أخر المقالات

برميل الحكمة ديوجين الكلبي

الكاتب : محمود عدلى

يذكر الشاعر العراقي الشهير محمد مظلوم فى ديوانه و الذى هو بعنوان " أسكندر البرابرة " قصة جميلة بين أسكندر الاكبر و ديوجين الكلبي الفيلسوف اليوناني المشهور أن الاسكندر الاكبر كان يمشى بحملته و مر على مدينة كورينث التى يتواجد بها ديوجين الكلبي و كان الاسكندر الاكبر يتابع أخبار ديوجين الكلبي و كان يبدى أعجاباً شديداً به حتى قال :
لو لم أكن الاسكندر لتمنيت أن أكون ديوجين ...
ديوجين الكلبي أشتهر عنه أنه كان يعيش بداخل برميل فلما أطل عليه الاسكندر الاكبر قال لديوجين :
أطلب ما تشاء و سأوفره لك حتى إن كان ذلك نصف مملكتي .
فاجابه ديوجين من داخل البرميل :
رجاء تنحّ قليلا من أمامي إنك تحجب عني أشعة الشمس. إنك تحرمني من الشيء الوحيد الذي لا تستطيع منحي إياه .

بالطبع كانت أجابة عبقرية و ذكية من فيلسوف رائع مثل ديوجين الكلبي كان مخزاها انه ليس كل ما نتمناه نستطيع تحقيقه و لا كل شئ نستطيع أمتلاكه و اننا لا حول لنا و لا قوة الشمس تجرى علي الاسكندر مثلما تجرى على ديوجين و باقى الناس عليا أى أن الأسكندر الاكبر مثل أى شخص لكن أين الفرق اذاً يمكن هذا ما أراد أن يوضحه ديوجين الكلبي و حينما أعجب الجواب الاسكندر الاكبر فقال و هو يشير الى البرميل الذى كان يعيش فيه ديوجين الكلبي :
هذا برميل مليء بالحكمة .
لكن ديوجين أراد أن يعلم الاسكندر الاكبر درسا يعرفه فيه حجم المعاناة و انه أخطأ للمرة الثانية على التوالي فقال له :
أتمنى لو كان لدي بدل هذا البرميل المليء بالحكمة نقطة واحدة من الحظ الجيد. للحكمة طعم مر، وأحياناً تودي بك إلى الهلاك، بينما الحظ يفتح لك أبواباً ويحقق لك سعادة ما كنت تحلم بها .

أراد ان يقول له ليس معنى اننى حكيم او لدي الحكمة أعيش فى سعادة بل على العكس أنا أعانى من الحكمة فى وسط مجتمع جاهل ملئ بالتناقضات وهنا يصدق قول الشاعر :
ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ *** وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ
فعلاً أكتر ناس مرهقة و محملة بالاثقال فى أى مجتمع هم المثقفون و العلماء و الحكماء كونهم عاجزون عن التغيير هذا فى حد ذاته مؤلم ان يرى المجتمع ينتحر يومياً , شئ لا يطيقه حر ... والخلاصة من كلام ديوجين الكلبي ان السعادة ليست فى الحكمة بل على العكس قد تكون الحكمة تجلب عليك شقاء و بؤس شديد طيلة حياتك بينما يعيش البلهاء فى سعادة و رخاء وقد يكون هذا من علامات الساعة لما رواه أحمد في مسنده والترمذي في جامعه، وحسنه البيهقي في دلائل النبوة من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صل الله عليه و آله وسلم قال :
لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع .
و فى رواية من حديث أنس بن مالك رضى الله عنه أنه صلي الله عليه وسلم قال :
لا تذهب الأيام والليالي حتى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع .

والامام البغوى فى كتابه " شرح السنة " يقول :
و الــ " لكع " هم العبيد السفلة ...

لكن أنتبه السعادة المقصودة هنا هى السعادة الدنيوية , أما السعادة القلبية و الراحة النفسية لا يعرفها الا الحكماء و العلماء الربانين فى كل أمة من الامم مهما لاقوا و ذاقوا الأمريَّن ..

التعليقات