الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

القوة والضعف

الكاتب : محمود حمدون

" القوة والضعف "
محمود حمدون
====
جرت سنة الله في الكون أن القوة يعقبها دائما ضعف والعكس صحيح , التضاد يُبرز المعاني الكامنة في الاختلاف , ويجري على النظم السياسية ما يجري على باقي الموجودات الحية , فما من قيادة قوية أو زعامة إلاّ وخلفها يأتي الأضعف أو الأوهن..

ذهب السادات " الثعلب " وجاء من خلفه مبارك , موظف بدرجة رئيس جمهورية , كان يدرك حجمه جيدا ( لعل هذه نقطة تُحسب له ) فلم يخض مغامرة غير محسوبة ليس عن دقة تخطيط ورؤية مستقبلية شاملة للأمور بقدر كونها حالة من الهلع التي تنتاب الموظفين عموما , والعاملين بالقطاع الحكومي خاصة والتي تدفعهم للنأي بأـنفسهم عن أية صراعات تؤثر على أكل العيش أو المساس بوضعهم الوظيفي على هشاشته.

ثلاثون عاما قضاها مبارك في السلطة , سارت به مركب السلطة دون أن يقودها بصورة فعلية , مشكلات وأزمات خانقة كانت تتوارى تحت السطح وقبضة أمنية عنيفة وراءها وأمامها أجهزة جمع معلومات لم يُخفى عليها شيء ولم تكن تفوتها شاردة ولا واردة إلاّ وأحصتها .

ثلاثون عاما منها أربعة وعشرين سنة كانت هادئة تماما إلاّ من أزمات مفتعلة كسياسة إلهاء أجادها نظامها وأتقنها حتى صار علما فيها وصارت عنوانا لمرحلة كاملة ,
فقط ست سنوات المتبقية على حكمه المديد , تلك اللحظة الفارقة و التي قفز فيها رجالات الأعمال إلى مركب السلطة فأنشبوا فيها أظافرهم وأحكموا قبضتهم على الحكم .

في تلك اللحظة بدأ نظام مبارك في التداعي بفعل الشقوق والشروخ التي طالته بفعل طول البقاء ودفن المشكلات تحت الركام , فخلال الفترة من 2005 حتى تنحي مبارك فقط دون نظامه , تغيّرت الخريطة الاجتماعية في مصر كثيرا , فكان التزاوج الآثم بين السلطة والثروة , وتطور إلى اعتلاء رجال الأعمال لمناسبة وزارية وسياسية هامة في الدولة , فكانت القرارات والسياسات تُطبخ بليل لصالحهم وبأيديهم فكان عصر النهب والاستيلاء على كل شيء له قيمة حالية أو مستقبلية ,

الخلاصة أن ثمرة هذا اللقاء الحرام بين السلطة والثروة , كان طبقة مجتمعية سميكة جدا , متجذرة كورم سرطاني متشعب يستعصي اقتلاعه على أي ثورة ولديه من نظم الحماية ما يدفع عنه محاولات التغيير والإصلاح ,

طبقة لا علاقة لها بمصر والمصريين , ثرواتها آمنة كامنة ببنوك أجنبية بالخارج , تستثمر وتتجر بأموال المودعين بالبنوك المحلية ( قروض واعتمادات ) وعوائد أنشطته بمأمن كأرصدتها ورؤوس أموالها , وعت هذه الطبقة الدرس وأدركت خطورة ما حدث في يناير 2011 , وأقسم أنصارها فيما بينهم أن ذلك كان خطأ وخطيئة لن تتكرر ثانية .

عادت تلك الطبقة القميئة مرة أخرى كي تتسيدّ المشهد في صورة حكومات متعاقبة وبرلمان مُحكم صنعه , لتمرير إصلاحات محددة لا تمسهم من قريب أو بعيد , فقط تُرسّخ ملكهم الجديد , وتبارك زواج رسميا بين السلطة والثروة الجامحة كان قد بدأ حراما قبل عشرات السنين .

لذلك فكافة حركات وسياسات التغيير والإصلاح الاقتصادي وغيرها , تقع فقط على الغالبية من الطبقة الفقيرة أو المتوسطة المتأرجحة ما بين وهم التطلع لأعلى والتشبث بحلم الصعود كمراهق لا يملك سوى الحلم , والخوف والفزع من مغبة السقوط في هاوية الفقر .


التعليقات