الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

التحالفات و الحرب العالمية الاولى 1

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

من العجيب ان الخمسة عشر عاما التى سبقت الحرب العالمية الاولى قد شهدت ذروة حركة السلام العالمية فقد كثرت منظمات السلام و تأسست المحكمة الدائمة للتحكيم فى لاهاى و ابرمت عشرات من معاهدات الصلح .
و لكن الامور تبدلت فى 28 يونيو عام 1914 فى العاصمة البوسنية سراييفو عندما اغتال شاب صربى متعصب ينتمى لجماعة اليد السوداء الارهابية – الارشيدوق فرانسيس فرديناند – وريث عرش الامبراطورية النمساوية المجرية و زوجته صوفى و كانت هناك شكوك فى ضلوع صربيا فى هذا الاغتيال و ارسلت حكومة فيينا خبيرا قانونيا الى مسرح الجريمة لجمع الادلة و لكن عندما لم تذعن بلجراد لمطالب فيينا التالية اعلنت الامبراطورية النمساوية المجرية الحرب على صربيا فى 28 يوليو و تعرضت بلجراد للقصف فى اليوم التالى .
و بسبب التحالفات الاوربية التنافسية انخرطت اربع و عشرون دولة فى هذا الصراع الكبير لتثبت صحة توقع المستشار الالمانى أوتو فون بسمارك بأن ( تصرفاً أحمقاً لعيناً بمنطقة البلقان من شأنه ان يشعل يوما فتيل حرب اوربية شاملة ).
لكن من الخطأ ان نحمل واقعة الاغتيال وحدها سبب تلك الحرب بل ان السبب الرئيسى – و ليس الوحيد – يعود الى دبلوماسية التحالف التى نشأت بين المانيا و النمسا و ايطاليا من جهة و بين فرنسا و روسيا من جهة اخرى
و لكن لكى نعى هذه السلسلة و نعى العقلية الالمانية يجب ان نبدأ من صعود بروسيا المانيا الى مراتب القوى العظمى فى القرن التاسع عشر .
ذلك ان توحيد المانيا تحت حكم ولاية بروسيا كان نتاج ثلاثة حروب خطيرة خطط لها بدقة من قيادات سياسية و نفذها قادة جيش ذو خبرة . و فى بلد مثل بروسيا المانيا محاط بأعداء محتملون من كل جانب تعين على رجال الدولة احتمال نشوب حرب فى اى وقت لذا كانت الكفاءة الفنية لضباط الجيش الالمانى على رأس اولويات الدولة . و يمكننا ان نلحظ انه بعد توحيد المانيا عام 1871 تحكم الجيش فى اولويات السياسة الخارجية ثم سيطر فى النهاية على السياسات الدبلوماسية .
و قد اتى توحيد المانيا على حساب فرنسا فى حرب التوحيد الثالثة فقد وقع الامبراطور الفرنسى فى الاسر ثم نفى خارج البلاد و احتلت فرنسا جزئيا و دفعت تعويضات جسيمة و خسرت منطقة الالزاس و اللورين الى ان استعادتها فرنسا بعد الحرب العالمية الاولى .و كان من شأن هذا الخزى الذى لحق فرنسا ان يجعلها عدوا دائما للامبراطورية الالمانية الجديدة .و كان متوقعا ان ترغب فى الثأر .
و لذلك كان بسمارك يخشى تحالفا فرنسيا روسيا ضد بلاده يهاجمها من الشرق و الغرب وكانت خطته هى تشكيل تحالف دائم من ثلاث دول عظمى ضد فرنسا . و فى عام 1873 ابرم بسمارك معاهدة بين امبراطورية بروسيا المانيا و الامبراطورية النمساوية المجرية و روسيا القيصرية – تقضى انه فى حال تعرض اى طرف من اطراف المعاهدة للهجوم من قبل قوة اوربية اخرى تعين على الطرف الاخر ان يهب لنجدته بقوة قوامها 200 الف جندى .
لكن روسيا لم تكن تشعر بالارتياح لهذه المعاهدة مما دعا بسمارك عام 1879 الى الدخول فى تحالف من نوع اخر بين المانيا و الامبراطورية النمساوية المجرية قام هذا التحالف الثنائى المناوىء صراحة لروسيا على اساس دعم المانيا للامبراطورية النمساوية المجرية و المقاومة المجرية لأنشطة روسيا فى البلقان . و ظلت هذه المعاهدة سارية و تتجدد حتى عام 1918 .و كانت تقضى بانه اذا تعرض اى طرف من طرفيها لهجوم روسى يساعده الطرف الاخر بجميع قواته و اذا كان الهجوم من قوة اخرى التزم الطرف الاخر الحياد على الاقل و فى حال دعم روسيا لقوة اخرى يلتزم كلا الطرفين بتقديم المساعدات للاخر . و هذا التحالف يفسر قيام الالمان فى يوليو 1914 بإعطاء الضوء الاخضر للنمساويين بعد اغتيال فرانسيس فرديناند مما سمح لحكومة فيينا ان تتصرف كيفما تشاء تجاه صربيا مع العلم بأن هذا التصرف سيقود فى النهاية الى الدخول فى حرب مع روسيا .
فى عام 1893 قام تحالف عسكرى روسى فرنسى يقضى بأنه حال تعرض فرنسا لهجوم المانى او ايطالى بدعم المانى تقدم روسيا المساعدة بكل قواتها فى مواجهة المانيا و فى المقابل تقدم فرنسا المساعدة بكل قواتها فى حال تعرض روسيا لهجوم المانى او ايطالى بدعم المانى و كذلك انه فى حال قيام التحالف الثلاثى ( المانيا و النمسا وايطاليا ) بإعلان التعبئة العامة فإن فرنسا و روسيا تعلنان تعبئة قواتهما فوراً .
بعد بسمارك كان جهاز الاركان العامة على يقين من خوضه حرب فى جبهتين شرقا و غربا و شدد على اهمية تأسيس دفاعات قوية و فى عهد رئيس الاركان العامة الكونت فون شليفن ( 1891 – 1905 ) وضع تصورا لحرب ابادة بمعنى ان هناك فرصة وجيزة لتدمير فرنسا فى حرب خاطفة فى غضون اسابيع و بعد الابادة يتجه الجيش الالمانى شرقا ليساند القوة الاصغر المرابطة فى مواجهة روسيا و كان التسليح الالمانى كفيل بالانتصار السريع على روسيا و هذا التصور الذى اورثه فون شليفن ادى الى عسكرة السياسة الدبلوماسية الالمانية على نحو اكبر .

الغريب ان تلك الخطة لم تبلغ للقيادة المدنية ممثلة فى المستشار الالمانى و مجلس الوزراء و لم تذكر تفاصيلها التى كانت تقتضى زحف الجيش الالمانى عبر بلجيكا المحايدة ليتخذ مواقعه شمال باريس و جيش اخر يتقدم الى جنوب باريس . و كادت الخطة ان تفلح فماذا يا ترى ادى لفشلها ؟
اولا : رفض بلجيكا الانصياع و السماح للجيش الالمانى بعبور اراضيها و تصدى الجيش البلجيكى البطولى للجيش الالمانى فى الحرب .
ثانيا : لم تضع خطة شليفن فى اعتبارها احتمال تدخل بريطانيا فى الحرب نيابة عن بلجيكا تنفيذا للمعاهدة المبرمة بينهما عام 1839 ( بروتوكول لندن ) و هو ماحدث فتدخلت قوات المشاة البريطانية و عرقلت الجيش الالمانى الذى كان يستعد لتطويق باريس .
و عليه فإن قرار الزحف عبر بلجيكا ورط بريطانيا تلقائيا فى الحرب الى جانب فرنسا مما ادى لانهيار خطة شليفن ( تحريا للدقة فإن بروتوكول لندن عام 1839 تركت لطرفيها حرية اختيار الاجراء الذى يرغبون فيه و من ثم فإن بريطانيا لم تكن حقيقة مضطرة لخوض حرب مع المانيا رغم مشروعية ذلك لذا حاولت او توسع من اهداف الحرب لتشمل استقلال بولندا و تحقيق الحكم الذاتى للدول التى كانت ضمن الامبراطورية النمساوية المجرية ) .
و للحديث بقية

التعليقات