أخر المقالات

لنتواضع لله لا للناس

الكاتب : مي أبو العلا

ثمة حقيقة جلية يبدو أنها تخفى على من يرون أنفسهم متواضعين. وهي أن التواضع دوماً يكون لله وحده وليس للناس. بمعنى أنني بإحساني وتعطفي على غيري، أحاول جاهداً أن أهزم الكبر بداخلي لأن الله هو المتكبر على الإطلاق.

وعليه فإن المرء حين يتواضع لا يتواضع للناس لأن التواضع للناس في حد ذاته استكبار. يتعامل معهم "بتواضع" وكأنه العلي المتواضع ظناً منه أنه أفضل منهم بالفعل و"يحاول" أن ينقل لهم شعوراً زائفاً بتساوي الأقدار هو نفسه غير مقتنع به وإلا ما رأى نفسه متواضعاً.

إن تواضعنا لله يعني أن نعامل غيرنا بإحسان وعطف يمحو داخلنا الشعور الواهم بالغرور والتعالي من منطلق أن المحسن الحقيقي هو الله وأننا ما فعلنا سوى ما هو واجب علينا تجاه إخواننا. وذلك تحقيقاً لمبدأ أن الله خلقنا كي يعطي كل منا الآخر ويعينه - ولا يقتصر معنى العطاء هنا على العطاء المادي وإنما كل صور العطاء المادية والمعنوية. نتواضع لله موقنين بأن كل منا في حاجة حقيقية إلي الآخر وأننا كما نعطي نأخذ من جهة أخرى ربما لا يراها من نعطيه. ذلك هو التواضع لله.
إنه إيمان المرء بفقره وجهله مهما علا قدره الدنيوي. إيمانه بأن ذلك الذي يراه أقل منه قدراً قد يكون بالفعل عند الله أعلى وأعظم، "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون." أما أن نعامل البعض ونحن موقنون تماماً أننا الأفضل والأعلى وهم دوننا، ونسعى لإسعادهم - بل ولإسعاد أنفسنا - بتواضعنا أكتر من عطائنا، فإنما ينم عن كبر حقيقي في أنفسنا لا ندركه تزينه لنا شياطيننا. وهذا لا يصح. فلنتأمل قليلاً قبل أن نتحدث عن التواضع ونسلك سبيله. وليكن تواضعنا جميعاً لله وعطاؤنا له وحده بإيمان راسخ ويقين بأنه هو المستكبر المتعال على الإطلاق. ولنحسن إلى الناس جميعاً كما أحسن الله إلينا على اختلاف أقدارهم الدنيوية وليس إلى من نتوهم أنهم دوننا.

"كما أحسن الله إليكم" إنها حقاً مسألة إيمان بحتة. ولنتيقن دوماً أننا بحاجة "دائمة" لغيرنا كما هم بحاجة دائمة إلينا حتى وإن لم يأت أوان ذلك بعد. ولنعلم تماماً أن التواضع للبشر لا يكون إلا من نفس مستكبرة. أما التواضع لله، فإنما يذكر الإنسان دوماً بضآلته واحتياجه وفقره وعجزه فيعطي لله راجياً منه وحده العفو و الإحسان. ولا يعطي للناس منتظراً منهم التقدير لتواضعه الزائف الواهم.

مي أبو العلا
maiabulela@gmail.com

التعليقات