الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

سيمور بن راحم نصيروف يكتب: العلاقات التاريخية بين آذربيجان ومصر



يسرني أن أتناول بين يديكم في هذه السطور الحديث عن دولة قديمة ضاربة في العمق التاريخي للإنسان وحضارته، عن دولة جمعت بين أصالة الماضي وجديد الحاضر، لها تواجد مستمر في تاريخ الحضارات المختلفة. سأتناول الحديث عن دولة أذربيجان من حيث التاريخ والجغرافيا ومدى ارتباطها ذلك الارتباط الوثيق بأعمق العلاقات وأوثق الصلات وأمتن الروابط بجمهورية مصر العربية. فالعلاقات بينهما تمتد لقرون عديدة في مجالات الحياة المختلفة من بينها الثقافي والسياسي والعلمي والأخوي وغيرها، كما أتناول هنا أيضا الأدوار التي قام بها الأذريون وأسهموا بها في بناء الحضارات المختلفة عبر التاريخ.
وقبل الدخول في الحديث عن العلاقات بين مصر وأذربيجان لا بد من إلقاء الضوء على تاريخ وجغرافيا أذربيجان لتقريب الصورة للقارئ الكريم.

أذربيجان قبل الإسلام
أَثبتتْ الدراسات التاريخية أن «أذربيجان» من البلاد الموغلة في القدم، وأن الإنسان البدائي سكنها منذ العصر الحجري القديم، وقد جذبت ثرواتها مختلف شعوب العالم إلى جنباتها، كما شهدت نشوء عديد من السلالات الملكية والدويلات ثم زوالها.
في أواخر الألف الثاني وأوائل الألف الأول قبل الميلاد بدأت تظهر الفروق الاجتماعية في أذربيجان، كما تكونت آنذاك وحدات سياسية ذات حجم كبير جنبًا إلى جنب، مع مراكز قبلية طائفية على ساحل بحيرة «أورمو» في أوائل الألف الأول قبل الميلاد، وتسمى رؤساء تلك الوحدات بالقياصرة.
وفي القرن الرابع قبل الميلاد نشأت في أذربيجان دولتان اثنتان: دولة الأطروباتينة في الجنوب ومملكة ألبانيا في الشمال، ومنذ القديم انقسمت أراضي أذربيجان قسمين، كما هو الحال الآن: القسم الجنوبي ـ وانضم إلى أطروباتينة ـ بينما قامت على الجزء الشمالي مملكة ألبانية .

أذربيجان بعد الإسلام
يتحدث صاحب «معجم البلدان» واصفًا الفتح الإسلامي لأذربيجان: «وقد فتحت أولاً في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان عمر قد أنفذ المغيرة بن شعبة الثقفي واليًا على الكوفة، ومعه كتاب إلى حذيفة بن اليمان بولاية أذربيجان، فورد الكتاب على حذيفة وهو بنهاوند فسار منها إلى أذربيجان في جيش كثيف حتى أتى أردبيل، وهي يومئذ مدينة أذربيجان.
وكان مرزبانها قد جمع المقاتلة من أهل باجروان وميمذ والبذ وسراو وشيز والميانج وغيرها، فقاتلوا المسلمين قتالاً شديدًا أيامًا، ثم إن المرزبان صالح حذيفة على جميع أذربيجان على ثمانمائة ألف درهم وزن على أن لا يقتل منهم أحدًا، ولا يسبيه، ولا يهدم بيت نار، ولا يعرض لأكراد البلاشجان وسبلان وميان روذان، ولا يمنع أهل الشيز خاصة من الزفن في أعيادهم، وإظهار ما كانوا يظهرونه.
ثم إنه غزا موقان وجيلان فأوقع بهم وصالحهم على إتاوة، ثم إن عمر رضي الله عنه عزل حذيفة وولى عتبة بن فرقد على أذربيجان، فأتاها من الموصل، ويقال: بل أتاها من شهرزور على السلق الذي يعرف بمعاوية الأذري، فلما دخل أردبيل وجد أهلها على العهد وقد انتفضت عليه نواحٍ، فغزاها وظفر وغنم، فكان معه ابنه عمرو بن عتبة بن فرقد الزاهد.
وعن الواقدي: غزا المغيرة بن شعبة أذربيجان من الكوفة سنة اثنتين وعشرين ففتحها عنوة، ووضع عليها الخراج.
وروى أبو المنذر هشام بن محمد عن أبي مخنف أن المغيرة بن شعبة غزا أذربيجان في سنة عشرين ففتحها، ثم إنهم كفروا فغزاهم الأشعت بن قيس الكندي، ففتح حصن جابروان وصالحهم على صلح المغيرة، ومضى صلح الأشعث إلى اليوم» .
وأضاف الحموي: «وقال المدائني: لما هزم المشركون بنهاوند رجع الناس إلى أمصارهم، وبقي أهل الكوفة مع حذيفة فغزا بهم أذربيجان، فصالحهم على ثمانمائة ألف درهم، ولما استعمل عثمان بن عفان رضي الله عنه الوليد بن عقبة على الكوفة عزل عتبة بن فرقد عن أذربيجان، فنقضوا فغزاهم الوليد بن عقبة سنة خمس وعشرين، وعلى مقدمته عبد الله بن شبيل الأحمسي، فأغار على أهل موقان والتبريز والطيلسان فغنم وسبا، ثم صالح أهل أذربيجان على صلح حذيفة» .
وفي «مختصر تاريخ أذربيجان» ما حاصله: «غزا المسلمون الفرس، واستولوا عام 54 هـ/673م على عاصمتهم، ثم دخلوا أذربيجان، حتى انتهى الأمر بدخول الأذربيجانيين في الإسلام، وفي زمن العباسيين حدثت بعض الانتفاضات ضد الهيمنة العربية في المنطقة، وتحولت إلى حرب مع الخلافة وصلت إلى الذروة» .
إن الشعوب التي انضوت تحت راية الخلافة الإسلامية في منطقة أذربيجان دخلت في علاقات ثقافية متبادلة فيما بينها، وبدأت ثقافة بعضها تؤثر في بعض، ومنذ القرن التاسع بدأت بعض المدن الأذربيجانية بالنهوض والازدهار والاتساع.

المنطقة الجغرافية لأذربيجان
ويطيب لي في هذه العجالة تسليط الأضواء على بعض المعلومات المتعلقة بجغرافية أذربيجان، من خلال ما سجله العلماء والباحثون، بقدر ما يحتاج إليه القارئ لهذه المقالة العلمية، لا أكثر؛ فإن لكل فن رجاله، ولكل مقام مقاله.
بلاد «أذربيجان» تحتل مكانة ذات أهمية كبيرة في الدراسات الجغرافية، يعرف ذلك كل من يطلع على الدراسات القديمة والحديثة للباحثين في التاريخ والحضارة والجغرافيا وأشباهها من العلوم، وذلك لأن هذه البلاد من أجمل بلاد الله سبحانه وتعالى وأخصبها؛ ففيها النفط والغاز والقطن والعنب والطبيعة الخلابة والخ، حيث تعددت عطاياها وتنوعت مظاهرها، وتمهدت سهولها وأطلالها؛ ليعيش الناس فيها منعّمين بنعم الله عز وجل الجليلة، يقول ياقوت في «معجم البلدان» متحدثا عن باكويه؛ ـ أي باكو عاصمة أذربيجان في يومنا هذا ـ: فيه عين نفط عظيمة تبلغ قبالتها في كل يوم ألف درهم وإلى جانبها عين أخرى تسيل بنفط أبيض كدهن الزيبق لا ينقطع ليلا ولا نهارا تبلغ قبالته مثل الأول، وحدثني من أثق به من التجار أنه رأى هناك أرضا لا تزال تضطرم نارا، وأحسب أن نارا سقطت فيه من بعض الناس فهي لا تنطفئ؛ لأن مادتها معدنية .
وقال أيضا موضحا لحدود أذربيجان: «وحد أذربيجان من برذعة مشرقا إلى أرزنجان مغربا ويتصل حدها من جهة الشمال ببلاد الديلم والجيل والطرم وهو إقليم واسع» .
وقد أورد ابن الفقيه في كتابه «البلدان» أسماء بعض المدن الأذربيجانية فقال: ومن مدنها: بركري، وسلماس، وموقان، وخويّ، وورثان، والبيلقان، والمراغة، ونريز، وتبريز، و يتّصل الحدّ الثاني من الجانب الشرقيّ ببلاد الديلم، والطّرم، وجيلان، ومن مدنهم: برزة، وسابرخاست، والخونج، والميانج، ومرند، وخويّ وكولسره، وبرزند، وكانت خرابا فمدّنها الأفشين ونزلها، والطريق من برزند إلى ورثان وهي آخر عمل آذربيجان اثنا عشر فرسخا، ومنها: جنزة، وجابروان، وأرمية مدينة زردشت، والشيز وبها بيت نار آذرجشنس، وهو عظيم القدر عند المجوس، ورستاق السّلق، ورستاق سندبايا، والبذّ، ورستاق ما ينهرج، ورساتيق أرم، وخراج آذربيجان ألفا ألف درهم، وورثان آخر عمل آذربيجان من ذلك الوجه .
قال ياقوت واصفًا طبيعة أذربيجان: «وهو صقع جليل ومملكة عظيمة، الغالب عليها الجبال، وفيه قلاع كثيرة وخيرات واسعة، وفواكه جمة، ما رأيت ناحية أكثر بساتين منها ولا أغزر مياها وعيونا، لا يحتاج السائر بنواحيها إلى حمل إناء للماء؛ لأن المياه جارية تحت أقدامه أين توجه، وهو ماء بارد عذب صحيح» .
مع العلم أن معظم هذه المدن انتزعت من أذربيجان، وصارت داخل حدود الدول الأخرى بسبب ثرواتها الهائلة واستراتيجيتها الجغرافية.
ولم يكن الأذربيجانيون مشغولين بالعلم فحسب بل كانوا مشهورين في الصناعات، وخير دليل على ذلك الشهادة القرآنية، فمن الأشياء التي أثلجت صدري وجعلتني أنتشي فرحًا وسرورًا ما عثرت عليه أثناء بحثي عن كيفية النسبة لأذربيجان، وهو ما قاله الإمام ابن عاشور عند تفسيره للآية التي تتحدث عن نعيم أهل الجنة، وهي قوله تعالى: ﴿وزرابي مبثوثة﴾:
«﴿وزرابي﴾: جمع زربية بفتح الزاي وسكون الراء وكسر الموحدة وتشديد الياء، وهي البساط أو الطنفسة «بضم الطاء» المنسوج من الصوف الملون الناعم، يفرش في الأرض للزينة والجلوس عليه لأهل الترف واليسار، والزربية نسبة إلى «أذربيجان» بلد من بلاد فارس وبخارى، فأصل زربية أذربية، حذفت همزتها للتخفيف لثقل الاسم لعجمته واتصال ياء النسب به، وذالها مبدلة عن الزاي في كلام العرب ...، وبلد «أذربيجان» مشهور بنعومة صوف أغنامه، واشتهر أيضًا بدقة صنع البسط والطنافس ورقة خملها» .
وكذلك ما روي عن أبي بكر الصديق  أنه قال حين حضرته الوفاة وعزم على استخلاف عمر  لمن كره ذلك: فكلكم ورمَ أنفُه أن يكون له الأمر من دونه، والله! لتتخذن نضائد الديباج وستور الحرير، ولتألمن النوم على الصوف الأذربي، كما يألم أحدكم النوم على حسك السعدان. يشير إلى ما كان من الاتساع في الدنيا، والصوفُ الأذربيُّ منسوب إلى أذربيجان .
خريطة أذربيجان في عهد الخلافة العربية (الإسلامية) من النصف الثاني للقرن السابع إلى النصف الأول للقرن التاسع الميلادي

تطور العلاقات بين مصر وأذربيجان قديما وحديثا
لقد كان هناك منذ القدم علاقات متينة بين مصر وأذربيجان على جميع الأصعدة المختلفة، تمر الأيام وتتوالى على هذه العلاقات فتزداد متانة وقوة وعمقا إلى يومنا هذا، فقد وُجد المصريون في أذربيجان منذ القدم يقول ابن الفقيه في كتابه «البلدان» عند حديثه عن أذربيجان: وأخبرني واقد أن العرب لما نزلت أذربيجان نزعت إليها عشائرها من المصريين والشاميين... .
كما أن الشخصية الأذربيجانية موجودة دائما في النسيج المصري المميز على مر العصور، فالتاريخ يشهد أن كثيرا من علماء أذربيجان درجوا بمصر ونزلوا بها واستوطنوها إما تعلما أو تعليما أو زيارة أو استجازة أو إجازة أو غيرها...
فكانت مصر حاضنة لهم لم يشعروا فيها يوما بالوحشة والاغتراب، بل كان أهلها من أهاليهم يمارسون حياتهم وأعمالهم كأنهم في بلدهم الأصلي، بل بلغ الترحاب والاستضافة من أهل مصر الكرام بعد الحب والإجلال والإكبار إلى أن نصبوهم في مناصب مختلفة من الدولة فمنهم من تولى القضاء ومنهم من تولى التعليم والتدريس وغيرها من الوظائف. فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على التعظيم الكبير والثقة المستحقة التي كان يوليها أهل مصر الكرام للعلم وأهله كما يدل على الكرم وحسن الوفادة التي كان يحظى بها كل من نزل بمصر أومر بها.
ولا تزال تلك العلاقات متواصلة حتى يومنا هذا. وذلك التقارب في العلاقات يرجع إلى عدد من القواسم المشتركة بين الدولتين العريقتين يتصدرها الدين وتنتهي إلى ما هي عليه الآن من تعاون مشترك قوي يشمل جميع قطاعات الحياة.
وآثار الأذربيجانيين في مصر جلية ظاهرة، وبصماتهم واضحة غير خفية، فقد كان للبطل الأذربيجاني صلاح الدين الأيوبي مكانته الشهيرة، وأصبح مضرب الأمثال في الشجاعة مدى تعاقب الليل والنهار، فلقد كان نموذجا فذا يعترف له بذلك الصديق والعدو، الدليل على ذلك ما دبّجته كتب التاريخ وخلدته للأجيال، ولم أر أحدا من المؤرخين مما تيسر لي الاطلاع عليه ينازع في أن صلاح الدين من أذربيجان.
المكانة العلمية للأذربيجانيين.
تتمتع أذربيجان بمكانة علمية متطورة جعلتها بين الأمم المختلفة دولة ذات موروث علمي وثقافي وازن، فتاريخ هذه الدولة العريقة غني بالإنجازات والعطاءات المختلفة، كما أن للعلماء الأذريين تاريخا حافلا مشهودا بالعطاء والتفاني حجز لهم ا لصدارة في مختلف الميادين والمجالات العلمية.
ومن الأشياء التي تعكس مكانة العلماء الأذربيجانيين ودورهم الفعال في صنع الحضارات، هو أنهم لم يحلوا في أي مكان ولم ينزلوا في أي موطن إلا وتجد لهم آثارا حسنة في بناء الحياة بالبلدان التي نزلوا بها.
وهذا ما جعل الحافظ الكبير أبا طاهر السلفي المدفون بالإسكندرية يثبت لهم الفضل والسبق والمكانة السامقة اللائقة بهم فيقول:
بلادُ أذَرْبِيجَانَ في الشّرقِ عندَنا كأندَلُسٍ بالغَرب في العلمِ والأدبْ
فما إن تكادُ الدّهرَ تلقَى مُميَّزاً من أهلِيهمَا إلاّ وقدْ جدَّ في الطّلبْ
فقد قرن أبو طاهر السلفي في بيتيه هذين بين أذربيجان والأندلس في العلوم والآداب، وقرن بين أهل أذربيجان والأندلس بأنهما تجمعها روح الجدية في الطلب والتفاني في العمل.والكل يعرف الأندلس وقيمتها العلمية و ميزتها حضارتها الراقية المرموقة.
ويقول الشاعر المشهور البحتري مادحا أهل أذربيجان: من الكامل
يا أهل حوزة أذربيجان الألى
ما كان نصرُكم بمذمومٍ
لم تقصُرِ الأيدِي ولم تَنْبُ الظُّبا
وَأَرَى الوفَاءَ مفرَّقاً ومُجمَّعاً
حازُوا المكارمَ مشْهداً وَمَغيبَا
ولا إحسانُكم بالسيئاتِ مشوبَا
منكُم ولم تكُن المقالَةُ حُـوبَا
يحْتلُّ منكُمْ ألسُناً وقُلُوبَا

هذه جملة من المكارم والمحامد يشهد بها الشاعر البحتري لأذربيجان وأهلها، وهي خصال معروفة فيهم حقا، فالإحسان والكرم من شيم أهل أذربيجان والوفاء التام والإخلاص من طبائعهم والصدق والمودة الصافية من صفاتهم.
أما العلماء الأذريون فلهم بصمات مشرقة على جبين التاريخ الإنساني، فقد قاموا بدور فعال متميز في تطور العلوم وترسيخها وفي نشر القيم وتعميمها، فإبداعاتهم القيمة لا تحصى وإسهاماتهم المعرفية لا تعد، فقد قال الإمام الجزري: عند ذكره لإحدى المدن الأذربيجانية: خرج منها جماعة من العلماء في كل فن، وأضاف السمعاني: في كل فن قديما وحديثا. فلا أحد يجهل روائع الخطيب التبريزي اللغوية ولا بدائع العلامة البيضاوي عالم أذربيجان في التفسير، ورئاسة ابن النفيس فتح الله بن معتصم في الطب، وفي الفقه وأصوله فابن الحاجب ومؤلفاته غنية عن التعريف فقد اشتهر صيتها في المشارق والمغارب، وفي علمي الكلام والجدل فصفي الدين الأرموي يعتبر من الرواد الأوائل لهذا الفن وغير هؤلاء كثير، منهم على سبيل المثال العلامة الدراكة أبو عبد الله الباكوي وأحد أقطاب التصوف الشيخ العارف يحيى بن بهاء الدين الشماخي الباكويي والمحدث الكبير سعيد بن عمرو البرذعي والإمام أبو المعالي عبد الملك البيلقاني والعالم المتبحر أبو حفص الجنزي والعلامة أحمد الشرواني والعلامة أبو الخير الشماخي والعالم العلم جمال الدين الموقاني والشيخ علوان النخجواني والقائمة طويلة .....
وأود هنا أن ألفت النظر إلى الشاعر البارع الفذ أبو محمد النظامي الكنجوي ـ نسبة إلى كنجة ويقال أيضا جنزة، ثاني كبرى المدن الأذربيجانية ـ: يقول عنه القزويني في آثار البلاد: ينسب إليها ـ جنزة ـ أبو محمد النظامي كان شاعرا مفلقا عارفا حكيما الفذ له ديوان حسن وأكثر شعره إلهيات ومواعظ وحكم ورموز العارفين وكناياتهم، وله: داستان خسرو وشيرين، وله داستان ليلى ومجنون، وله مخزن الأسرار وهفت بيكر ... .

شخصيات علمية أذربيجانية مشهورة نزلت بمصر
كثيرة هي الشخصيات العلمية التي درجت بمصر أو استوطنتها تعليما وتعلما فتركوا صدى طيبا وآثارا حسنة تشهد لهم بحسن السيرة وطيبوبة المعشر وغزير العلم والمعرفة. وأود هنا أن أورد أسماء بعض العلماء الأذربيجانيين الذين استنارت بهم مصر وأهلها لأن الإحاطة بهم جميعا يحتاج إلى مقام أوسع من هذه المقالة.
أولا: صلاح الدين الأيوبي من أذربيجان يقول ابن خلكان: السلطان صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي، الملقب الملك الناصر صلاح الدين صاحب الديار المصرية والبلاد الشامية والفراتية واليمنية؛ وقد تقدم في هذا الكتاب أي (وفيات الاعيان) ذكر أبيه أيوب وجماعة من أولاده وعمه أسد الدين شيركوه أخيه الملك العادل أبي بكر محمد، وجماعة من أولاده وغيرهم من أهل بيته؛ وصلاح الدين كان واسطة العقد، وشهرته أكبر من أن تحتاج إلى التنبيه عليه. اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دوين، بضم الدال المهملة وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، وهي بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج .
ويقول ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ: وسبب اتصاله (أسد الدين) بنور الدين فإنه كان هو وأخوه نجم الدين أيوب ابنا شاذي من بلودين (بلدة دوين) من أذربيجان .
ثانيا: ابن نفيس فتح الله بن معتصم بن نفيس الداودي العناني التبريزي: رئيس الأطباء وكاتب السر بمصر. ولد بتبريز ونشأ بالقاهرة وتفقه بالحنفية، وتعلم عدة لغات وتفوق في الطب. وولاه الظاهر برقوق رياسة الأطباء ثم كتابة السر، وخلع عليه سنة 801 هـ فاستمر إلى أن مات الظاهر، وولي فرج الناصر فقبض عليه سنة 808 هـ وألزمه بمال فحمله، فأفرج عنه، وأعيد إلى كتابة السر بعد تسعة أشهر. واتسعت حاله ونيط به جل الأمور إلى أن قتل الناصر، وخلفه المستعين بالله العباسي. واستبد أحد الأمراء شيخ بن عبد الله المحمودي بالمملكة المصرية واعتقل الخليفة، فقبض على فتح الله سنة 815 هـ... وكان من خير أهل زمانه علما ودينا وأدبا وسياسة .
ثالثا: قاضي العسكر الأرموي: وفي الوافي بالوفيات: محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن ظفر القاضي شمس الدين أبو عبد الله العلوي الحسيني الأرموي المصري المعروف بقاضي العسكر، ولد سنة ثمان وسبعين، وتفقه على شيخ الشيوخ صدر الدين وصحبه مدة، وولي نقابة الأشراف وقضاء العسكر وترسل إلى العراق، وكان من كبار الأئمة وصدور المصريين وله يد طولى في الأصول والنظر، توفي سنة 650 هـ خمسين وست مئة .

رابعا: ابن قاضي العسكر الأرموي: قال ابن حجر: هو علي بن الحسين بن علي بن الحسين بن خلف بن محمد الحسيني الأرموي شرف الدين أبو الحسن نقيب الأشراف المعروف بابن قاضي العسكر ولد سنة 691هـ وأمه بنت الصاحب فخر الدين الخليلي وقد سمع منه ومن زينب بنت شكر وابن الشحنة وغيرهم وتفقه للشافعي وقرأ العربية والأصول وسمع من جماعة ودرس بالآقبغاوية والمشهد الحسيني وولي حسبة القاهرة مرة ووكالة بيت المال والتوقيع وكان مليح الهيئة طلق العبارة فصيح الإشارة كثير المشاركة في العلوم ينشئ الإنشاء الحسن، شرح المعالم في أصول الفقه. قال ابن رافع عين مرة لقضاء الشافعية وكان من أذكياء العالم. وقال تاج الدين السبكي: هو وابن نباتة وابن فضل الله أدباء العصر في النثر ويفوق هو عليهما في العلوم ويفوقان عليه في الشعر. قلت : ما يفوق ابن نباتة ابن فضل الله في الشعر الأقاصر في النظم جدا. ومات في النصف من جمادى الآخرة سنة 757هـ قاله ابن رافع. وقال شيخنا العراقي مات ليلة الاثنين ثالث عشرة وهو المعتمد .
خامسا: علي بن عبد الله بن الحسين بن أبي بكر الأردبيلي التبريزي أبو الحسن تاج الدين باحث من علماء الشافعية، ولد في أردبيل بأذربيجان وسكن تبريز. رحل إلى بغداد فمكة حاجا فمصر وأفتى وهو ابن ثلاثين سنة. وأصم في آخر عمره، ومات بالقاهرة. له مبسوط الأحكام في دار الكتب، وكتب في التفسير والحديث والأصول والحساب، منها الكافي في علوم الحديث في استامبول، والقسطاس المستقيم في الحديث الصحيح القويم ايضا .
سادسا: أبو عبد الله الأرموي: يقول الحموي: وينسب إليها ـ أرمية ـ جماعة منهم أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن محمد بن الشويخ الأرموي نزل مصر وتوفي بها سنة 460هـ. وفي تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام يقول الحسين بن عبد الله بن الحسين ابن الشويخ، الفقيه أبو عبد الله الأرموي الشافعي. سمع: أبا محمد عبد الله بن عبيد الله بن البيع وعبد الواحد بن محمد بن سبنك ببغداد ومحمد بن محمد بن محمد بن بكر الهزاني بالبصرة. روى عنه: عمر الرواسي. وتوفي بمصر بعد الستين وأربعمائة .
سابعا: أبو العباس الأشنوي: وفي معجم الشيوخ للإمام السبكي: أحمد بن محمد بن عمر بن أبي الفرج بن سوار بن عبد الباقي بن عبد الكافي الأشنوي الأصل، الصوفي شهاب الدين أبو العباس الناسخ. سمع من الشيخ كمال الدين أبي الحسن علي بن شجاع الضرير والنجيب عبد اللطيف والعز عبد العزيز ابني عبد المنعم الحراني، والزاهد تقي الدين أحمد بن عبد الواحد الحوراني، ومحمد بن عبد المؤمن الصوري، وحدث. وكان يؤم بمسجد الحلبيين بالقاهرة، وتفرد ببعض شيوخه .
ثامنا: الفقيه الفاضل أبو الخير مظفر بن أبي الخير بن إسماعيل بن علي الواراني التبريزي الشافعي الملقب بالأمي. قدم بغداد وتفقه بها على الإمام أبي القاسم بن فضلان وغيره مدة حتى حصل طرفا صالحا من المذهب والخلاف والأصول، وتكلم في المسائل وتولى الإعادة بالمدرسة النظامية مدة، ثم خرج عن بغداد مسافرا إلى الديار المصرية فأقام بها مدة وتولى التدريس بها بالمدرسة الناصرية بمصر المجاورة لجامعها العتيق المعروفة بابن زين التجار واستفاد أهلها منه وأخذوا عنه .
تاسعا : أفضل الدين الخونجي: يقول ابن أبي أصيبعة: هو أفضل الدين الخونجي الإمام العالم، الصدر الكامل، سيد العلماء والحكماء، أوحد زمانه، وعلامة أوانه، أفضل الدين أبو عبد الله محمد بن ناماوار الخونجي، قد تميز في العلوم الحكمية، وأتقن الأمور الشرعية قوي الاشتغال كثير التحصيل، اجتمعت به في القاهرة في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة فوجدته الغاية القصوى في سائر العلوم، وقرأت عليه بعض الكليات من كتاب القانون للرئيس بن سينا، وكان في بعض الأوقات يعرض له انشداه خاطر لكثرة أنصباب ذهنه إلى العلم، وتوفر فكرته فيه، وفي آخر أمره تولى القضاء بمصر، وصار قاضي القضاة بها وبأعمالها، وكانت وفاته رحمه اللَّه بالقاهرة يوم الأربعاء خامس شهر رمضان سنة 646 هـ ست وأربعين وستمائة ودفن بالقرافة، وقال الشيخ عز الدين محمد ابن حسن الغنوي الضرير الأربلي يرثيه:
قضى أفضلُ الدُّنيا فلم يَبقَ فاضلٌ وماتَ بموتِ الخونجِيَّ الفضائلُ
فيا أيّها الحَبرُ الذي جاءَ أُخرةً فحَلَّ لنا ما لم تحُلَّ الأوائلُ
عاشرا: ابن الحاجب الدويني ـ نسبة إلى دوين البلدة التي ينسب إليها صلاح الدين الأيوبي ـ، ثم المصري: وفي «نهاية الأرب في فنون الأدب»: الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو عمرو عثمان ابن عمر بن أبي بكر بن يونس الدويني ثم المصري الفقيه المالكي المعروف بابن الحاجب.
كان والده حاجب الأمير عز الدين موسك الصلاحي متولي الأعمال القوصية، ومولده بإسنا ـ مدينة مشهورة من عمل قوص ـ في سنة سبعين وخمسمائة، وانتقل إلى القاهرة في صغره فقرأ القرآن واشتغل بالعلم على مذهب الإمام مالك فتفقه واشتغل بالعربية فبرع وأكب على الاشتغال حتى صار يشار إليه، وانتقل إلى دمشق ودرس بجامعها وكان من أحد الناس ذهنا وغلب عليه علم العربية، وقيل إنه قدم إلى دمشق مراراً آخرها سنة سبع عشرة وستمائة، وصحب شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام واختص به ولازمه وخرج معه من دمشق في سنة ثمان وثلاثين وستمائة وقدم إلى الديار المصرية، وأقام بالقاهرة واشتغل الناس عليه، وله مصنفٌ في مذهب الإمام مالك، هو من أجود مختصرات المالكية ما حفظه طالب منهم إلا وأشير إليه بالفقه. ثم انتقل إلى ثغر الإسكندرية للإقامة به فلم تطل مدة إقامته بالثغر، وكانت وفاته في ضحى يوم الخميس سادس عشر شوال، ودفن بخارج باب البحر رحمه الله تعالى.
ومن شعره:
إن غبتم صورةً عن ناظِريَّ فما زلتُم حضوراً على التحقيقِ في خَلَدي
مثلُ الحقائقِ في الأذهانِ حاضرةٌ وإن تُرد صورةً من خارجٍ تجِد
ولم تكن جهود الأذربيجانيين في مصر مقتصرة على الرجال بل هناك عالمات مشهورات أذربيجانيات، وذلك على سبيل المثال: العالمة فاطمة فخراوي الكنجي كما ذكرها أبو طاهر في معجم الشيوخ .
وفي الختام أتوجه إلى القراء الكرام وأؤكد على أن العلاقة بين البلاد يجسدها الشعوب التي تسكن فيها، وقد صنع أسلافنا وأجدادنا أروع الأمثلة في الوحدة وكانوا سببا في توطيد العلاقة بيننا دون تعصب، ولم يبخل أحد منهم بالتضحية لمصالح شعوبهم، ومن هنا فإننا إذا أردنا التقدم والتطور والحفاظ على الأمن والأمان والمكانة السامية المرموقة فعلينا مساندة بعضنا بعضا والوقوف جنبا إلى جنب دائما، كما كان عليه أسلافنا، وألا نبخل عن العالم الذي نحن جزء منه بما هو لصالح نهضته.
وأخيرا أشكر كل القراء، ومن أراد الاستزادة فليتفضل بمطالعة كتابي تحت عنوان: تراجم أذربيجانية في المصادر العربية حتى القرن العاشر الهجري.

الكاتب.. باحث في مرحلة الدكتوراه بقسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة الأمريكية المفتوحة بالقاهرة
2/8/2014 القاهرة

التعليقات