الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

للذئاب في فلسطين .. حكاية اخرى !!

الكاتب : ثريا جابري



بعد اكثر من اربع سنوات من الاحباط و الخيبة و الهزيمة المعنوية التي عاشها العربي و لازال بسبب "ثورات الربيع" و ما حملته من دم و دمار و فيروسات و أوبئة، هاهو الشباب الفلسطيني الأعزل ينعش من جديد النفس الثوري في جماله و فطرته و الحق الذي يؤسس له .. شباب لطالما كان الفاعل الاساسي في كل مراحل النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الاسرائيلي و ضرب في كل مرة اروع المثل في التضحية و نكران الذات، ولكن يبدو ان لهذه المرة خصوصية اكثر عمقا و تفردا و جرأة في مواجهة الموت من اجل الحياة ..

فالاحتلال بكل ثقله و آلياته و جبروته و نبوءات تشبثه باستلاب الارض و الهوية اكثر، و انسداد الافق السياسي الفلسطيني خاصة و ورم الانقسام قد استفحل في جسد القضية حتى باتت اما مجرد ملف بمطالب انهزامية على مشجب المنظمات الدولية و الامم المتحدة _و التي كانت الجُحر الذي "هَرِمنا" و نحن نلدغ منه المرة تلو الاخرى منذ ما قبل اوسلو_ من جهة، او مشروعا راديكاليا يسعى الى نيل الدعم و الاعتراف العربي و الدولي بـ "امارة غزة" من جهة اخرى، أضف اليهما تسونامي "ثورات الربيع العربي"، شكلوا مجتمعين استراتيجية الهاء كدنا نعتقد انها اخمدت شرارة المقاومة الشعبية عند جيل ذرّوا عليه من رماد اليأس و التثبيط .. ففاجأ الجميع بأن انبثق من ذروته و كتب بدمه "حذار فتحت الرماد اللهيب" !!

شباب في العشرين هدموا طموحات زعماء بني صهيون في أنهم الأبناء الذين سينسون فلسطين، بل و أثبتوا أنهم اكثر ذاكرة و تجذرا و صلابة امام كل محاولات التذرير و طمس الهوية العربية و تفتيت "الجماعية الفلسطينية" و التي ساهمت فيها اوسلو و النسيج الفصائلي المهترئ جنبا الى جنب مع سياسات الكيان ..

هم فتية آمنوا بربهم وقضيتهم فزادهم هدى .. و حلم اجترحوا له أدوات تعلو على تعريف القانون و العقل، ليمنحوها وحدهم المعنى و يصوغون بها ابداعا مقاوما تحت اصعب الظروف، ف"لست مهزوما ما دمت تقاوم" .. هذا الشاب او الشابة الذين لم يتجاوزا الخامسة و العشرين في اقصى عمر، لم تثنهم غضاضتهم و عشق الحياة من عشق الموت في سبيل الوطن و الانسان، و زينوا اجسادهم بحجر او سكين و تقدموا بكل حب لخطبة فلسطين ..

فما يفعله هؤلاء الفتية بعملياتهم البطولية منذ اشهر طوال و الذي تضاعف منذ بداية هذا الشهر الاخير يجعلنا نقف قليلا عند ناصية المشهد لنتأمل ثلاثية "الجسد و الحجر و السكين" التي كانت مدار اهتمام علماء النفس و الاجتماع، هذه الثلاثية التي اختزلت كل معاني "المقاومة الفردية" و التي سماها التقرير الاستراتيجي لمعهد ابحاث الامن القومي الاسرائيلي بظاهرة "الذئاب المنفردة" نعم ذئاب من حيث انها اثارت الرعب في قطيع المستوطنين و الجنود، و انكسر بين اضلاعها ما يعرف بـ "النيكروبولتكس" الاستيطاني او السيطرة الاسرائيلية على انماط الموت و الحياة للفلسطيني، ليتحول المسيطر الى محاصر و بأخف الوسائل ..

و في الوقت الذي تحتاج فيه هذه المقاومة الشعبية الى توحيد الصف و انصهار المقاومة المسلحة معها ليعود الخيار عسكريا بعد ان فشل في ان يكون غير ذلك يوما من الايام، هاهي "الفسائل" الفلسطينية _الا ما رحم ربي_ تعيش انقساما جديدا و حرب مصطلحات عما اذا كان اسم هذه المقاومة "هبة" او "انتفاضة" !!!
في حين ان فتى العشرين ذاك و هو يحمل حجره او سكينه و يتجهز للشهادة، لم تخطر بباله تلك السفسطة .. فقط "فلسطين" كانت معجمه و الشرف الذي كشف عارهم جميعا، خاصة و انه كان يحميهم من اي انتقام من طرف الكيان بجريرة ما يقوم به منفردا و بقراره وحده، ليتحمل هو و رفاقه الانتقام و تتزايد جرائم الاحتلال اليومية من اعدامات ميدانية في حقهم فتية و فتيات و اعتقالات لم تستثني حتى الاطفال كما العادة !!
و رغم ذلك لم تكن هذه الجرائم الا ردا جبانا على الخوف و الهلع الذي اثاره "الذئب الفلسطيني" فيهم داخل المؤسسة و خارجها .. ولذلك ايضا لا يمكن بأي حال من الاحوال ان نقرأ مواجهته هذه من خلال نظرة خلوصية يائسة تجعل منه الفريسة في حين انه هو الصياد الماهر ..

هكذا بقليل من الادوات البسيطة و كثير من الامل، سد هؤلاء الفتية الخلل بين الامكانيات و الطموحات و لم يستسلموا لشروط الواقع العليل .. هكذا بالجسد و الحجر و السكين، سجل شباب العشرين ملحمتهم ايمانا و عشقا، فكانوا كأبطال الاساطير الذين سيخلدهم التاريخ في زمن قتلتنا فيه الردة .. فهو اودنيس و هي عشتروت و فلسطين زهرة شقائق النعمان التي نبتت من دمه و عطرها.

التعليقات