الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

آفاق العلاقات الدولية لأوزبكستان

آفاق العلاقات الدولية لأوزبكستان
بقلم : أحمد عبده طرابيك

استعادت أوزبكستان استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 ، ولم يكن لها أي رصيد من العلاقات أو الروابط الدولية الخارجية ، فكانت موسكو تحتكر كل تلك العلاقات ، وعندما نالت استقلالها بدأت في نسج علاقاتها الخارجية وخاصة في المجال الاقتصادي ، وكانت تلك العلاقات تتطلب من الدولة الوليدة تقديم مسوغات وشهادات قدرتها علي نسج علاقات قائمة علي تحقيق المصالح المتبادلة ، فقد كانت البلاد لا تمتلك رصيداً من الثقة لدي العالم الخارجي ، كما أن اقتصادها في ظل الاتحاد السوفيتي السابق يتميز بالاقتصاد الأحادى المتطور ، الذى سيطر عليه احتكار زراعة القطن ، وتسليمه إلي الحكومة المركزية فى صورة مواد خام . فكان الشعب يزرع القطن بسواعده ولا يعلم مدي قيمته الفعلية .
كانت أوزبكستان تمر بظروف اقتصادية صعبة للغاية ، فعشية الاستقلال ، كان مخزون الدقيق والحبوب لأكثر من عشرين مليون نسمة ، هم سكان البلاد ، يكفى لأسبوع واحد أو أسبوعين علي أقصي تقدير ، وخلال تلك الظروف الصعبة تم وضع برنامج شامل للتنمية ، عرف فيما بعد باسم " النموذج الأوزبكي " للتنمية ، القائم على أساس المبادئ الخمسة الشهيرة واستنادا إلى تجسيد استراتيجية الإصلاحات الرامية نحو تحديث البلاد ، حيث اثبتت الأيام والسنين مدي نجاح وفاعلية هذا البرنامج ، وأن الحدود اللازمة يمكن أن تتحقق فقط بصورة تدريجية وبشكل مرحلى ، وقد تم وضع الأسس القانونية اللازمة من أجل تحسين مستوى المعيشة ، وبناء دولة القانون ذات التوجه الاجتماعى نحو اقتصاد السوق والانفتاح علي العالم .
بدأت أوزبكستان منذ الاستقلال فى إقامة روابط التعاون الاقتصادى المستقل مع مختلف دول العالم ، وقد تم تحديد أولوية تلك الشراكة لقضايا التنمية ، والتى تمثل الجانب الهام فى السياسة الخارجية للبلاد ، ونتيجة لذلك ، فقد ارتفعت مكانة أوزبكستان التى تتمتع بالإمكانات الطبيعية والعلمية الكبيرة ، والقدرات القوية لتصدير منتجاتها ، وقد صارت أوزبكستان عضوا فى تلك الهيئات المرموقة مثل الأمم المتحدة ، والبنك الدولى ، وصندوق النقد الدولى ، ومؤسسة التمويل الدولية ، والوكالة الدولية متعددة الجوانب لضمانات الاستثمار ، ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة ، واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادئ ، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ، ومنظمة التعليم والعلوم والثقافة " اليونسكو " ، ومنظمة العمل الدولية ، والمنظمة العالمية لحقوق الملكية الفكرية ، ورابطة الدول المستقلة ، ومنظمة شنغهاى للتعاون ، ومنظمة التعاون الإسلامى ، وبنك التنمية الآسيوى ، والبنك الإسلامى للتنمية ، وغيرها من الهيئات والمنظمات الدولية الأخرى .
أصبحت أوزبكستان عضوا كامل العضوية في الأمم المتحدة في الثاني من مارس 1992 ، ومنذ ذلك التاريخ ، يمضى تعزيز علاقات المنفعة المتبادلة مع المنظمة الدولية ، والمنظمات المدرجة فى هيكلها ، المتخصصة فى مختلف المجالات ، بما فى ذلك الاقتصادية ، وخلال الفترة الماضية ، وبالشراكة مع الأمم المتحدة تم تنفيذ عدد من المشاريع لدعم الإصلاحات الجارية فى الاقتصاد ، والإدارة الحكومية ، والصحة ، والتعليم ، وحماية البيئة ، حيث تم تقديم مساعدات تقنية التى تجاوزت قيمتها 430 مليون دولار .
إلي جانب ذلك تم تفعيل عمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ( UNDP ) ، في أوزبكستان منذ عام 1993 ، والذي يعمل في إطار الشراكة على مواصلة الدعم القائم منذ عام 1999 للمؤسسات الوطنية فى تنفيذ المشاريع بمختلف المجالات الاستراتيجية ، مثل مواصلة تطوير المشروعات الصغيرة والمشروعات الخاصة ، وإدخال التقنيات الحديثة في مجال الإدارة والتسويق والتنمية الزراعية ، والقطاع الخاص ، وحماية البيئة ، والاستخدام الرشيد للطاقة ، حيث تم تنفيذ أكثر من 250 مشروعا بقيمة إجمالية بلغت أكثر من 200 مليون دولار منذ إقامة تلك العلاقات .

اعترف العالم بالقدرات المالية والاقتصادية لأوزبكستان في عام 1992 ، وذلك عندما انضمت إلى عضوية البنك الدولي ، وتم افتتاح مكتب له فى طشقند ، ويتم التعاون الوثيق مع البنك الدولي في مجالات الصحة والتعليم وتحديث وإعادة تأهيل منظومة الطاقة ، وترميم وإصلاح شبكات الرى والصرف ، وتحسين البنية التحتية للمرافق العامة ، ويمنح هذا الأمر بدوره ، الفرصة للاندماج السريع في السوق الاقتصادى والمالي ، وتعريف المجتمع الدولي بفاعالية " النموذج الأوزبكي " للتنمية .
من خلال العلاقات التي تربط بين أوزبكستان والاتحاد الأوروبي ، يتم باستمرار تطوير العلاقات الاقتصادية معه في إطار اتفاق الشراكة والتعاون بين أوزبكستان والمجتمعات الأوروبية ، فخلال الفترة من عام 1992 إلي عام 2015 ، تم تنفيذ مشاريع بقيمة 721.4 مليون يورو ، وحتى عام 2020 ، وفى إطار المساعدة المالية والتقنية لتحقيق التنمية الزراعية يخطط الاتحاد الأوروبى لتنفيذ عدد من المبادرات في تصنيع المنتجات الغذائية ومشروعات إمدادات المياه والرى والمزارع ، والطاقة ، من خلال تخصيص مبالغ قيمتها 168 مليون يورو .
لقد تم إقامة القواعد والآليات القانونية اللازمة لتطوير العديد من المجالات الهامة في إطار التعاون مع رابطة الدول المستقلة ، بما فيها العلاقات التجارية والاقتصادية ، وشبكات النقل والاتصالات ، والمجالات الإنسانية ، فمنذ تشكيل رابطة الدول المستقلة ، تحتل أوزبكستان بصورة راسخة مكانتها بين الدول المناصرة لعدم اضفاء الطابع السياسى على عمليات تعميق التكامل الاقتصادى والحفاظ على العلاقات الاقتصادية فى مستواها الجديد ، حيث تدعم أوزبكستان إنشاء منطقة للتجارة الحرة ، على أساس المصالح التجارية المتبادلة ، التى تمثل شرطا هاما للتنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة فى دول الرابطة ، ففى 31 مايو 2013 ، تم التوقيع فى سان بطرسبرج على معاهدة جديدة بشأن منطقة التجارة الحرة في بلدان رابطة الدول المستقلة ، وقد صدقت على الوثيقة كل من أوزبكستان ، روسيا ، بيلاروسيا ، كازاخستان ، مولدافيا ، أوكرانيا ، أرمينيا .
يمثل التعاون في مجال العلاقات الاقتصادية الخارجية من خلال منظمة شنغهاي للتعاون ( SCO ) ، منذ التوقيع علي تأسيس المنظمة فى 15 يونيو 2001 ، من قبل قادة " أوزبكستان ، كازاخستان ، قيرغيزستان ، روسيا ، طاجيكستان الصين " حيث رسخت المنظمة بوصفها آلية للتعاون متعدد الجوانب تعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة ، وتطوير العلاقات الاقتصادية ، وباعتبارها منصة للحوار البناء ، وأداة فعالة لتطوير الشراكة فى مختلف الاتجاهات ، وبفضل المبادرات التى تقدمت بها أوزبكستان ، فقد ارتفعت تلك المجالات إلى مستوى نوعى جديد ، حيث نالت أوزبكستان التقدير من قبل قادة منظمة شنغهاي للتعاون خلال قمتهم الخامسة عشر ، والتى عقدت في طشقند يومي 24 ، 25 يونيو 2016 .
عملت أوزبكستان علي تعزيز علاقاتها الاقتصادية في إطار منظمة شنغهاى للتعاون ، من خلال عدد من الآليات ، أهمها : مجلس رؤساء حكومات الدول الأعضاء في منظمة شنغهاى للتعاون ، ومجلس الأعمال ، واتحاد البنوك ، فأوزبكستان باعتبارها من مؤسسى منظمة شنغهاى للتعاون ، تقوم بتحديد استراتيجية التعاون داخل المنظمة ، وترى أنه من المهم توحيد الجهود الرامية إلى دعم الاستقرار الإقليمى وتنمية التعاون الاقتصادى والاستثمارى ، وهذا من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة لهذه المساعى ، وكان إعلان طشقند الذى تم توقيعه فى 24 يونيو من العام الحالى 2016 ، فى قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي استضافتها طشقند ، والتي تناولت آفاق التعاون فى المجالات التجارية والاستثمارية ، والنقل والاتصالات من ثمار علاقات أوزبكستان الاقتصادية مع العالم الخارجي .
تدرك أوزبكستان بأن إقامة الروابط الوطيدة مع المؤسسات المالية الدولية مثل البنك الآسيوى للتنمية " ADB " ، والبنك الإسلامى للتنمية " IDB " ، يلعب دوراً هاماً فى النهوض بالقدرات الاستثمارية للبلاد ، وتحديث السوق المالية ، ولذلك سارعت أوزبكستان للعضوية فى بنك التنمية الآسيوى منذ أغسطس 1995 ، وتم افتتاح مكتبا تمثيليا للبنك فى أوزبكستان عام 1997 ، حيث تعتبر أوزبكستان المساهم الخامس عشر الأكبر بين الأعضاء الإقليميين لبنك التنمية الآسيوي ، وخلال هذه الفترة الماضية ، تم تنفيذ أكثر من 50 مشروعا ، بقيمة إجمالية قدرها 12.5 مليار دولار ، في مجالات متعددة شملت التعليم والصحة والرى وإمدادات المياه والصرف الصحي ، وبناء المساكن في المناطق الريفية ، والطاقة ، والطرق والمواصلات ، والبنية التحتية ، والقطاع المالى .
يمثل تطوير الطاقة البديلة اتجاهاً جديداً هاماً في العلاقات الدولية ، ففى الفترة من 20 - 23 نوفمبر 2013 ، عقدت فى طشقند بالاشتراك مع البنك الآسيوى للتنمية الجلسة السادسة للمنتدى الآسيوى للطاقة الشمسية تحت عنوان " اتجاهات وآفاق تقنية استغلال الطاقة الشمسية " ، وقد ساعد القرض الذي قدمه البنك الآسيوي للتنمية بقيمة 300 مليون دولار منذ عامين ، علي دعم تطوير فاعلية الطاقة البديلة فى إمدادات الكهرباء ، وذلك لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة الكهربائية في أوزبكستان .
كما تعاون أوزبكستان مع البنك الإسلامى للتنمية منذ عام 2003 ، فى تمويل المشروعات الاجتماعية في القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد ، حيث تم إنجاز 14 مشروعاً بقيمة 429 مليون دولار ، ومن المنتظر تنفيذ المزيد من المشاريع الأخرى بقيمة تبلغ قيمتها نحو مليار دولار ، الأمر الذي يؤكد علي أن التعاون مع المنظمات الاقتصادية الدولية ، يسهم بشكل كبير في تعزيز سمعة ومكانة أوزبكستان فى المجتمع الدولى وتبوأها المكانة اللائقة بين الدول المتقدمة .

التعليقات