الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

جهود كازاخستان العالمية في مجال عدم الانتشار النووي

جهود كازاخستان العالمية في مجال عدم الانتشار النووي
بقلم : أحمد عبده طرابيك
تعتبر جمهورية كازاخستان من أكثر الدول اهتماماً بقيضة عدم الانتشار النووي ، فقد كانت من الدول الرائدة في هذا الموضوع عندما تخلت طواعية عن الترسانة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفيتي السابق عقب استقلالها مباشرة عام 1991 ، وإغلاق أكبر موقع للاختبارات النووية في سيميبالاتينسك الذي أصبح بداية تخلى كازاخستان عن أكبر ترسانات العالم للأسلحة النووية ، ولذلك فقد تقدمت فى الثاني من ديسمبر عام 2009 ، بمبادرة إلي الأمم المتحدة لإعلان اليوم العالمي لمناهضة التجارب النووية ، وقد استجابت الجمعية العامة للأمم المتحدة لتلك المبادرة في دورتها الرابعة والستين ، باعتبار يوم 29 أغسطس من كل عام يوماً دولياً لمناهضة التجارب النووية ، وهو نفس اليوم الذي وقع فيه رئيس كازاخستان مرسوم إغلاق موقع التجارب النووية في سيميبالاتينيسك .
عقد برلمان كازاخستان ووزارة الخارجية الكازاخية في 29 أغسطس عام 2012 ، في العاصمة أستانا وبالتعاون مع المنظمة الدولية " برلمانيون من أجل نزع السلاح النووي وعدم انتشار الأسلحة النووية " مؤتمراً دولياً تحت عنوان " من حظر التجارب النووية إلى عالم خال من الأسلحة النووية " ، وحضر هذا الحدث أكثر من 200 مشارك من أكثر من 75 دولة ، وشارك فيه أكثر من 70 برلمان من مختلف دول العالم و 20 منظمة دولية بما في ذلك الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية ، وفي الجلسة العامة للمؤتمر أعلن رئيس كازاخستان عن مشروع " اتوم " ( اختصار الكلمات الإنجليزية " إلغاء الاختبار - مهمتنا " ) ، والذي أصبح مبادرة جديدة لتحقيق عالم خال من الأسلحة النووية تهدف إلى الدعم العالمي للحظر النهائى على إجراء التجارب على الأسلحة النووية والعمل على القضاء عليها بالكامل .
تقوم المؤسسة العامة تحت عنوان " مركز نزاربايف " بتنفيذ مشروع " اتوم " الذي تتمثل مهمته في تعزيز بناء عالم خال من الأسلحة النووية وفقا لرؤية الرئيس نور سلطان نزاربايف ، حيث يهدف المشروع إلى زيادة وعي الحكومات والشركات في جميع أنحاء العالم حول العواقب الخطيرة للتجارب النووية ، واستمرار امتلاك الترسانات النووية ، والتى تشكل تهديدا للجنس البشري فى حالة استمرارها بحوزتهم ، حيث يسعي المشروع إلي توحيد الدعم العالمي لإلغاء نهائي لتجارب الأسلحة النووية والقضاء التام على الأسلحة النووية من قبل جميع الدول .
في إطار تطوير مشروع " اتوم " يوجد العديد من الأنشطة الإضافية التى ترمى إلى تنظيم حركة عالمية من أجل الاستفتاء والتي من شأنها أن يعلم الناس في جميع أنحاء العالم عن كيفية ممارسة حقوقهم السيادية في التعبير عن موقفهم من مسألة نزع السلاح النووي ، حيث يعمل مشروع " اتوم " من خلال جهود الحملة الدولية لجمع توقيعات خاصة بوثيقة ضد التجارب على الأسلحة النووية من أجل جذب المزيد من الدعم للمنظمات غير الحكومية والبرلمانيين والناشطين . وتساعد هذه الجهود فى التأثير على قادة الدول الكبرى من أجل تحقيق عالمِ خالِ من الأسلحة النووية ، ويهدف المشروع إلي جذب انتباه الشعوب في جميع أنحاء العالم لمحنة ما يقرب من 15 مليون نسمة كانوا ضحايا التعرض للإشعاع في بلدان مثل كازاخستان وجزر مارشال واليابان والجزائر .
تلتزم كازاخستان بسياسة الشفافية بشأن الطاقة النووية وتسعى إلى تأسيس نظام مفتوح للسلامة النووية وتعتبر من الدول القيادية المعترف بها فى العالم في مجال عدم الانتشار النووي . ولذلك فليس من الغريب أن تختارت الوكالة الدولية للطاقة الذرية جمهورية كازخستان ، بناء على مبادرة الرئيس نور سلطان نزاربايف مقراً للبنك الدولي لليورانيوم منخفض التخصيب ، حيث من المقرر إنشاء مخزن لليورانيوم منخفض التخصيب " هو عبارة عن المادة الخام لإنتاج وقود لمحطات الطاقة النووية " ، ويكون من الأهداف الرئيسية لهذا لمشروع تأييد تطوير الطاقة الذرية العالمية وتعزيز نظام عدم الانتشار النووي .
فى عام 2006 عرضت الوكالة الدولية الطاقة الذرية فكرة إنشاء البنك الدولى لليورانيوم منخفض التخصيب للبلدان التى تقوم بتطوير الطاقة النووية ولكن ليس لديها منشآت خاصة بها لتخصيب اليورانيوم ، وقد أيدت غالبية الدول الأعضاء في الوكالة الدولية هذا الاقتراح ، حيث لا تسمح الوكالة بشراء اليورانيوم منخفض التخصيب من هذا البنك إلا للدول الأعضاء التى قامت بابرام الاتفاقات معها والتى تلتزم بالضمانات الشاملة وتتبع قواعدها .
بعد ثلاث أعوام من إعلان الأمم المتحدة 29 أغسطس يوماً دولياً لمناهضة التجارب النووية تم فى 27 من أغسطس 2015 الجارى توقيع حزمة من الاتفاقيات بين كازاخستان والوكالة بشأن إنشاء البنك الدولى لليورانيوم منخفض التخصيب فى أستانا فى اطار زيارة السيد " يوكيا أمانو " المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية ، ويُعد اختيار كازاخستان مقراً لهذا البنك دليلاً على اعتراف المجتمع الدولي بالوضع الاجتماعي والسياسي المستقر في البلاد والسياسة الخارجية المتوازنة التى وضعها الرئيس نور سلطان نزاربايف ، فضلا عن خبرة كازاخستان الكبيرة في مجال الرقابة على الصادرات وتخزين ونقل المواد النووية .
إن إنشاء البنك الدولى لليورانيوم منخفض التخصيب لا يؤدي إلى حظر الدول التي لديها اتفاقات مع الوكالة وهى من أعضاء معاهدة حظر الانتشار النووي من تطوير دورة نووية خاصة بها ، ومع ذلك فإن هذا الأمر يمكن أن يؤدى إلى صعوبة اتخاذ القرارمن قبل الدول الخاصة بتطوير نظام تخصيب اليورانيوم الخاص بها وهذا يدل على أهمية البنك الدولى فى مجال عدم الانتشار النووي ، فقد جاء فى الاتفاق الخاص بتوريد الوقود الذي أبرمته كازاخستان ووكالة الطاقة الذرية أن اليورانيوم منخفض التخصيب ينبغي أن يستخدم حصراً لإنتاج وقود المفاعلات النووية ، ولا يمكن استخدامه لصنع أي سلاح نووي أو أية متفجرات نووية أو لأغراض عسكرية ، كما يُمنع تخصيب اليورانيوم ومعالجته ونقله إلى موقع آخر أو إعادة تصديره دون الحصول علي موافقة من الوكالة الدولية ، أما اليورانيوم منخفض التخصيب فتطبق الوكالة باستمرار ضمانات وقواعد السلامة وتدابير الحماية المادية التي وضعتها الوكالة ، ويعتبر اختيار كازاخستان كمقر للبنك الدولي لليورانيوم منخفض التخصيب تحت رعاية الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، خطوة هامة في إطار استراتيجية شاملة تساهم عمليا في حل المشاكل العالمية .
بالتزامن مع الاحتفال باليوم العالمي لمناهضة التجارب النووية يوم 29 أغسطس 2016 ، تنظم كازاخستان مؤتمراً دولياً في قصر الاستقلال تحت عنوان " بناء عالم خال من الأسلحة النووية " برئاسة قاسم دجومارت توكاييف ، رئيس مجلس الشيوخ في كازاخستان ، وذلك بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرون لإغلاق موقع سيميبالاتينسك للتجارب النووية ، حيث من المقرر أن يفتتح الرئيس نورسلطان نزاربايف رئيس كازاخستان ذلك المؤتمر ، الذي يشمل أربع جلسات تتضمن مناقشة موضوعات " الأمم المتحدة ونزع السلاح : وأفاق الجهود العالمية في القرن الحادي والعشرين ، نبذ الردع النووي - نوعية جديدة من الأمن الدولي ، مناطق الأسلحة النووية . جغرافية لعالم مستقر ، دور المجتمع المدني في مجال نزع السلاح النووي " ، ومن المقرر أن يشارك في المؤتمر كبار الشخصيات من الدول التي تمتلك أسلحة نووية ، وكذلك الدول غير النووية ، والزعماء السياسيين ورجال الدين والخبراء في مجال نزع السلاح ، فضلا عن ممثلين من المجتمع المدني والمنظمات الدولية والإقليمية .
مما لا شك فيه أن المؤتمر سوف يضيف الكثير الزخم لمناهضة التجارب النووية ، حيث تجعل كازاخستان من تلك القضية محوراً هاماً في سياستها الخارجية ، فقد سبق أن نشر الرئيس نزاربايف برنامجه الانتخابي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة متضمناً خطة من أجل عالم خال من الأسلحة النووية بحلول عام 2045 ، وهو العام الذي يوافق الذكري المئوية لتأسيس الأمم المتحدة .

التعليقات