الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

محمود سعد دياب يكتب: سد راغون.. بين فوائد اقتصادية طاجيكية وتحديات واعتراضات أوزبكية


تعاني الدول الحبيسة مثل دولة طاجيكستان التي تقع في وسط آسيا؛ من عدم وجود فرص كبيرة لإحداث التنمية الاقتصادية ومن ثم تحقيق الرفاهية للمواطنين ورفع مستوى التعليم والصحة بما يرفع من شأن الدولة كلها مثلما حدث في عدة دول مثل البرازيل من إحداث نقلة في حياة المواطن ورفع لمستوى معيشته وتعليمه والخدمات الصحية المقدمة له، وسبب المعاناة أن الدولة الحبيسة التي لا تطل على منفذ بحري لا تتمكن من زيادة نسبة صادراتها نظرًا لزيادة تكلفة النقل عن طريق البر أو الجو فضلا عن اضطرارها إلى تأجير أراضي الغير، لكي تمر بضائعها لأقرب منفذ بحري مثل أذربيجان والعراق اللتان تمدان خطوط النفط إلى موانئ التصدير بالبحر المتوسط عبر تركيا وسوريا والأردن وإسرائيل، وذلك في ظل غياب طريق الحرير القديم الذي كان يربط دول جنوب شرق أسيا بشمال إفريقيا وأوروبا.
بيت القصيد أن دولة طاجيكستان إحدى الدول الحبيسة فكرت في حلول أخرى لكي تستطيع بها تحقيق عائد اقتصادي قوي، خصوصًا وأنها دولة جبلية بنسبة 93% ولا تستفيد إلا من 9% من مياه الأمطار والأنهار التي تسيل منها إلى دول المصب المجاورة، وذلك بإقامة سد راغون على نهر جيحون كما هو معروف عند العرب أو أمودريا كما هو معروف عند الطاجيك ويقع بالمنطقة التي فتحها العرب في صدر الإسلام وأسموها بلاد ماوراء النهر، وذلك بهدف توليد الكهرباء وتصديرها فضلا عن تنظيم مرور المياه إلى دول المصب لتكون بشكل دائم بدلا من كونها بشكل موسمي مثلما هو الحال عليه حاليًا.
فكرة بناء السد بدأت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي حيث بدأت مناقشات مستمرة بين الدول المنتجة للطاقة الكهرومائية والدول المستفيدة من المياه في آسيا الوسطى، فدول المصب مثل كازاخستان، تركمانستان، وأوزبكستان تستخدم المياه لأهداف زراعية على عكس دول المنبع المتمثلة فى تاجيكستان وقرغيزستان تستخدم المياه في توليد الطاقة الكهربائية، وقد شهدت الأيام الماضية اتفاق بين دول المنبع ودول المصب بتبادل المياه لأهداف زراعية في فصل الصيف بالطاقة الكهربائية لفصل الشتاء.
وأكدت صوله أحمد كليوفا الباحثة الكازاخية في شؤون أسيا وأوروبا، وهي من إحدى دول المصب الغنية بموارد الطاقة أن بلادها تعمل على رفع أسعار الطاقة بمختلف أنواعها في المنطقة الا أنه وفي عهد السوفيت كان المنبع يوفر الكهرباء للمصب مجانا كتبادل المياه والطاقة بين تلك الدول، أما اليوم فإن العلاقات بين دول المنبع ودول المصب تتأزم فيما يتعلق بالاستفادة من المياه لأهداف زراعية وتوليد الطاقة الكهربائية على حد سواء. وبالتالي ينشأ سوء التفاهم بينهم بخصوص بناء هذا النوع من السدود الضخمة مثل مشروع سد راغون بجمهورية تاجيكستان.
شهادة صوله أحمد كليوفا الباحثة من كازاخستان مهمة للغاية حيث أكدت أن دول المنبع مثل جمهورية طاجيكستان تواجه نقصا كبيرا في الطاقة الكهربائية، ففي سنة 2014م كان الشعب الطاجيكي يواجه نقصا في الطاقة بنسبة 70%، كمثال لهذه الأزمة فإن المناطق البعيدة عن المناطق المركزية بالجمهورية تواجه نقصا بأكثر من 2.2 – 2.5 مليار كيلووات في الساعة، وأن هذه الأزمة تزداد سوءا وعلى وجه الخصوص بعد إلغاء الاتفاقية في سنة 2009م بين دول المنطقة التي كانت بموجبها تصدر جمهورية تاجيكستان الطاقة لدول الجوار في فصل الصيف وتستوردها فى الشتاء وبعد إلغاء تلك الاتفاقية انشقت تاجيكستان عن النظام الموحد للطاقة بين دول آسيا الوسطى .
وقالت إنه لذلك بدأت تاجيكستان في البحث عن حلول لهذه الأزمة، والحقيقة أن الذخائر المائية ضمن نطاق حدود جمهورية تاجيكستان تمثل 4% من مياه العالم و53% في آسيا الوسطى، وتقدر حصة الطاقة الكهرومائية لتاجيكستان نحو527 مليار كيلووات في الساعة، وحاليا تتم الاستفادة نحو 4% فقط من هذه الحصة. وتمثل إحدى الطرق الناجحة للخروج من هذه الأزمة في تاجيكستان هي بناء سد راغون الكهرومائي. ويرى رئيس جمهورية تاجيكستان إمام علي رحمان أن إنشاء سد راغون يمكنه حل هذه الازمة بالجمهورية.
وبإكتمال بناء السد سوف يكون من أعلى سدود العالم حيث يقدر ارتفاعه بـ335 مترا ومساحته بمقدار13 كلم مكعب، وتقدر قدرته الإنتاجية بنحو 3600 ميجاوات في العام و13.1 مليار كيلووات للعام.
وقد خططت القيادة السياسية لجمهورية تاجيكستان بقيادة الرئيس إمام علي رحمان لمشروع سد راغون الكبير بعناية كبيرة خصوصًا وأن المشروع يُخرجها من أزمة نقص الطاقة الكهربائية، وهو بالمناسبة فكرة قديمة حيث كانت أول مرة يتم اقتراح بناء سد راغون سنة 1959م في عهد الاتحاد السوفيتي وبدأ بناءه في عام 1976م ولكن بتفكك الاتحاد السوفيتي توقف البناء، وبعد ذلك عادت الدولة لاستكماله وفُسِخت اتفاقية تقسيم المياه التي تم التوقيع عليها بين دول المنطقة سنة 1992م.
ولكن بسبب الحرب الأهلية في تاجيكستان والتى استمرت حتى 1997م توقف العمل في هذا المشروع، وبعد انتهاء الحرب الأهلية لم يبدأ العمل في المشروع إلا عام 2000م وذلك لأسباب اقتصادية تتمثل فى خسائر الحرب الأهلية بتاجيكستان.
وبحلول عام 2000م ، بدأ البحث عن مستثمرين دوليين لإعادة المشروع للحياة مجددا واستمرت المباحثات مع روسيا حول بناء سد راغون، واستكمل العمل في المشروع مع بداية عام 2008م، وتم إعادة ترميم قنوات سد نهر وخش سنة 2010م، على الرغم من كل ذلك تم وقف العمل في المشروع لانتظار تقييم البنك الدولي للمشروع فى عام 2012م.
واشتدت النزاعات بين تاجيكستان وأوزبكستان حول مشروع سد راغون، وتعقد تاجيكستان آمالا كبيرة في بناء هذا المشروع وتؤكد على الأهمية الاقتصادية له والذى بسببه تتخوف أوزبكستان من خطر انقطاع جريان نهر وخش.
وقد أوضح خبراء دول المصب أن بناء المشروع قد يؤدي إلى نقص كبير في المياه يصل إلى 22% وللجفاف في بعض أنحاء المنطقة، حيث اوضح انه في حالة حدوث كارثة أو حادث فإن 1.5 مليون هكتار من الأراضي وأكثر من 700 مستوطنة في أراضي تاجيكستان، أفغانستان، تركمانستان وأوزبكستان والتى يبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة سيتم غمرها بالمياه، ومع ذلك، يذكر الجانب الطاجيكي أنه إذا تم الاتفاق على أن تكون أوزبكستان راعى المشروع فإنه يمكن التحكم فى الإفراج السنوي للمياه مع التيار.
وترى تاجيكستان أن انضمام أوزبكستان يعطي لها الحق في مراقبة الاستخدام اليومي للمياه لهذا السد، ويشارك البنك الدولي في المناقشات بين تاجيكستان وأوزبكستان, وصمم على إنشاء خمس لجان للتقييم السد ولإجراء بحوث علمية حول هذا المشروع، كما اجتمعت الدول المعنية بالمشروع في يونيو عام 2014م في ألماتَى بِكازاخستان واتفق الخبراء على أن بناء سد راغون ممكن بل وأكدوا أن الأضرار البيئية – الاجتماعية للمشروع ليست كبيرة.
ولازالت أوزبكستان على رأيها بأن بناء السد سيجدد مشاكل كثيرة للمجال الزراعي، وهكذا فإن القضية والكلام على لسان صوله أحمد كليوفا الباحثة الكازاخية في شؤون أسيا وأوروبا، تتطلب دراسات أكثر عمقا حتى يتم التأكد من عدم خطورة المشروع والثقة به وكذلك من تنفيذه تنفيذا مثمرا.
ورغم أن الحكومة الأوزبكية تعارض بناء هذا المشروع، الا أن تاجيكستان ما زالت تسعى سعياً حثيثاً لبناء هذا السد، ويستلزم تخصيص لهذا المشروع من 3 إلى 5 مليارات دولار أمريكي، ولكن تاجيكستان قد لا تتمكن وحدها من الاستثمار فى هذا المشروع، خاصة وأن البنك الدولي يمتنع عن تمويله في الوقت الراهن، ولذا تحتاج حكومة تاجيكستان لمساعدة الدول المجاورة والمنظمات الدولية، ورغم أن تنفيذ هذا المشروع عملية صعبة للغاية في حالة اتمام بناءه الا انه سيصبح من أهم المحطات الكهربائية في المنطقة التي تستطيع تزويد تاجيكستان وكذا دول الجوار كأفغانستان وباكستان بالكهرباء.
في نهاية المقال أود أن أسرد شهادة السفير خسرو ناظري سفير طاجيكستان بالقاهرة والتي خصني بها في حوار حصري منذ عام، على الرابط التالي http://cutt.us/r3fx حيث قال إن هناك مئات الأنهار الصغيرة التي تنبع من قمم الجبال سواء من الأمطار أو من الثلوج التي تذوب في فصل الصيف، ولذلك فإن 60% تقريباً من حجم المياه التي تستفيد منها دول أسيا الوسطى كلها تنبع من الجبال في تاجيكستان ، ولكن استفادتها من تلك المياه لا تتعدى من 8-9 % فقط من الحصة المتفق عليها والبالغة 12%، وأن إنشاء هذه المحطة الكهرومائية من شأنه إحداث توازن لأن أعوام الجفاف تقل فيها الأمطار وهو ما يعود بالإيجاب على دول المصب خصوصًا وأنها سوف تتمكن من توسيع رقعتها الزراعية، بالإضافة إلى زيادة حجم الطاقة اللازمة للمشروعات التنموية.
وأضاف السفير ناظري أن هناك مئات الأنهار الأخرى التي لن تجعل هناك تأثيرًا من تناقص حصة المياه المخصصة لكل دولة من دول المصب من نهري جيحون وسيحون، فضلا عن أن جميع الأنهار تصب في بحر آرال الذي يواجه كارثة بيئية خطيرة بسبب أن إدارة الدولة في العهد السوفيتي وجهت مجاري المياه إلى مزارع القطن الواسعة بدلا من أن تصب في بحر آرال الذي انخفض مستواه إلى الثلث تقريبًا وتحول إلى مساحات شاسعة من الصحراء واختلت المنظومة البيئية وتدمرت الثروة السمكية ونحن نسعى كدول المنطقة لإصلاح الوضع عن طريق إعداد برامج مختلفة ومتطورة لإعادة الوضع كما كان عليه وقد تم مناقشة القضية في المؤتمر أيضًا.
ولفت السفير خسرو ناظري إلى أن راغون ليس هو السد الوحيد بل هناك سد نارك والذي قد تم إنشاؤه في سبعينات القرن الماضي وهو من أعلى السدود على مستوى العالم، وهناك محطات كهرمائية لتوليد الطاقة والتي يقوم عليها الاقتصاد التاجيكي، والتي نقوم بتصديرها إلى دول الجوار و أفغانستان خصوصًا وأن طبيعتنا الجبلية حرمتنا من وجود أبار النفط والغاز الكبيرة التي تتمتع بها دول المصب.
ومع أننا كمصريين قد اكتوينا بنار سد النهضة الإثيوبي الذي يهدد الأجيال المقبلة بالحرمان من المياه، كان لابد أن أساله سؤال مهم وهو: هل وجه شبه بين سد النهضة وسد راغون الذي تنوون إنشاؤه؟، فر علي قائلا: "لا كل منطقة لها ظروفها وليس هناك وجه تشابه خصوصًا وأن سد راغون لن يؤثر على حصة دول المصب من المياه فهناك أنهار أخرى صغيرة غير نهر جيحون ونهر سيحون الذي ينبع من قرغيستان، بالإضافة إلى أن سد راغون سيحدث نوعًا من التوازن في توزيع المياه في حين أن نهر النيل هو نهر واحد فقط وهو مصدر المياه، ويجب على الدول المتشاركة فيه الوصول إلى حلول وسط يستفيد منها الجميع".

التعليقات