الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الاستقلال قميص عثمان أحيانًا..

مقدمة
يحمل المسرح معه دائمًا خصائصه؛ حتي في تلك الدراسات أو الكتابات التي تتناوله، أو تتناول قضاياه وهمومه. فإذا كان الصراع هو جوهر الحبكة التي هي جوهر الدراما المسرحية، فإن الصراع يكون حاضرًا معنا هنا حال دراسة المسرح المستقل، حيث تتصارع عدة قوى/مؤسسات علي أمتلاك أمرًا واحدًا ظاهره المسرح، باطنه "الصوت". ونعني بـ"الصوت"؛ تلك الرسالة أو الفكرة التي يتم توجيهها من قِبل مُرسِل إلي مستقبلين/متلقين سواء كانوا إيجابيين في تلقيهم أم سلبيين.
والمسرح في جوهره يعترف بتعدد الأصوات، لأنه قائم علي الجدل، والتحاور، والتصارع. فبقدر ما يسمح لصوتٍ ما بالظهور ويعطيه مساحةً في الحضور، يسمح للصوت المناقض/المعارض/المعاكس له ويمنحه مساحة أخرى للحضور، ولو لم يفعل المسرح ذلك لما كان مسرحًا، فالتحاور بين الأصوات والتجادل هو روح المسرح، ومادته الخام.
بينما تسعى الدولة ومؤسساتها - حتى في أعتى الأنظمة الديموقراطية - إلي إخضاع الأفراد لهيمنتها، وسلطتها، وقوانينها، يسعى عدد من الأفراد والمؤسسات (غير الحكومية) إلي التخلص من هذه الهيمنة، والسيطرة علي جزء من "الصوت" للترويج لأفكارها ومبادئها التي ليست مماثلة لأفكار وتوجهات الأفراد الحائزين لسلطة الدولة وأدواتها. فالدولة تسعى لإمتلاك "الصوت" والهيمنة عليه بواسطة أجهزتها ومؤسساتها (الحكومية)، باعتبارها كيانًا متميزًا عن السكان الذين تحكمهم؛ فـ"الدولة تعمل بثبات في خدمة مصالح قطاع معين" ، وما "صورة الدولة بوصفها الممثل الحيادي لوظائف المصلحة العامة لا تأتي إلا للتمويه" علي حقيقة الدولة وصورتها السلطوية التي تكون لصالح ولحساب فئة صغيرة تستطيع أن تبذل المال للحصول علي الأصوات عبر الدعاية (البروباجندا)، للهيمنة علي صنع القرار وتحديد مفاهيم الدولة وقيمها باسم الديموقراطية . ولا ينازع الدولة في ذلك إلا أفراد ومؤسسات خارج السلطة (غير حكومية). والمسرح رغم أزماته يُعد حصةً لا يستهان بها من هذا "الصوت" الذي يدور الصراع عليه بين مؤسسات الدولة (الحكومية) وبين الأفراد والمؤسسات غير الحكومية.
لذلك تسعى أجهزة الدولة (الحكومية) في العديد من الدول إلي وضع ضوابط وقيود علي أصوات الأفراد والمؤسسات (غير الحكومية)، عبر القيود الرقابية الإدارية أو الفنية أو الاقتصادية (التمويلية). وأجهزة الدولة الحكومية تسعى عبر هذه القيود والضوابط إلي كبح لجام الأصوات الجامحة - من وجهة نظرها - وذلك موجود حتي في أعرق الديموقراطيات، وتتم ممارسته تحت مسميات مختلفة وصيغ مرنة مثل الأمن العام أو النظام العام.
وترتبط استقلالية "الصوت" في المسرح باستقلالية المال (التمويل)، فهناك ثلاثة أعمدة رئيسية يعتمد عليها المسرح في تقديم منتجه للجمهور؛ وهي:
1. العملية الفنية وجمالياتها.
2. مساحة التشخيص (المساحة الفارغة) .
3. التمويل (المال اللازم للإنتاج الفني).
لا تستطيع الدولة وأجهزتها أن تفرض سيطرتها علي مساحة "الصوت" المخالف لها إلا عبر قدرتها علي السيطرة علي العمودين الثاني والثالث (مساحة التشخيص - التمويل)، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة علي العمود الأول إلا عبر سيطرتها علي عملية تصنيع الشفرة Codification، وخاصة الشفرة الثقافية Cultural Code، حيث تعتمد الدولة وأجهزتها علي "التثبيت الثقافي" لبعض أشكال المسرح البرجوازي.
لذلك؛ فإن علي الأفراد والمؤسسات (غير الحكومية) التي تتبني أفكارًا مغايرة لأفكار ومفاهيم الدولة ومؤسساتها أن تتدبر مساحة للتشخيص (أماكن بديلة للعروض)، وأن تعتمد علي التمويل الذاتي للإنتاج الفني، أما لو أنها خضعت للدولة ومؤسساتها في تدبير مساحة التشخيص أو التمويل، فإنها تخضع لهيمنة الدولة ومرونتها في تقبل الأفكار المناهضة لها، وهناك من الدول من تتقبل بوجود هامش من الصوت المغاير المختلف معها كنوع من التنفيس الشعبي، أو كنوع من الديكور الديموقراطي، أو التزين ظاهريًا بهامش الحرية.

مفهوم الاستقلال
يظهر مفهوم الاستقلال جليًا عبر محورين يستطيع كلاهما السيطرة علي الآخر والاحتيال عليه وترويضه؛ هذين المحورين هما:
1. الصيغة الفنية للعرض؛ فهي التي تهيمن علي موضوع العرض وجمالياته، وهي المختصة بعملية تصنيع الشفرة Codification، سواء كانت تلك الشفرة ثقافية أو درامية أو مسرحية، فالصيغة الفنية وحدها هي القادرة علي تحديد هوية العرض المسرحي في علاقته مع متلقيه (الجمهور). هناك ثلاث طرق رئيسية تتعامل بها الصيغة الفنية مع هذه الشفرات في العروض الأدائية (المسرحية)؛ وهي:
‌أ. أن تحتفظ الصيغة الفنية بالشفرات الثلاثة (الثقافية، الدرامية، المسرحية)، لتقدم عرضًا مسرحيًا تقليدياً؛ وهو الأمر الذي يرتبط بفكرة التثبيت الثقافي وعدم إحداث حراك بواسطة العرض المسرحي مختزلاً قيمته في عملية التسلية والترويح وشغل وقت المشاهدين.
‌ب. أن تتجاوز الصيغة الفنية الشفرات الثلاثة السائدة معًا في مجتمعها وزمانها، لتقدم عرضًا تجريبيًا طليعيًا. ومثل هذه العروض عادةً ما تقلق المؤسسات الثقافية وفرضياتها، لأنها تقدم شفرات معارضة للشفرات السائدة، فتعمل المؤسسات الثقافية الرسمية جاهدةً علي إقصائه، مثل ما فعلت مع عروض المخرج الراحل (منصور محمد).
‌ج. أن لا تتجاوز الصيغة الفنية الشفرة الثقافية بينما قد تتجاوز إحدى الشفرتين الأخيرتين (الدرامية أو المسرحية)؛ فتقدم عرضًا شكلانيًا (يدعي لنفسه شكلاً تجريبيًا دون أن يكون كذلك).
والصيغة الفنية تخضع غالبًا لشروط الصيغة الانتاجية التي لها من القدرة الكبيرة علي الهيمنة والتحكم في اختيار الموضوع وترويضه عبر أساليب مختلفة وطابور طويل من الفنانين الموتمأسسين (الذين خضعوا لمؤسسة الدولة الثقافية وصاروا يفرضون/يتبنون سياساتها ورؤيتها)، غير أن هناك عدد غير قليل من العروض المسرحية استطاعت أن تحتال علي الصيغة الإنتاجية بأساليب فنية، أو استفادت من هامش الحرية الذي تحاول مؤسسة الدولة الثقافية أن تظهر به، لتقدم عروضًا مسرحية عبر تمويل مؤسسات الدولة الثقافية (بعض عروض فرق الأقاليم - بعض عروض نوادي المسرح - بعض عروض الجامعات - بعض عروض البيت الفني للمسرح) وقد ازداد عدد تلك العروض التي استطاعت التي تحررت من هيمنة الصيغة الإنتاجية وشروطها المؤسساتية بعد ثورة الخامس والعشرون من يناير 2011م، حتى رأينا الهيئة العامة لقصور الثقافة تخصص مهرجانًا في ربيع 2011م تحت مسمى "حكايات التحرير" لتقديم عروض فرق مستقلة تم تدشينها في أيام الاعتصام الكبير (28 يناير - 11 فبراير 2011م)، ثم تدشن قطاعًا إنتاجيًا (لم يستمر) تحت مسمى "مسرح الثورة"، وتقيم له مهرجانًا في وسط القاهرة محتفيتةً به.
2. الصيغة الإنتاجية للعرض؛ وهي مجموعة من الأنماط الإنتاجية التي تنشأها الدولة عبر مؤسساتها وتضع علي رأس أجهزتها عددًا من المثقفين والفنانين الموتمأسسين الذين تستطيع عبرهم/بواسطتهم وعبر مجموعة من اللوائح المنظمة للإنتاج بها أن تتحكم في "بوابات النور" للعروض المسرحية، فتسمح لهذا وتفتح له المسارح، وتثبط هذا وتعيقه حتى يذهب بعيدًا عنها. ودائمًا كان هناك من الفنانين من يستطيع النفاذ من هذه الأجهزة ورجالها، بالمراوغة الفنية (مثل: اللجوء إلي نصوص المسرح العالمي، المقولات الإنسانية العامة، استخدام الإسقاط والرمزية، استغلال السينوغرافيا وتطويعها، الميتاتياتر ولعبة تبادل الأدوار؛ وغيرها من الحيل الفنية) والقدرة علي تمرير مشاريعهم المسرحية للنور "عبور البوابة"، فظهر عدد قليل منها علي مسارح مؤسسات الدولة المختلفة قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، وحصل عدد كبير منها علي مساحات كبيرة من النور بعد يناير 2011م، لكن الأمور أخذت في التراجع بعد ذلك بالتدريج.
إن مقارنة بسيطة بين بنود المصروفات الإنتاجية لمسرح المستقلين وبنود المصروفات الإنتاجية لنوادي المسرح ليكشف لنا أن المشكلة تكمن في الصيغة الإنتاجية لا الصيغة الفنية، البنود الرئيسية للصرف في حال الحصول علي دعم من خلال شراء العروض في مواسم المستقلين، أو الجهات المانحة من المؤسسات الثقافية الأجنبية، يكون موجهًا لفئة الأجور (الممثلين والفنيين والمخرج) دون الإنتاج المباشر للعرض، بينما في عروض نوادي المسرح نجد أنه لا توجد أجور لأي فنان أو ممثل أو مخرج علي الإطلاق منذ تأسيس نوادي المسرح سنة 1990 وحتى تاريخ كتابة هذه الدراسة، باستثناء موسم واحد (موسم 2003/2004م) حيث كان مقررًا حصول الفرد علي مبلغ (75 جنيه) عن كامل مشاركته في العرض (بروفات وعروض) بحد أقصى عشرة فنانين عن كل عرض، وتم توجيه هذه المبالغ للإنتاج (الملابس والديكور) حيث أن ميزانية عرض نوادي المسرح كانت ألف جنيه فقط، ثم تم زيادتها إلي ألف وخمسمائة جنيه منذ سنوات قليلة، وهي لا تكفي عادةً ويتم تمويل العرض إنتاجيًا بالجهود الذاتية للمخرج والفنانين المشاركين في العرض الذي لا يحصلون علي أي أجور علي مدار 25 عامًا (25 موسم) بلغ عدد العروض المنتجة في آخرها (الموسم 24: 2014/2015م) 119 عرضًا ، في حين تتجاوز ميزانية الدعم لبعض العروض المستقل مبلغ العشرة آلاف، تنفق في مجملها علي الأجور. ولك أن تتذكر أنه في أحد مواسم المستقلين قُدِّمَ عرضًا مسرحيًا؛ تم شراء ليالي عرضه مثل غيره في هذه الدورة (صيغة إنتاجية مبتكرة لتقديم الدعم للفرق المستقلة)؛ بواسطة اثنين من المؤديين وكان عبارة عن قراءة مسرحية يقوم بها المؤديين علي مائدة!! العرض بالطبع أعيد تقديمه مرة أخرى بدعم آخر، لكن في هيئة عرض مسرحي لا قراءة مسرحية حاصلة علي دعم إنتاجي تجاوز العشرة آلف جنيه وقتها. هذه المقارنة بين البنود الإنتاجية لعروض المسرح المستقل وبين البنود الإنتاجية لعروض نوادي المسرح، لتكشف حقيقة "قميص عثمان"!!
ويظل مفهوم الاستقلال عالقًا في أذهان الكثيرين بين ما هو فني وما هو إنتاجي، ويبدو جليًا أنه إنتاجي أكثر مما هو فني. فحصول الاستقلال الإنتاجي يضمن بكل تأكيد الإستقلال الفني، سواء حرص العرض المسرحي علي مواكبة السائد وعدم مخالفة الشفرة الثقافية، أم سعى العرض المسرحي لتجاوز الشفرات السائدة باحثًا لنفسه عن شفرات جديدة يعيد تخليقها وفقًا لتفاعله مع واقعه وأدواته ورؤاه.
أما الاستقلال الفني فضمانته الوحيدة؛ هي ثبات الفنان علي التمسك بحرية أفكاره، وتمسكه بتحليق أحلامه بعيدًا لصالح ما هو أفضل لمجتمعه وبلاده وإنسانيته. فالبعد عن مؤسسات الدولة هو ضمانة الأساسية لمفهوم الاستقلال، ولن يتحقق الاستقلال الفني إلا بتحقق الاستقلال الإنتاجي.
كيف يستقل "الصوت" إذا كان تابعًا بصيغة مالية لمؤسسات الدولة؟! كيف له أن ينطلق ويتحرر؟!
إن "المستقل" كما تشير معاجم اللغة؛ هو ذلك الشخص مطلق الحرية والغير مقيد بأي قيد علي الاطلاق. فمفهوم الاستقلال يرتبط بأن تكون للذات إرادة كاملة بالتصرف، أو الرأي، أو اتخاذ القرار دون أن تكون تحت تأثير أو ضغط. فكيف يمكن تقييد هذه الحرية المطلق بقيد الإنتاج المالي في حالة المسرح المستقل، ثم ندعي استقلاله وهو خاضع لشروط المنتج باعتباره المانح؟!

مفهوم المستقلين لاستقلال المسرح
عندما بزغ المسرح المستقل في الأرجنتين في بدايات القرن العشرين، كانت الأهداف الفنية هي التي تحرك الفنانين المستقلين هنالك وتصوغ رؤاهم، لا البحث عن مكان بالمتن الثقافي عبر إعادة الإتصاق بمؤسسات الدولة الثقافية، فقد انطلاق استقلال الفنانين المسرحين في الارجنتين إنتاجيًا مدعومًا رؤى فنية بعيدة تمامًا عن المسائل المالية؛ فقد كانت من أبرز أهداف أول فرقة مستقلة في الارجنتين :
1. الاسهام في تجديد المسرح الارجنتيني.
2. حث الكُتاب علي إعداد نصوص مبتكرة.
3. تدريب الأفراد علي العمل في المسرح بوصفهم ممثلين وفنيين في وقت واحد.
4. الخروج بالمسرح من نظاق الصفوة إلي عامة الناس.
5. تشكيل وعي مسرحي جديد في الارجنتين.
كما أن أهم ما كان يميز فرقة مستقلة؛ مثل فرقة "باليتا"؛ أنها سعت إلي خلق فرقة مسرحية وليس مجرد تقديم مسرح. مما يظهر لنا أن مشروع الاستقلال في أذهان الفنانين الأرجنتينيين كان مشروعًا تنمويًا ثقافيًا وفنيًا، لا مجرد البحث عن جهة تمويلية إنتاج عرض مسرحي هنا أو هناك.
بينما دأب عدد كبير ممن يصفون أنفسهم بأنهم فنانون مستقلون مصريون علي المطالبة بحصة إنتاجية من ميزانية الدولة، حيث يتبنون دائمًا خطابًا يقتصر مفهوم "الاستقلال" في ظاهره علي الاستقلال الفني دون الاستقلال الإنتاجي، وكأن الشقين (الفني، والإنتاجي) غير متماسين، أو أنهما منعزلين تمامًا، في حين أنهم لم يقدموا علي مدار خمسة وعشرين عامًا ما يميزهم علي الساحة الفنية المسرحية، ولم يخلقوا تيارًا فنيًا واضحًا بأستثناء بعض الحالات المسرحية المتوهجة التي كانت تظهر بين الحين والآخر في بعض عروضهم خلال الخمسة والعشرين عامًا الماضية. علي العكس تمامًا سنجد أن حركة مثل نوادي المسرح التي جمعت شباب المسرحيين الهواة في ربوع مصر شمالا وجنوبًا، استطاعت - رغم ابتعادها عن مسارها الذي خط لها في تأسيسها؛ ورغم انتكاساتها المتتالية - أن تميز نفسها فنيًا بمجموعة من السمات الفنية والخصائص الجمالية يمكن للمرء أن يجملها، أو أن يفصل فيها الحديث تفصيلاً. لكن من يتسمون بالمستقيلن شغلوا أنفسهم عبر تاريخهم بالبحث عن مصادر التمويل الإنتاجية دون السعى في تأسيس تيار فني مسرحي له سماته وخصائصه الجمالية.
وفيما يلي عرض لتصورات بعض الفنانين المستقلين عن مفهوم الاستقلال..
المخرج (محمد عبد الفتاح)؛ يرى أن الاستقلال هو حرية اختيار الفكرة والموضوع وأسلوب العرض . وكذلك تؤكد الكاتبة (رشا عبد المنعم) علي أن الاستقلال صيغة فنية أولاً، يلزمها بالضرورة صيغة إنتاجية . وهو نفس الترتيب الذي أكدته الناقدة (هدى وصفي)؛ التي ترى أن مفهوم الاستقلال يعني في المقام الأول حرية اختيار الموضوع وحرية اختيار الأسلوب الفني، وعلى قدر مساحة حرية الإبداع التي تتمتع بها هذه الفرق يأتي الاستقلال، ومن ثم يأتي الاستقلال المادي .
ورغم تأكيد (رشا عبد المنعم) علي تقديم مفهوم الاستقلال تحت تصور استقلال الصيغة الفنية، فإنها في إحدى تصريحاتها الصحفية، تكشف عن أن المفهوم الأقرب لفكرة الاستقلال هو الاستقلال المالي لا الاستقلال الفني؛ فالمسرح المستقل "صيغة إنتاجية" ، وأن "الفرقة المستقلة هى الفرقة التى تمتلك أدواتها بما يؤهلها للضلوع بدورها" .

من هم المستقلون؟
المستقلون هم مجموعة من الفنانين المهمشين؛ أو الذين يعانون من التهميش؛ حال الكثير من المثقفين المصريين؛ حيث يوجد موقعهم خارج (علي هامش) مؤسسات الدولة الثقافية؛ ويفترض أنهم يقومون بإنتاج عروض مسرحية عبر التمويل الذاتي لمجموعات/كيانات مسرحية صغيرة لا تهدف إلي الربح المادي بقدر ما تهدف إلي إحداث تغير في الوعي العام لمحيطها الاجتماعي، عبر التعبير عن رؤاها الفنية الخاصة بعيدًا عن الإطر الفنية التقليدية أو السائدة.
فالاستقلال الفني حالة تجمع بين ما هو فني وفكري ومالي؛ بمعني أن الفنان المستقل لديه أطر ومعايير فنية وجمالية يعمل من خلالها ليست علي وفاق تام مع الأطر والمرجعيات الفنية السائدة في مجتمعها، كما أن لدي الفنان المستقل إيمان بالدور "الرسالي" الخاص بالمثقف العضوي الذي يعمل من أجل الجماعة البشرية التي ينتمي إليها ويعمل علي تنميتها ثقافيًا. وهذا الفنان المستقل غير مقيد بأي قيود مؤسساتية سواء كانت إدارية تنظيمية (ترتب تواجده والجماهير التي يتعامل معها)، أو مالية/إنتاجية تعمل علي تمويل نشاطه. فحالة الاستقلال المثالية، هي مزيج بين ما هو فني وفكري ومالي، ولا يمكن فصل أو ترتيب أي من مكونات هذا المزيج الذي يكون الفنان المستقل، كما يفعل بعض من يتسمون بالمستقلين ويقدمون أجزاء من المزيج ويؤخرون أجزاء، فكما أننا في المسرح يصعب علينا فصل الحبكة عن الشخصية (إلا في الجانب الإجرائي التحليلي النظري) فإنه لا يمكننا فصل ما هو فني عما هو فكري وعما هو مالي.
وترى المخرجة (عبير علي) أن الفنانين المسرحيين ينقسمون إلي نوعين؛ هما :
1. النوع الأول: قائم علي مشروع فني وفكري ينظر إليه فرد يكون غالبًا المخرج ويبدأ بالانضمام إليه كل من يلتقي مع مشروعه النظري، وعبر الرحلة يسقط البعض أو بحكم تغيير المسار، وينمو، ويستمر الآخرون، لكن يبقي في النهاية أن ما وصل إليه المشروع الفني للفرقة، وما وصلت إليه من نحو هو نتاج الجدل بين من مروا بالفرقة عبر رحلتها وبين المشروع الأول، وهنا تكون الفرقة مشروعًا فنيًا وضعه فرد في نمو دائم، يتغير الأفراد دائمًا ويستمر المشروع ومؤسسه وبعض من يلتقي فكريًا مع مشروع الفرقة.
2. النوع الثاني: هو مجموعة من المبدعين ممثلين ومخرجين ومؤلفين يتفقون علي تكوين فرقة مسرحية وهنا تكون الفرقة هي المشروع الأساسي وتقدم عروضها عبر أكثر من مخرج من أفراد الفريق.
ليس هناك فارقًا جوهريًا بين النوعين سوى أن الأول نما حول فكرة فرد، بينما نما الثاني حول إلتقاء فكري بين أفراد لتقديم عمل مسرحي، فالنوعين في النهاية يتطلعان إلي أن الفرقة هي المشروع، ليس ثمة فوارق منهجية في أسلوب تنمية الفرقة أو عملها أو إدارتها.
وأخيرًا؛ فقد صاغت اللجنة التأسيسية التي تكونت من المسرحيين المستقلين الذين شاركوا في مؤتمر "عشرون عامًا من المسرح المستقل" في أغسطس 2010م، أو من المشاركين في المائدة المستديرة التي عقدت ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في عام 2008م، تعريفًا إجرائيًا للفرق المستقلة بهدم الحصول علي دعم وزارة الثقافة، معرفةً إياها بأنها: "جماعة ذات تنظيم ومستمرة في العمل لأكثر من 3 سنوات ولا يقل عدد أعضائها عن ثلاثة ولا تهدف للربح وتقدم خدمة ثقافية وأن تكون كيانات فنية مدنية مستقلة لا تتبع أي مؤسسة مسرحية رسمية أو قطاع خاص أو إحدي مؤسسات المجتمع المدني، وأيضًا كيانات محترفة تحمل مشروعًا فنيًا أو فكريًا أو تقنيًا خاصًا يميزها عن غيرها ويحصل أعضاؤها علي أجور مقابل عملهم الفني باعتبارهم محترفين وعملهم الأساسي هو الفن، وأن تكون الفرق مستمرة في العمل علي مشروعها بالبحث والتدريب، أو العروض، وفي حالة توقفها لأكثر من عامين تعتبر غير مفعلة إلي أن تعود للعمل لمدة لا تقل عن عام كامل" .

تاريخ المستقلين
حمل الظرف التاريخ الخاص بغزو العراق لدولة الكويت سنة 1990م، نقطة محورية في تاريخ المسرح المصري، ففي نفس العام انطلقت الدورة الأولي لمهرجان نوادي المسرح، وكذلك بدأت مجموعة من الكيانات المسرحية تتجمع في مهرجان المسرح الحر (بديل إلغاء دورة مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي) كمحاولة لتقديم شيء مختلف علي هامش الحياة المسرحية الراكدة في مصر في تلك الفترة، وبتتابع الأيام والسنوات أخذت بعض هذه الفرق يشتد عودها ويظهر لها ملامح خاصة، ويتزايد أعدادها، ويخفق بعضها، ويتوقف عن العمل تمامًا.
لقد "ولد هذا المسرح المستقل في بداية الثمانينات، وبدأ يستثمر فراغات جديدة دفعت برؤى وأشكال جديدة، قامت بدورها بخلق المسرح المستقل - مسرح اضطر - منذ نشأته - إلى البحث عن أفكار وأشكال جديدة من أجل تأكيد ذاته وإضفاء مشروعية لوجوده. إن روح البحث عما لم يتطرق إليه الآخرون قد أوجد مسرحًا جديدًا، شابًا ومتنوعًا، على مستوى الأسلوب و الفكر على حد سواء" ، ونضيف أنه كان بكرًا طازجًا، لكنه أخذ مع تطور تجاربه يفتقد بكارته وطزاجته لإعتماده علي ما سبق وان أختبره دون أن يتجاوزه إلا بالقليل وفي تجارب قليلة تقدمها إحدى هذه الفرق المستقلة كطفرة فنية في عرض أو آخر، وغالبًا ما تكون هذه الطفرة الفنية نتيجة لدماء فنية جدية مؤثرة تم ضمها للفريق وأثرت في أسلوب ومنهجية عمله.
كان في هذه البدايات فرقة "الورشة" دشنت 1987م، وفرقة "الحركة" دشنت 1989م، وفرقة "المسحراتي" دشنت 1989م، وفرقة "المسرح البديل" دشنت 1990م بالأسكندرية، ثم فرقة "القافلة"، ثم لحقت بها فرق أخرى مثل: "آتيليه المسرح"، و"شوشة"، و"لاموزيكا"، و"الغجر"، و"الشظية والاقتراب"، و"المعبد"، و"تياترو"، وغيرها من الفرق المستقلة التي يُقدر أن عددها الآن يتجاوز المئة فرقة في أنحاء مصر المحروسة.
غير أن السمة الرئيسة التي كانت ولا زلت تسم هذه الفرق، هي تمحور هذه الفرق علي شخصية أحد المخرجين ، وتسير الفرقة وفقًا لتوجهات وطموحات هذا المخرج الفرد، فمثلاً، ترتبط فرقة "الرورشة" بالمخرج (حسن الجرتلي)، وترتبط فرقة "المسحراتي" بالمخرجة (عبير علي)، وفرقة "لاموزيكا" بالمخرجة (نورا أمين)، وفرقة "المسرح البديل" بالكاتب والمخرج (محمود أبو دومة)، وفرقة "القافلة" بالمخرجة (عفت يحيي)، وفرقة "شوشة" بالفنان (حمادة شوشة)....
وفي نهاية القرن العشرين، وافق وزير الثقافة المصري (فاروق حسني) علي تقديم عدة منح لدعم اثنتى عشرة فرقة من هذه الفرقة المستقلة تحت ضغط من بعض المثقفين النافذين، وفي محاولة من الوزارة - وفق نهجها/سياساتها - تدجين/ضم هؤلاء المهمشين من المستقلين إلي حظيرتها، وقد تجاوز عدد الفرق المسرحية المستقلة (المشتاقة للدعم) التي تقدمت لهذه المنح المعلن عنها الثمانين فرقة . غير أن البيروقراطية المؤسساتية كان لها دورها الرائد في حرمان الفرق المستقلة من هذا الفرصة (المنح) التي أعلن عنها ولم تنفذ، وكان كاتب هذه السطور أحد المتقدمين لها بفرقته التي كانت وقتها في طور التأسيس.
لكن لم يعدم المسرح المستقل ملاذًا؛ فسرعان ما فتحت الأم الحنون (هدى وصفي) مركز الهناجر ليحتضن الفرق المستقلة لفترة طويلة من الزمن، ودعمت عدد كبير من الفرق المستقلة والفنانين المستقلين، مما دفع البعض إلي ان يطلق عليها لقب "الأم الروحية" للفرق المستقلة والمستقلين.
وقبل إندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م، توصل كبار الناشطين من الفنانين المستقلين (الذين يُطلق عليهم البعض: العشرة المبشرين بالدعم) إلي تكوين ما يسمي باللجنة التأسيسية من المسرحيين المستقلين الذين شاركوا في مؤتمر "عشرون عامًا من المسرح المستقل" في أغسطس 2010م، أو من المشاركين في المائدة المستديرة التي عقدت ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في عام 2008م.وقاموا بصياغة لائحة تنفيذية للحصول علي دعم من مؤسسات الدولة الثقافية ممثلة في وزارة الثقافة، وقاموا بتوزيع الحصص بتميز حسب الأقدمية والأسبقية والقرب من الناشطين الكبار، وقد تم تنفيذ الموسمين الفنيين المستقلين بهذه اللائحة التراتبية للفرق وبسيطرة كبارهم علي التنفيذ والصرف.
ولقد نجحوا - بالفعل - في تأسيس صندوق لدعم المسرح المستقل يكون بمثابة كيان فني غير هادف للربح ويعتمد في تمويله الأساسي علي دعم سنوي من وزارة الثقافة المصرية مع إمكانية قبول الدعم من جهات آخري معروفة المصدر مع الاعلان عنها بشفافية مطلقة، ويتكون الصندوق من جمعية عمومية تضم 80% من أعضاء الفرق، و20% من النقاد والكتاب والمثقفين المهتمين بالمسرح، غير أن كبار الناشطين من الفنانين المستقلين (العشرة المبشرون بالدعم) هيمنوا علي هذه اللجنة وعلي تشكيل الصندوق، وقد صدر قرار تشكيل "وحدة دعم الفرق المسرحية المستقلة" بخمسة منهم بالإضافة إلي ناقدين جليلين، وأربعة من كبار موظفي مؤسسات الدولة الثقافية بحكم مناصبهم.
كما سعى بعض المستقلين - بالتوازي - إلي تأسيس جمعية ثقافية ككيان قانوني يمكن تلقي الدعم عليه سواء من مؤسسات الدولة الثقافية أو من الجهات المانحة للدعم من المنظمات الأجنبية التي بدأت تنشط في دعم الثقافة والفنون كجزء من نشاطها الداعم للمنظمات غير الحكومية في مصر وعدد من بلدان الشرق الأوسط؛ متزامنًا مع ثورات الربيع العربي.
حملت الكيان القانوني الجديد اسم "الجمعية المصرية لتنمية المسرح المستقل" ؛ وكان من أهدافها المعلن عنها؛ كالتالي:
1. تأصيل الفن المسرحي الراقي المنتمي للأمة الذي يعبر عن ذاتيتها، والعمل على خلق النموذج المسرحي الذي يحمل سمات ومواصفات ومزايا الشخصية العربية الأصيلة في إيجابياتها من أجل تطويرها وذلك بشكل مدروس وممنهج.
2. المساهمة في خلق وعي مصري وعربي جديد من خلال الدور التنويري المنطلق من قيمنا.
3. مد جسور التواصل مع الحركة المسرحية العربية للمساهمة في تركيز وتأصبيل خصوصية الثقافة والحضارة العربية بملامحها الإنسانية التنويرية .
4. التوجه بالنشاط المسرحي إلى الأقاليم المصرية، وتغيير الصورة النمطية عن ارتباط المسرح والفنون بالقاهرة دون غيرها من المدن المصرية.
5. رعاية الفرق المسرحية المستقلة لشباب الهوة ودعمها، وإقامة المسابقات والمهرجانات لتبادل الخبرات.
6. إقامة دورات الارتقاء بالفن المسرحي من خلال ورش متخصصة للارتقاء بالمسرحيين الشباب وتطويرهم.

حراس البوابة:
في لقاء دعا إليه وزير الثقافة الأسبق (عماد أبو غازي) - في بداية توليه حقيبة وزارة الثقافة المصرية في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011م - في شهر مارس 2011م؛ وحضره لفيف من المسرحيين من تيارات شتى وتوجهات مختلفة، وبعض العاملين في قطاعات المسرح التابعة لوزارة الثقافة، حاول أحد كبار الناشطين من الفنانين المستقلين (العشرة المبشرون بالدعم)؛ والذي ستجده حاضرًا ومهيمنًا علي عدة أدوار في حركة المسرحيين المستقلين: "مؤسسة شباب الفنانين المستقلين" مهرجان السينما الأفريقية بالأقصر، إدارة موسم المستقلين الثاني والثالث، مخرج عروض في بعض موسم المستقلين، مؤسس فرقة، وغيرها من الأدوار؛ حاول أن يقوم بدور المنظم لإدارة حوار الوزير (عماد أبو غازي) مع جموع المسرحين في ذلك الإجتماع، وكان يستغل فترات إنتقال الميكروفون من متحدث إلي آخر ليطرح وجهة نظره أو يعقب علي هذا المتحدث أو ذاك، مما دفع العديد من الشباب الحاضرين إلي رفض وجود هذا الدور الذي يحاول توجيه الحوار بين المسرحيين والوزير إلي إتجاهات معينة دون غيرها.
هذا المشهد [لقاء وزير الثقافة مع المسرحيين، ومحاولة أحد كبار الناشطين من الفنانين المستقلين (أحد العشرة المبشرون بالدعم) التوسط بإدارة الحوار بين الوزير والمسرحيين الحضور] يلخص لنا الدور المأمول الذي يسعى كبار الناشطين من الفنانين المستقلين (العشرة المبشرون بالدعم) إلي القيام به في علاقة المستقيلن بمؤسسات الدولة الثقافية، وهو دور حراس البوابة، حراس "بوابات النور" أو "بوابات الدعم"، وقد نجحوا بالفعل في الوصول إلي هذا الدور رسميًا وعبر منافذ عدة كان آخرها وحدة دعم المسرح المستقل.

ظواهر فنية ارتبطت بالمسرح المستقل
لا تخلو أي ظاهرة مسرحية من مجموعة من السمات الفنية والجمالية التي ترتبط بخطابها المسرحي يتراكم بعضها ويتطور، ويذهب بعضها ويخبو، لكن يجب التأكيد علي أن مجموعة السمات الفنية التي سنقوم بالعرض لها هنا باعتبار تعلقها (ارتباطها) بالمسرح المستقل لا يعني أنها سمات خاصة ينفرد بها المسرح المستقل، لكنها سمات فنية سنجدها في خطابات مسرحية أخرى مجاورة لخطاب المستقلين المسرحي، مثل خطاب عروض نوادي المسرح، وعروض فرق الأقاليم، وعروض البيت الفني للمسرح، وغيرها من الفضاءات المسرحية.
النزعات الأكثر ظهورًا في عروض المسرح المستقل:
1. أشكال جديدة للكتابة المسرحية:
قدمت عروض الفرق المستقلة كُتابًا مسرحيين جدد للساحة المسرحية عبر تجربتها، كما أنها قدمت أشكالاً جديدة للكتابة تتناسب مع الأشكال الفنية التجريبة التي تبنتها بعض عروض المسرح المستقل، مثل بعض عروض فرقة "لاموزيكا". كما وسعت بعض تجارب الكتابة إلي البحث عن مصادر مختلفة للكتابة المسرحية، مثل بعض تجارب فرقة "المسحراتي". كما أن تجارب المسرح المستقل أعتمدت كثيرًا علي الإعداد المسرحي، وبرز مع بعض هذه الفرق شخصية الدراماتورج المسرحي. وعلي الرغم من أن مفهوم الدراماتورج مفهوم ما بعد حداثي ببمفهوم التناص وجمالياته، إلا أن استخدامه في العديد من عروض المسرح المستقل لم يتجاوز حدود التضمين أو الاقتباس النصي وفقًا للمفاهيم الأدبية. فالدراماتورجي يفترض أنه يفتح بعمله الباب علي موضعة شفرات نصية قديمة/سابقة تم إستعارتها أو الإشارة إليها بطريقة أو أخرى (فنية) لفتح علاقات اشتباك بينها وبين الحالة المسرحية الآنية التي يتم تقديمها في العرض الحديث باعتبار أن ما يُقدم هو حالات إنفعالية حديثة تعتمد في جزء من مكوناتها علي شفرات نصية قديمة (أغاني - أجزاء من نصوص مسرحية - أمثال - إستدعاء شخصيات - أساليب تمثيل - تراث - أشعار - ....إلخ). وقد امتاز في هذا الجانب - كـ(دراماتورج) - كل من (عبير علي)، و(نورا أمين). كما أن عروض الفرق المستقلة قدمت نماذج جيدة للكتابة عن طريق "ورشة الكتابة الجماعية" حيث يعمل فريق تحت قيادة المخرج - عادةً - لكتابة/تأليف النص المسرحي، قبل أن ينفرد المخرج بعملية الصياغة النهائية للعرض، حتى صارت عملية التأليف الجماعي هذه منهجًا جديدًا للتأليف المسرحي لعدد كبير من العروض المسرحية في الفترة الأخيرة.
2. المخرج مؤلف العرض:
المخرج المسرحي هو مؤلف العرض المسرحي بصريًا بمشاركة مجموع الفنانين العاملين معه في صناعة العرض المسرحي، وهي صفة بدأت تتأكد للمخرج المسرحي في كثير من عروض الفرق المستقلة وعروض نوادي المسرح، حيث يُقدم المخرج المسرحي نصًا بصريًا مسرحيًا يكاد يكون مستقلاً؛ أو مغايرًا؛ للنص المسرحي الذي اعتمد عليه في تقديم العرض. كما سنجد أن بعض مخرجي الفرق المستقلة مثل (عبير علي)، (نورا أمين) و(عفت يحيي) يعتمدوا علي صياغة (تأليف) العرض بأنفسهم، مع الإشارة إلي مصادر كتابة العرض حيث يكون هناك اعتماد كبير علي تناصات نصية لكتابات مسرحية أو غير مسرحية تكون هي مصادر لكتابة العرض المسرحي. إن صيغة "المخرج مؤلف العرض" تختلف بكل تأكيد عن صيغة التأليف التي تعني النص المسرحي المكتوب الجاهز للتقديم عبر العرض المسرحي. فعبر "المخرج مؤلف العرض" يقوم المخرج بكتابة (تأليف) العرض بصريًا وآدائيًا، حتى ولو كان هناك نصًا كتابيًا سابقًا يتضمن الحوار وبعض الإرشادات/التوجيهات الأدائية. هذه الظاهرة جعت كثيرًا من النقاد يطورون أساليب نقدية جديدة في تناول (مقاربة) العرض نقديًا، بحيث أصبحت الأساليب القديمة التي تنطلق من النص للدخول إلي عالم العرض المسرحي أساليب بالية، فقد مزق "المخرج مؤلف العرض المسرحي" تمامًا صلته بالنص المسرحي في حالات كثيرة، ولم يصبح حتى ما يُقدمه علي خشبة المسرح مجرد معارضة تهكمية مثلاً، فقد تجاوز هذه الحدود بكثير. أحد هذه العروض - مثلاً - يقدم نهاية جديدة لمسرحية (هملت) معتمدًا علي محكمة العالم السفلي الفرعونية. لقد صار العرض المسرحي مع "المخرج مؤلف العرض" حالة مسرحية مغايرة تمامًا للنص، ولم يعد النص المسرحي إلا مجرد تكأة أو شرارة إشتعال لحريق كبير من الألعاب المسرحية والحالات المسرحية المتعددة التي ستجهد أي ناقد - دونما فائدة - إذا حاول تعقب مصادرها النصية الأولي.
3. الحكي:
ارتبطت تقنية الحكي المسرحي بكثير من عروض الفرق المستقلة، مع تمايز الأساليب التي تقدم بها عروض الحكي بين كل من (خيري أبو دومة) و(عبير علي) و(عفت يحيي)، حيث يكون لكل عرض مسرحي شخصيته الفنية المستقلة التابعة لكل فنان من الأمثلة السابقة. ويعد المخرج (حسن الجريتلي) وفرقة "الورشة" من أقدم العاملين علي هذه التقنية بشكل مبكر عن الآخرين. فنجد مثلاً عروض الحكي عند (عبير علي) تعتمد علي مزج الحكي بالغناء، أو مزج الحكي بمجموعة أخرى من الأشكال الفنية التراثية مثل التحبيظ. في حين تلجأ (عفت يحيي) إلي الوسائط المرئية لتدعيم الحكي. الأمثلة السابقة هي الأبرز في فرق المسرح المستقل، وهناك عروض تسير علي دروب هذا الفرق السابقة - "المسحراتي" و "المسرح البديل" و"القافلة" - مع محاولات للتطوير علي حسب طبيعة العروض المقدمة. ويعد الحكي المسرحي أحد مرتكزات مسرح ما بعد الدراما، حيث تزول الحدود التقليدية بين الأنواع، ويعاد صياغة دور الممثل من جديد؛ وهو مسرح لا يرتكز علي الصراع الذي هو مركز الدراما، لكنه يرتكز علي الحضور الآني للممثل ووسائل التعبير واللعب المسرحي. فهذا المسرح يرى أن الكون وهمي والعالم مغلق أمام الاداء الفعلي من أجل التبادل الحيوي بين الجسم على الخشبة والمشاهد الحية وإنعكاسية الأداء الذاتي للمتفرج، ويمتاز "مسرح ما بعد الدراما " بعدة ملامح؛ منها؛ التشظي والتنافر والتقويض انطلاقًا من مفهوم جاك دريدا للطريقة التي تعمل بها اللغة ووظائف العلامات .كذلك يهدف المسرح ما بعد الدرامي إلى تدمير فكرة استقلالية العمل الفني وإكتماله الذاتي وتبديد هالة القداسة التي تحيط به .
4. التجريب الشكلي:
النزعة التجريبية الحقيقية يمكن رصها في بعض عروض الفرق المستقلة، لكن النزعة التي يمكن أن تميز الكثير من عروض الفرق المستقلة (خاصة الحديثة منها) هي التجريب الشكلي، حيث تعتمد العروض علي إعادة تصنيع الشفرة الدرامية والشفرة المسرحية دون أن تحاول إعادة تصنيع؛ أو صياغة؛ الشفرة الثقافية، فـ"عندما يتنازل المخرج عن وضع حدسه الفكري فوق أرض الاختبار (المختبرات) والتدريب واستحضار المادة الثقافية تتحول التقنيات إلي غاية مستقلة منفلتة من زمام التحكم المعرفي سواء من النص أو العرض. وتبدو في آخر الأمر شكلاً من أشكال الرفاهية والاستعراض الشكلاني" . فنجد الكثير من هذه العروض رغم تبنيها أشكالاً فنية مختلفة ومغايرة إلا أنها تقديم خطابًا ثقافيًا مشابهًا للخطاب الثقافي السائد في المجتمع وغير متجاوز له، مما يجعل الكثير من هذه العروض يتسم بالنزعة التجريبية الشكلية دون التجريب الحقيقي الذي نجده مثل ومضات في بعض عروض الفرق المستقلة.
5. استثمار فضاءات بديلة:
استطاعت بعض الفرق المسرحية المستقلة أن توجد فضاءات مسرحية مختلفة، أو أن تستثمر فضاءات لتحولها إلي فضاءات مسرحية بديلة للفضاء المسرحي التقليدي، لكل أبرز هذه العروض عرض (عدو الشعب) لفرقة "لاموزيكا"، وكذلك بعض عروض فرقة "المسحراتي" حيث تتمكن من تقديم بعض عروضها في الحدائق أو أي ساحة فارغة يستطيع أن يملأها العرض المسرحي كما فعلوا في عرض (حكاوي الحرملك).
وأخيرًا؛ هذه ليست كل السمات؛ أو النزعات الفنية؛ الخاصة بالفرق المستقلة، لكن هذه الظواهر الفنية التي عرضنا لها في عجالة، تعد أبرز السمات الفنية في عروض الفرق المستقلة علي مدار الخمسة وعشرين عامًا الماضية، وأعيد التأكيد علي أنها ليست سمات خاصة بالفرق المستقلة فقط، لكن تتقاسم معها هذه السمات عروض وفضاءات مسرحية أخرى لعل أبرزها عروض وتجارب نوادي المسرح.

خاتمة
يمكننا أن نستخلص من العرض السابق أن المسرح المستقل ظاهرة امتدت في تاريخ المسرح المصري الحديث علي مدار خمسة عشرين عامًا، استطاعت أن تصنع لنفسها بعض من الجماليات والخصائص الفنية، وهي جماليات وخصائص فنية ليس منعزلة أو متميزة تمامًا عن جماليات وخصائص السياق المسرحي العام في مصر، لكنها عملت علي تعزيز هذه الجماليات عبر تراكم التجارب الفنية والعروض المسرحية.
وأن الحديث عن الاستقلال مثل الحديث عن (قميص عثمان)، هو حديث عن الاستقلال الفني مع استمرار التبعية المالية لمؤسسات الدولة الثقافية، وهذا بالتأكيد لا يحقق الاستقلال بقدر ما يحقق ضمان فتات المكاسب المالية.
وهناك فئة من كبار الناشطين من الفنانين المستقلين، يطلق عليهم بعض المسرحيين (العشرة المبشرون بالدعم)، غاية سعيهم رافعين (قميص عثمان)/"الاستقلال" ليقوموا بدور حراس البوابة المسرحية.. "بوابة النور"، "بوابة الدعم".
يمكن أن يمثل مشروع نوادي المسرح نموذجًا مثاليًا للتعامل بين الفنانين المستقلين وبين مؤسسات الدولة، مع ضرورة تحقق شرطين حال تطبيق هذه التجربة؛ وهما:
1. رفع القيمة الإنتاجية للعروض حتى خمسة آلاف جنيه، ويتم رفعها كل بضعة سنوات بما يتناسب مع ارتفاع أسعار الخامات الأساسية في السواق المصرية.
2. الحفاظ علي النسق الإنتاجي لنوادي المسرح في تعامل مؤسسات الدولة مع الفنانين المستقلين، بحيث أن يقتصر الدعم الإنتاجي علي الخامات وتجهيزات العرض المسرحي دون الأجور.


التعليقات