الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

دور النظام القانوني في تقدم وازدهار الأوطان

دور النظام القانوني في تقدم وازدهار الأوطان
بقلم : أحمد عبده طرابيك

ما من شك في أن المساواة بين جميع أفراد المجتمع علي اختلاف مناصبهم وانتماءاتهم الدينية والقومية تحقق العدالة المنشودة ، حيث يشعر كل فرد بالإطمئنان إلي حقوقه مصونة ومحفوظة وفق القانون الذي لا يستثني أحد ، ومن ثم تكون سيادة القانون ضمان للشفافية التي توفر البيئة الملائمة للعمل والاجتهاد وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية التي من شأنها تحقيق التقدم والازدهار الذي تسعي إليهما الدول والشعوب .
وضعت أوزبكستان في أولوية أهدافها ، بناء دولة القانون القوية ، والمجتمع المدنى العادل ، الذى يكون المواطن عنصره الهام ، مع حقوقه ومصالحه ، وعند النظر إلى طريق الإستقلال الذي يبلغ عمره خمس وعشرون عاماً من التنمية والاستقرار ، يمكن القول بكل ثقة ، أن العمل الهائل الذى تم إنجازه فى تحقيق الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية ، والسياسية ، قد مهد السبيل نحو تحقيق الانجازات الطموحة الواسعة فى كافة مجالات الحياة ، للدولة والمجتمع .
تسير عملية تحرير النظام القانونى وبناء المجتمع الاقتصادي ، وترسيخ الديمقراطية وتحديث مؤسسات الدولة ، ويتواصل تنفيذ هذه العمليات مرحليا وبصورة مترابطة ، أخذاً فى الاعتبار الخصائص القومية والتجارب الدولية الرائدة ، وقد نجحت أوزبكستان عبر سنوات التنمية المتواصلة ، فى تحقيق عدد من الإصلاحات ، التى تصب نحو تحسين النظام القضائى ، وتحويله إلى الضمانة الرئيسة للحماية الفعالة للمواطن ، وتحقيق الاستقلال الحقيقى للسلطة القضائية .
ففى القانون الأول " حول القضاء " الصادر فى الثانى من سبتمبر 1993 ، تم النص على تلك المبادئ العامة المعترف بها عالميا ، مثل قرينة البراءة ، والحق فى الدفاع ، والمنافسة والشفافية فى المحاكمة ، وغيرها من المبادئ الأخرى ، التى جرى تطويرها لاحقا ، والمتمثلة فى الاجراءات الجنائية الجديدة ، وقانون الاجراءات المدنية ، وغيرها من المواثيق التشريعية للجمهورية . وفى تلك المرحلة من الاصلاحات ، تم وضع الأسس التشريعية لاجراءات المحاكمة ، والاستقلال الفعلى للنظام القضائى الحر .
وفى الثلاثين من أغسطس 1995، مع الأخذ فى الاعتبار بالتجارب العالمية ، تم تأسيس المحكمة الدستورية فى البلاد ، تلك المحكمة التى تضمن توافق تشريعات السلطتين التشريعية والتنفيذية مع القانون الرئيسى للبلاد . وفى سياق التطوير المستمر لذلك المجال ، جرى إقامة منظومة المحاكم الاقتصادية ، والتى فى ظل ظروف الانتقال إلى اقتصاد السوق ، صارت تمثل عاملا هاما لضمان سيادة القانون فى العلاقات الاقتصادية ، وكذلك المحاكم ذات الاختصاصات العامة ، كما جرى التوسع فى القاعدة التشريعية للنظام القضائى .
تمثلت الخطوة الهامة فى تحرير النظام القضائى ، فى إقرار الصياغة الجديدة لقانون " المحاكم " ، الصادر فى 14 ديسمبر 2000 ، والذى طُبقت فيه التجربة المتراكمة عبر سنوات الاستقلال حول إصلاح النظام القضائى ، وطبقا لتلك التشريعات ، تم توفير الآليات اللازمة لتحقيق المبدأ الدستورى فى الفصل بين السلطات واستقلال القضاء باعتباره فرعا مستقلا كاملا من فروع السلطة ، وإخراج النظام القضائى تماما من الرقابة والتأثير للأجهزة التنفيذية ، إلي جانب ترسيخ وضع المحاكم المتخصصة فى القضايا الجنائية والمدنية والاقتصادية ، وتطبيق اجراءات الاستئناف فى القضايا المنظورة ، واجراء الإصلاحات فى محاكم النقض ، كما تضمن القانون المذكور أيضا مسألة اختيار الكوادر القضائية وأوضاعهم ، وقد أظهر التطبيق الفعلى صحة ذلك القرار ، حيث أن المحاكم المتخصصة قد ضمنت النهوض بكفاءة النظر فى القضايا وتعزيز ضمانات حقوق وحريات المواطنين .
وبهدف تعزيز استقلال السلطة القضائية ، والأسس الديمقراطية لتشكيل الكوادر ، وشفافية الاختيار وتوصيات الترشح لمناصب القضاة ، وضمان الاستقرار والفاعلية لعمل الهيكل القضائى ، تم تشكيل اللجنة العليا المؤهلة للاختيار والترشيح لمناصب القضاة ، ووضع الآلية البديلة لحل النزاعات باعتبارها " الدائرة القضائية للتحكيم " .
إلي جانب كل تلك الإصلاحات علي قوانين القضاة ، فقد تم تحديد الحد الأدنى لعمر المُشرع ، وذلك للأفراد المُعينين لأول مرة فى منصب القضاة فى محاكم المناطق الواقعة بين الأقاليم ، والأقاليم " المدن " ، وتعزيز المتطلبات المؤهلة للإعداد الوظيفى الخاص بهم ، والضمانات الحقوقية والاجتماعية الضرورية لاستقلال القضاء ، وضمان الوضع الاجتماعى للعاملين فى الأجهزة القضائية .
وطبقا للمواد 43 ، 44 ، 116 ، يضمن دستور جمهورية أوزبكستان ، لكل مواطن توفير الحماية القضائية للحقوق والحريات ، وحق التظلم فى المحاكم من الأعمال غير المشروعة للأجهزة الحكومية ، والمسئولين ، والاتحادات العامة ، والحق فى الحصول على العون القانونى المهنى فى كل مراحل التحريات والتقاضى ، فقد صار تعزيز مؤسسة الدفاع ، يمثل أحد أولويات التنفيذ المستمر للإصلاحات القضائية ، التى تهدف إلي الضمان الشامل للحماية الفعالة لحقوق وحريات الانسان ، كما تم إنشاء المؤسسات المدنية والاجتماعية مثل " مفوضية حقوق الانسان ، المركز القومى لحقوق الانسان " ، وغيرها من المؤسسات ، كما أن توافر الكوادر المؤهلة القادرة على تقديم العون القانونى بكفاءة فى الدولة ، يمثل الضمانة للتعايش المتناغم للمجتمع ككل ، وتنويره القانونى والديمقراطى .
خلال سنوات الاستقلال ، أصبح الاتجاه الأهم فى تطوير الاجراءات الجنائية للتقاضى ، يتمثل فى تحرير التشريعات الجنائية وتشريعات الاجراءات الجنائية ، الأمر الذي أدي إلي تقليص عدد الجرائم الخطيرة ، حيث أسفر هذا عن تحول نحو 75 % من فئة الجرائم الخطيرة إلى فئة الجرائم التى لا تشكل خطرا كبيرا على المجتمع ، وإلى فئة الجرائم الأقل خطورة .
واستمرارا للتطوير منظومة القضاء ، فقد تم فى 27 أغسطس 2004 ، التطبيق العملى فى مجال الممارسة القضائية لمبدأ التصالح بصورة فعالة ، والذى بمقتضاه لا تقام الدعوى الجنائية على الأشخاص مرتكبى الفعل الجنائى الذى لا يمثل خطورة اجتماعية كبرى ، مع دفع التعويض الكامل للأضرار المادية والمعنوية التى لحقت بالضحايا ، وقد تجسدت فاعلية هذا المبدأ وتطابقه مع تقاليد الشعب الأوزبكى التى تعود لقرون عديدة ، فى القدرة على التسامح والمغفرة ، وصارت تمثل القاعدة للتوسع المستمر فى تطبيقه .
كما تجسدت الخطوة الأهم فى تحرير التشريعات الجنائية عبر إلغاء عقوبة الإعدام ، وذلك منذ الأول من يناير 2008 ، ومن ثم أصبحت أعلى عقوبة يمكن تطبيقها هى السجن مدى الحياة ، والتى لا تستخدم سوى فى حالتين فقط من أنواع الجرائم، وهما الإرهاب والقتل العمد مع الترصد ، وصار من الممكن استبدالها بالعقوبات البديلة الأقل حدة ، وهذا النوع من العقوبات لا يجوز تطبيقه فى البلاد على النساء ، وعلى مرتكبى الجرائم دون الثامنة عشرة من العمر ، والرجال الذين تجاوزا الستين من العمر .
تميزت المرحلة الجديدة فى ضمان الحماية الكاملة لحقوق وحريات الانسان فى أوزبكستان ، بالمبدأ الذى وضعه الرئيس إسلام كريموف ، والخاص بالتعميق المستمر للإصلاحات الديمقراطية وتشكيل المجتمع المدنى فى البلاد . وتتضمن وثيقة ذلك البرنامج تحديد حزمة من الاجراءات الخاصة بالتوسع فى مجال استخدام مبدأ " هابياس كوربوس " Habeas Corpus ، والتطوير المتواصل لآليات ضمان الاستقلالية ، والموضوعية والنزاهة للمحاكم ، وتعزيز التنافسية فى العملية القضائية ، وتحرير التشريع الجنائى ، والنهوض بمستوى الثقافة الحقوقية للمواطنين .
فى سياق تنفيذ المهام التى قررها رئيس أوزبكستان ، يجرى تطوير المعايير الحقوقية الدولية فى التشريعات القومية وتحسين تطبيقها على أرض الواقع . كما ساهم فى ذلك الأمر التعاون الدولى مع برنامج التنمية التابع لمنظمة الأمم المتحدة ، ومع منظمة الأمن والتعاون الأوروبية ، وغيرهما من المنظمات الدولية الأخرى . كما يتطور بصورة حيوية الحوار القائم مع الاتحاد الأوروبى ، وتم تنفيذ عدد من المشروعات المشتركة فى دعم التحولات فى المجال القضائى .
ارتبط تحقيق الاصلاحات فى المجال القضائي ، بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية في أوزبكستان ، وبالخطوات الملموسة فى سبيل عملية التحول الاقتصادي والملكية الخاصة والاستثمار فى البلاد ، حيث كان المرسوم الرئاسي الصادر فى 15 مايو 2015 ، حول " الإجراءات الخاصة بتوفير الحماية للملكية الخاصة والأعمال الصغيرة والاستثمارات الخاصة ، وإزالة الحواجز المعوقة لتطورها السريع " ، يهدف إلي تطوير أداء الأجهزة القانونية والرقابية ، من أجل حماية الأنشطة الاستثمارية وحقوق الملكية الخاصة .
ويمثل القانون إصلاحاً شاملاً للتشريع الجنائى فى البلاد ، وذلك من خلال تطبيقه لعدد من المعايير الحقوقية الدولية ، حيث تم الأخذ في الاعتبار معايير اتفاقية الأمم المتحدة ضد الفساد . فتم ترسيم قانون المسؤولية عن جرائم الفساد فى القطاعين الخاص والحكومى .
كما يمثل تطبيق القانون انجازا هاما ضمن التحولات الديمقراطية ، حيث تم إصدار قانون " الرقابة البرلمانية " ، الصادر فى 11 أبريل 2016 . والذي يتضمن دور الرقابة البرلمانية ومجال عمل الأجهزة النيابية ، الأمر الذي يسهم بفاعلية فى ضمان سيادة القانون وتطبيقه فى البلاد ، وفى حماية حقوق وحريات المواطنين ، ومصالح المجتمع والدولة .
لقد عززت الاصلاحات القضائية والحقوقية فى أوزبكستان ، القاعدة الخاصة بالدولة المستقلة الفتية ، التى تمضى فى طريق التطور نحو الديمقراطية ، باعتبارها عضوا كامل الحقوق فى المجتمع الدولى ، حيث أصبحت نتائج تلك الاصلاحات تمثل الضمانة الأساسية لتحقيق السلم الأهلي والاجتماعي ، والداعم الرئيسي للاستقرار والتقدم والازدهار .

التعليقات