أخر المقالات

وجوه القمر 1

الكاتب : خالد العجماوى

"هل ثمة حياة على القمر ؟!"
قرأ نظرية تقول إن القمر فى أصل نشأته ما هو إلا جزء من الأرض ، انفجر عنها و انفصل منذ زمن بعيد إثر ارتطام جسم ما بكوكبنا ؛ فصار كويكبا تابعا يدور فى فلكها كابن صغير متشبث بأمه . يوجد نظريات أخرى تدحض الفكرة و تستبعدها تماما ، و لكنه يجده مرتاحا لها ، بل و يؤمن بها ، و يحبها !
القمر جزء من الأرض التى نعيش عليها إذا" ؛ فهل كانت عليه حياة ؟
و لم لا ؟ نعم يعرف أن النظرية السالفة تفترض نشوء القمر قبل البشر بملايين السنين ..و لكن من يدرى ؛ ربما ينفى العلم الآن الحياة عليه و عنه ، ثم لا يلبث أن يتراجع كعادته فتأتى إلينا نظرية جديدة لتقول إن حياة ما كانت على القمر قبل انفصاله .
أغلق عينيه و تأمل فى خاطرته تلك : ربما كان ثمة بشر على سطحه قبل الانفجار ..و لكن لو كان ثمة بشر لاكتشف العلم هذا من تحليل تربته أو ما شابه يا رجل !
تبا" .. فليذهب العلم إلى الجحيم إذا" ، و لتبق خاطرته تلك قائمة فى ذهنه حتى تصل إلى درجة الثبات ، فالإيمان ، فالحب !
فكر فى نفسه و عيناه مغلقتان غارقا فى تأمله :
- ليس دليلا حقيقيا على كل أفكارنا التى نؤمن بها .أصلا وجود الدليل القاطع البائن ينفى وجود الإيمان ..الإيمان لا يكون إلا بغيب ..بشئ ما أو فكرة ترتاح لها النفس ، فتجعلها نبراسا فى طريق الحياة ..هكذا الإيمان فى كل جوانبه.. نعم ! أؤمن أن القمر كان أرضا ..و كان به حياة .. و عليه بشر ..
فتح عينيه قليلا" و كأنه يصحو من حلم ..ابتسم كمنتصر على جحافل الشك فى رأسه..ثم أغلقهما مجددا ليغرق فى تأمله ..
لماذا ربطنا القمر بالعشق و العشاق ؟
يقولون إن العشق حليف السهد ، و السهر ..و إن القمر هو الشئ الظاهر الوحيد مفتوح العينين فى الليل ؛ فيبث العاشق إليه شكوى البعد ، و الشوق ، و الأرق ..
و لكن ؛ ربما كان سر القمر أجل و أعمق من ذلك بكثير ؛ بل و ربما كان سر القمر فى أولئك البشر الذين تواجدوا عليه و هم على أرضنا هذه ..ربما كانوا بشرا فى هيئتهم ، ملائكة فى أشكالهم و طبائعهم ، فلما انفصل عنا و انفصلوا إثر ذلك الارتطام البائس ، اشتاق إليهم الناس و تفقدوهم، فلم يجدوهم ، ثم إنهم وجدوا مكانهم حفرة بحجم كويكب ، و بقعة ضوء مستديرة فى السماء تنير الظلام ..فعرفوا أنهم تركوهم بلا رجعة ..فصاروا ينظرون إلى القمر فى كل ليلة يتوسلون إليه الرجوع ، ثم لما تملكهم اليأس جعلوه قبلة المشتاقين الساهدين فى جوف الليالى الحالكة .
ابتسم مجددا ، بل زادت فرجة فمه حتى كادت لتتحول إلى ضحكة عالية ..لدماغه قدرة تلفيق الحكايات و الأساطير ..بل و قدرة التلفيق ، ثم التأكيد ، فالتصديق، فالإيمان !
لا رجوع عن أفكاره تلك ..قرر أن اليوم هو يوم الأفكار و الخيال ..الخيال الصادق الذى لا مجال لتكذيبه أو وضعه فوق موازين المنطق و العقول ..طالما هى فكرة تحبها نفسه ، فليؤمن بها و ليعمل على وجودها .
و سبح فى تأملاته أكثر و فكر :
ربما كان حبا و شغفا بين فتاة جميلة على سطح ذاك الكويكب الأبيض الجميل قبل انفصاله ، و فتى يافع فى بقعة بعيدة على سطح الكوكب .ربما كانوا متحابين ، يزورها من حين لآخر ليبث إليها ما يكابده من حر المشاعر و جميلها ، فلما انفصل كوكبها عن كوكبه ، صارت عيناه مفتوحتين ذاهلتين لا تبرحان القمر فى الليل حتى كلهما السهر ، و أجهدهما النحيب.، ثم إن العشق قد أفنى جسده و أبلاه ، فدفن المسكين فى أرضنا هذه ليكون الفراق الأبدى بينه و بين معشوقته الجميلة ..
لم يبتسم هذه المرة .بل زم شفتيه و سأل نفسه : لماذا جنح به خياله إلى مثل تلك النهاية الحزينة السوداء ؟ لماذا أراد خياله التفريق بين متحابين ؟ ألأنه هو الآخر وحيد ؟!
هل ينتقم خياله من فتاة على سطح القمر ، فيمنع عنها حبيبها ، بل و يقتله و يدفنه ، فقط لأنه هو نفسه يعيش وحيدا ..؟!!
زم شفتيه و قطب حاجبيه..لم ترقه الفكرة ..بدت له كاتهام بالسادية ..بدا لنفسه وحشا أو ذئبا افترس حبيب الفتاة لتوه ..أراد تغيير الفكرة وتبديلها بنهاية سعيدة ؛ و لكنه لم يستطع . قواعد اللعبة فى خياله تمنعه .. ما دامت الفكرة قد تخلقت فى دماغه فلا بد من بقائها، و تثبيتها. .هذه هى اللعبة منذ البداية و إلا فلتذهب كل تأملاته اليوم سدى ، و لتذهب تلك الفتاة إذا" أدراج الخيال و الأوهام .
و تأسى قلبه على الفتاة ؛ كم يوما مر ، و يمر ، و هى تكابد شوقها ، و عذابها ؟ المسكينة !
ثم حضر له خاطر جديد : لو كان فراقها ذاك منذ ملايين السنين ، فلا شك أن جسدها لم يعد منه إلا تراب على القمر ..حتى إن التحليلات و الأجهزة لم تكن لتفرق بين تراب جسدها و تراب كويكبها .هى اليوم لا شئ إذا" !
و لكنه سرعان ما أنقذ الفتاة من الفناء بخاطرة أخرى برقت فى دماغه كالبرق الخاطف : لو كان جسدها قد فنى و انتهى ، فلا شك أن روحها باقية . نعم ! لا بد أن روحها تهيم الآن على سطح القمر ، تنظر إلى البشر على الكوكب الأزرق ..
و لكن مهلا ! فلو أن جسدها قد أفناه الدهر و لم يفن روحها ، فإن الأمر نفسه يكون مع حبيبها . أى أن روحه هو الآخر ربما تكون باقية ؛ بل و ربما تتلاقى روحهما الآن تلاقى المحبين العاشقين ..الآن و اليوم و الأمس و الغد !
لا !!
هكذا ببساطة ..لا وحسب . مات الفتى و انتهى و لم يبق منه شئ ..أى شئ ..أما هى فروحها باقية ..تحوم حول الأرض ..و تدنو من السحب ، ثم تهبط رويدا حتى تكون فوق منزله ..ثم تدنو و تدنو حتى أنفاسه ..أنفاسه هو فقط !
هو من ابتكر لعبته تلك ..هو من صنع الفتاة ..و هو من جعل لها حبيبا، ثم أماته ، ثم دفنه ..
و لماذا ننظر إليه نظرة السادى المتوحش ؟!
أو لا نرى للقدر مثل ذلك ؟ بل و أتعس من ذلك و أقسى ؟!
فليكمل لعبته إلى نهايتها ، و ليقس كما يحلو له ؛ ففى خياله هو القضاء و هو القدر ..و هو الذى بدأ قصة القمر و فتاته الجميلة ..
ثم زم شفتيه و أغلق عينيه ..الآن هو يؤمن بأن القمر كان فى الأصل أرضا ، و يؤمن أن ثمة فتاة كانت عليه تعيش ، و اليوم روحها تهيم فوق الكويكب الصغير ، تنظر إليه من بعيد ، و تدنو منه رويدا رويدا حتى يحس أنفاسها و تحس أنفاسه !
يا لخياله !!
و لم يتعب ، و لم يسأم ، بل سبح في خياله و غاص غير عابئ بشاطئ الواقع ، و الوقت الذى يمر و هو ساكن دون حراك ، بعينين مغمضتين ، و شفتين مزمومتين، و دماغ غارق فى بحر الأوهام .
و سأل نفسه : هل لى أن أحاورها ؟
و ضحك هذه المرة فعلا ..كانت ابتسامة تحولت إلى ضحكة عالية ..يا أبله ! أنت من صنعها ، و صنع لها عالمها ؛ فجعلها روحا هائمة ..أو يعجز خيالك عن التحاور معها ؟!
صف لى أولا" : ما شكلها ؟ كيف شعرها ؟ و قوامها ؟
و وجد نفسه و قد تلعثم فكره ، بل و سقطت قطرة من عرق الخجل على الأرض قد تفصد بها جبينه الخجول ..
لم يفكر حقيقة فى تلك الأشياء ..فى الحقيقة هو لم يعر للشكل أى اهتمام ..هو فقط فكر فى أنها أنثى ..روح ..هائمة ..جميلة..و محبة .
(يتبع)

التعليقات