الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

التجريح ورحلة البحث عن المجروحين

الكاتب : محمود حمدون

" التجريح ورحلة البحث عن المجروحين "
محمود حمدون
====
تفتق ذهن فقهاء الحديث الشريف قديما عن فكرة جيدة للاستيثاق من مصداقية الرواة خاصة في فترة تاريخية كثرت فيها الأحدايث الشريفة المنسوبة زورا وبهتنا للمصطفى صلى الله عليه وسلم , والتجريح باختصار , البحث في تصرفات وسلوكيات الراوي والتنقيب عن عيوبه التي قد تصم روايته بالكذب , فإن ظهر عليه مآخذ , نحّاه الفقهاء جانبا وأنكروا روايته كليّة , وفق قاعدة أصلية وحيدة أن من يكذب على الناس ويفسق يهون عليه أي شيء آخر .

مرت قرون طويلة , حتى بان لنا جليّا أن تقدم الدول الغربية كان رهن بوضع ضوابط صارمة في اختيار القيادات من الصغير فيهم وصولا لأكبر رأس في الدولة , اعتمدوا منهج التجريح , في تتبع سيرته وتصرفاته الشخصية وعلاقاته بالغير خاصة المستترة منها , وفق قاعدة اصلية أن من يبتغي منصبا عاما عليه أن يكون طاهر اليد والذيل , ولا تشوب ثوبه شائبة مهما صغرت ..

لذا لا غرابة أن يتصدر هؤلاء العالم , وأن يتسيّدوا المشهد , وان يصبحوا قادة الحضارة ونحن أتباع لهم رغم ثرواتنا وموقعنا الفريد , البحث في سبب الهوان والضعف , يعود بنا لضابط ومعيار اختيار القيادات لدينا ولا سبب آخر.

فقد أخذنا نحن ايضا بعلم التجريح , لكننا سرنا عكس ما أراده الفقهاء قديما وما سارت عليه الأمم المعاصرة حديثا , فأصبحنا ننقّب في السلوكيات والمستتر منها وصولا لصاحب نقاط الضعف الأكثر خطورة , فنختار الأسوأ من بينهم والاكثر خضوعا للسيطرة , ... فنحن نبحث عن المجروحين ونحتفي بهم ونضعهم في أعلى المناصب بالدولة , وكلما بانت وظهرت الجروح كلما ارتقى صاحبها .

وهكذا أصبح الولاء إجباريا فيمن يتولى منصبا عاما , ليس عن قناعة بمذهب أو منهج فكري أو سياسي . بل خوفا من نهاية سيئة يتحدث بها السائرون والركبان , وفضيحة مؤكدة تأخذ بعقل الأريب إن خرج عن الخط أو تجاوز المسار .

التعليقات