخزن الذكريات ), جون لا يمكن أبدا تجنيده ضد وطنه, تفيق مما هى فيه مذكره نفسها بالواقع فجون أصلا لا يمكن أن يكون عمله هناك هو قائد طيارات يحمل النابالم , جون لا يعرف كيف يقود طائره, و تصيبه الفوبيا من الأماكن المرتفعه. ( الحمد لله هذا أفضل )
النابالم كانت أول مره تعرف شيئا عنه و عن فيتنام أمس, عندما تكلم عنه أحمس ( هكذا يسمي نفسه الناشط السياسى الآخر الذى يعمل معها بنفس الكافيتريا ) و يحمل معه دائما جهاز لا ب توب صغير, تمنت هى أن تمتلك واحدا مثله و قال لها مراد: حوشي الف جنيه, و أجيبلك واحد مستعمل
هى عامة لا تحب الأشياء المستعمله فيما عدا أكياس السكر, لكن ما شاهدته على اللاب توب جعلها تفكر كثيرا ( صوره أبيض و أسود لفتاه صغيره عاريه تماما تجري رافعه ذراعيها من الألم و خلفها خلفيات الموت و دخان الحرب و إلى جوارها طفلان يتألمان نفس الألم و يهربان مثلها مع فارق بسيط , و هو أن آلامهما مازالت ترتدي الملابس. قال لها أحمس: صوره أيقظت العالم نظرت تجاه الطفلين البائسين الآخرين و تساءلت : هو لازم الواحد يعري آلامه حتى يفهم الناس أن النار تحرق, و أن القنابل تدمر,و أن النابالم غير مشروع قال لها سي عمر: أحيانا يجب أن ندمر شعوبا بأكملها دون أن يكتشف أحد أن الديمقراطيه مخادعه قال لها مراد: تواصلي مع العالم , هناك معارف كثيره على هذه الشاشه أفضل من معارف التلفزيون و الإعلام بتاعنا, الإعلام منافق همهم سي عمرمحدثا نفسه ( كل شئ كاذب, الصوره تجدها على جوجل و على الفيسبوك لضحيه ماتت في العراق منذ سنوات, فينشرها أصحاب الصفحات على أنها في سوريا أو مصر أو فلسطين منذ ساعات ) ( لا شئ صادق , تخصصت صفحات كامله لكشف أكاذيب الإعلام , حدث معي في مصرذات مره, أنني كنت أسير في أحد الميادين آمنا مطمئنا لا شئ يحدث حولي فإذا بزوجتي تحادثني لتخبرني أنني في وضع خطر و أنني محاط بالمظاهرات و أن الاشتباكات خطيره) و تكمل ( هذا ما تقوله قنوات الفتيله سألتها: هل ترينني في الصوره؟ أسأل زوجتي فتخبرني ب ( لا) فأقول لها إطمئني , إذن أنا لست في ذلك الميدان وقبل أن أغادر الميدان الهادئ الذي بقيت فيه حتى بدايات الصباحو أبحث في جيبي عن قلم أريد تغيير إسمه فلا أجد, منذ ذلك الحين قررت أن أحمل معي أقلاما كثيره علني أتمكن من تغيير أسماء الشوارع و الميادين لتبدو أقرب لما تذيعه عنا الشكيره ( أليس أفضل من أن تصيبنا الشيزوفرانيا هنا )
( أنا لا أشاهد التلفاز ) قالتها رولا لمراد بإقتضاب, فمن بعد مشهد غزو العراق, تحطيم تمثال صدام, محاكمته ثم شنقه, و لا توارد أي انباء عن والدها فقدت رولا التواصل مع التلفاز و قالت : إعتبرته نذير شؤم يومها إختبات في حضن أم جون و سألتها: صدام حسين ما عرفش يحمي نفسه, تفتكري بابا هيعرف؟ رولا الجاره كانت تقول لها: في أوقات الحروب الكبيره, ربما يكون الملك فعلا في خطر و يفقد حريته و حياته لكن الأمر مختلف مع الأفراد العاديين, لأنهم ليسوا هم الهدف . ربما كان والدي هدفا و ربما لا, لكن النتيجه واحده فهو اليوم في عداد المفقودين محاولات أمها المضنيه معها أن تجلس لتشاهد ( المسلسلات و الفقرات الإعلانيه و الغنائيه ) الشئ الوحيد الذى قررت الأم مشاهدته بعد مشاهد غزو العراق و تفتت البلاد, و اليقين الذى لا سبيل لغزوه أن زوجها فقد نهائيا و إلى الأبد كانت محاولات تبؤ دائما بالفشل, و نفس الشئ كان بالنسبه لرولا عندما حاولت أن تقنع أمها أن تعطيها ألف جنيه لشراء لاب توب مستعمل فقد باءت كل محاولات رولا بالفشل. رولا كانت تقول لجون : لو إتولدنا كم سنه بدري, يعني من 3000 سنه مثلا يمكن كنا كان يقول لها و لو إتولدنا ف بلد تاني كنا ( و يصمت ) و هما معا يعرفان التكمله : كنا إتعلمنا الحب فى بعض. يا ترى هي مشكلة الزمان أم المكان؟ سي عمر مثلها يتساءل هي مشكلة زمان أم مكان, هي تخبره أن الإنترنت حل مشكلة المكان و انه يمكن لأي شخص أن يرى شخصا آخر و يكلمه وهو في مكان بعيد, و أن عليه و عليها أن ينتظرا حل مشكلة الزمان باختراع آلة الزمن, هو يضحك ضحكه ساخره تنم عن مراره و يتساءل يعني لما أشتاق إلى سوريا, مش لازم أروحها بيكفي أفتح الجهاز, و أكتب أين تقع سوريا, و لما أشتاق لبنتي افتح الجهاز و أنظر لصورتها؟ بتعرفي, هو كمان حل مشكلة الزمان, أنا بعمل سيرش عن بلدي أيام ماكنت صغير, كيف كانت الاماكن و الناس و كل شي
رولا ليس أمامها إلا سي عمر تستعطفه و تحاول إقناعه أن يعطيها جزءا من راتبها السنوي دفعه واحده : ألف جنيه!! ده كتير أووى, أنا نفسي لا أجرؤ أطلبهم لنفسي من صاحب المحل
: ما ينفعش يا رولا جون كان يقول لها : ألف جنيه ايه ال أهلنا بيتكلموا فيها دي؟ دي في بلاد بره ولا تسوى حاجه, ممكن تسوى بتاع 50 جنيه ولا ميه و خمسين بالكتير أوى و طلب منها ما كان يعرف أنه هو نفسه لن يجرؤ على فعله : تعالي معايا قالت له بخوف شديد و رغبه عارمه : ما أقدرشي كان بيقول لها : الأجانب بيقولوا لي البنزين عندكم رخيص و يمزح ساخرا بس ما يعرفوش إنه غالي بالنسبه لنا, و إن واحد زيي كده إتهد شغل سنه بحالها, على ماعرف يجيب جهاز كومبيوتر عليه القيمه ,ولاد الهرمه جايين يبصوا لنا فى البنزين. كان جون قد وجد عملا مؤقتا في بازار, دائما كان مهووسا بالعالم الخارجي, بالغرب و حين كان يكلمها عنه كانت تشعر أن هناك من ينزع عنها لحاء كان يغطيها, و أنها أصبحت كائنا بلا قشره و تشعر ببروده غير مبرره, و عندما كانت تخبره لم يكن يفهم لا هو ولا هي لماذا كانت تشعر بهذا الشئ, بينما هو ينزع جاكته الذى إعتاد حمله صيفا و شتاء كلما رافقها ليغطيها علها تكف عن الارتعاش, أو ما سماه هو ذبذبات ( كانت محقه فقد تم نزع اللحاء عنها و رحل جون ).
ما أن إشترى جون اللاب توب حتى أتته دعوه من أقاربه للسفر إلى أمريكا, و رحل دون أن يودعها , أخبرها أنه لا يمكنه أن يودعها ولا هى أيضا كانت تستطيع. ياااه الفجر بيشقشق و السكر كما هو مغلف بأكياسه إلا كيسا واحدا ترشف طعم حلاوته مع فنجان الشاي البارد فى يدها
بحبك أد السكر.... ضحكت قالها لها جون وهم أطفال و أختزنتها فى ذاكرتها طول العمر,هو نفسه لا يذكرها فقد كانا فى الرابعه أو الخامسه من العمر وهو يأكل السكر بالمطبخ و هى تراقب له الباب حتى لا تأتى أمه و تعاقبه لأن السكر بيسوس الاسنان . على فكره , أنا عمرى ما سوست لي سنه , قالها لأمه وهو شاب إنتبهت رولا إلى أنها هى نفسها لم تعرف ملامح فم جون الداخليه – ضروسه أنيابه أسنانه و خلافه . ( بس لسه فاكره طعم اللسان ) إستحت كثيرا, و إبتسمت أكثر, و إنخرطت فى البكاء بعد إنتهاء متعتي الحياء و الإبتسام, كلما عاد والدها من العراق كان يحملها إلى مطعم مجاور أو مكان تأكل فيه هي الآيس كريم و يشرب هو قهوته الساده, و لا يشعل سيجارته المعتاده خوفا ان يؤذي أنفاس الطفله بابا : أطلب شاي يضحك كثيرا: انت لسه صغيره عالشاي يا رولا هاجيبلك عصير يبدو عليها الضيق وهي تتأمل المائده المجاوره يجلس عليها فتى و فتاه و النادل يضع لهما أكواب الشاي فتفتح الفتاه أكياس السكر لحبيبها وتضعها له في المشروب و تقلبها له : بابا طيب أطلب لي عصير بس اطلب لنفسك شاي و عندما يفعل الأب كانت تحمل كل أكياس السكر في جيبها فيقهقه الأب و يقول : عشان السكرههههه آه يا عفريته لم يكن يحذرها من أكل السكر كما تفعل ام جون و أمها, فوقت الزياره قصير ولا يريد أن يقضيه في تحذيرات و توجيهات, يريد أن يترك لديها إنطباعا رائعا فقط عنه, هو أب يشبه سانتا كلوز مهمته الوحيده تحقيق الأمنيات . و رحل سانتا كلوز عن عالمها دون أن يعرف أن أكياس السكر التي كانت تجمعها صغيرته كانت من نصيب جون. عندما قررت رولا عمل شاى آخر كان الكاتل لا يعمل : أووووووووووووووووووف النهار يفتح عينيه , و قريبا يفتح أحمد المحل المواجه لشرفتها و ستبدل منه الكاتل كعادتهما معا.
المره الأولى التى قابلته فيها وجها لوجه كان عندما نادته من الشرفه : عايزه أبدل ده سألها سؤالا منطقيا من وجهة نظره ولا علاقه له بالمنطق من وجهة نظرها : فين الفاتوره ؟ أجابته بإستنكار : مش معايا!! سؤاله التالي كان : إنت شارياه من هنا؟ إجابتها اللامنطقيه كانت : لا !! كان أحمد قد بدأ إنزال الباب الحديدي ليغلقه, مقررا أن يروح بدري شويه لإحساسه بالإرهاق بينما رولا تهرول نحوه : إستنى قبل ماتقفل لازم اغيره
ظلا يتحاوران نحو الساعه عن الكاتل, وهى تخبره أن الماركه نفسها موجوده عنده بلا شك, إفتح بس و إنت تعرف و كده كده هنرجعها للمصنع, فبدل ما أنا ادب المشوار لل اشتريته منه رجعها إنت, يا اخي تفرق إيه إشتريته منك ولا من غيرك طالما عيب مصنع أكيد انت كمان بتتعامل معاه؟ بعد كده هشتري منكمو والله ماكنت أعرف أنكم بتبيعوا كاتلات
أضحكته كثيرا, و لم يفهم هل هو خبث أم بساطه , أم كليهما معا لكن الأمر إنتهى بقراره أن يغير لها الكاتل بماركه من نفس الماركه ال معاها وهو يؤكد عليها أنه ( مش هينفع يرجع المصنع, ده أصلا مستورد فهمت؟ ) فتح الباب ثانيه و بالفعل وجد نفس الماركه و قال لها أصبري شويه, هجيبلك واحد من المخزن, و دخل إلى باب خلفي يؤدى إلى مخزن, و أحضر لها مثيله. كان اسوأ ليل عبرت به رولا و أمها فالكاتل الذى أعطاه لها أحمد هو أيضا لا يعمل و بدا لها أن الأمر مقصودا, بل أنه ربما لم يغيره أساسا , ( عشان كده دخل المخزن ) و كادت تموت غيظا وهي تسب و تلعن اليوم ال فتحوا فيه المحل أدام بيتها ( آل بتاع ربنا آل !!). في تلك الليله , كانت المشاوير الليليه إلى المطبخ و الكركبه التى لا تصدرها أصلا رولا ( الكاتمه أنفاسها مع كل طلعه و دخله ) سببا رئيسيا ليقظة الأم و عدم نومها حتى صباح اليوم التالي دون أن توجه أي عتاب إلى رولا. ربما أراد أحمد ان يعاقبها فعليا على لا تدينها, على لا تغطيتها شعرها و جلوسها الليلى تستعرض النصف السفلي من ساقيها .
أحمد نفسه لا يعرف لكنه أراد إزاحتها و إرضائها في آن واحد, فأتى لها بالكاتل الذى يعرف أنه تمت إعادته من زبون آخر منذ ساعات لأنه لا يعمل جيدا , أرضى ضميره تجاهها لأنه بالفعل غير لها ما أعطته إياه, و أرضى ضميره تجاه عمه صاحب المحل لأنه لم يقبل بهذه المهمه الخبيثه. أحمد دائما يقول لم يعد هناك ضمير و كل الأشياء تتعطل سريعا حتى البشر في الصباح كانت تقف أمامه حزينه, و باكيه و منفعله و كل مالم يتوقع أن يسببه فقط مجرد كاتل خربان لم يعمل فقط خلال ساعات نوم البشر و يقظة رولا. كان أحمد مصرا قبل لقائها أن ينهرها, و يخبرها كيف تظنين أنى اخون الأمانه ؟ أعيديه من حيث إشتريتيه. عندما وقفت أمامه تكاد تبكى لأنه خرب ليلتها و ليلة أمها معها, منتفخة العين ( هل كانت تبكي؟) إضطرب أحمد و دقق كثيرا فى الكاتل فهو لم يعد يفهم أى نوع من ألأفيون تصنعه هذه الفتاة فى هذا الجهاز ,و لم يتمكن من ملاحقة كلماتها و أنه لولا غشه لها لذهبت هي ليلا إلى المحل الآخر مع إنه بعيد جدا , وحتى لو وجدته مغلق كان يمكنها إيجاد أي حل سريع للمشكله مثل, إستعارة كاتل من الأقارب أو الجيران الخ, أخيرا قالت أو حتى اشتريت كاتل جديد منك.
: أنت لا تفهم لقد أفسدت على ليلتي, كما أن أمي لم تنم الليل بطوله بسببي
قبل أن تكمل جملتها, كانت يد أحمد تكاد تتجه ليحضر كاتلا جديدا يعمل ليهديه لها, و ما أن قالت ليلتي حتى تشنج عقله ( عن أى ليله تتحدث هذه الفتاه؟؟) و تطاول خياله على مزاجه الدينى لها ساقان يمكنها فعل أشياء أفضل بكثير من أن تؤرجحهما فى الشرفة أو أن تضعهما ساقا على ساق أمام الماره كل مساء.
لم يكن هناك المزيد من المال واقعيا لتشتري كاتلا جديدا مهما كان رخيصا, فقد كانت تكذب فها هو سي عمر يقنع صاحب المحل أن يهبها سلفه لتشتري اللاب توب على أن لا تتقاضى راتبها و تكتفي بالبقشيش حتى تسد السلفه, و وعدته هي بالمقابل أن تنشئ للمحل صفحه على الفيس بوك , و أن تضع بها صورا كثيره و كومنتات كثيره تجذب الناس للمحل رغم أنها هى نفسها حتى الحين لم تكن ت

التعليقات