أخر المقالات

المسعف

المسعف قصه للكاتبه أماني فهمي من مجموعتها رجل يبحث عن مقاس مناسب
بعد ثورة (يناير 2011 القاهره ) بقليل كانت العربات تصطف على كورنيش النيل بالقاهره, عربات الاسعاف ذات اللون الأورانجي المحبب لدى نادين ( لا احد منهم يعرف لم هذا اللون تحديدا لعربات الإسعاف, ولا حتى كاتب هذه القصة نفسه يعرف ) لم يكن هناك قتيل, ولا غريق ولا جريح, و لكن كان تظاهرمن أجل زيادات الرواتب والأجور, كانت نادين تزور عمتها بالقاهره فرحه جدا بالكاميرا الفيديو ال جابهالها أبوها من بره ( نفسي أصور المظاهرات ) كانت أمها تمنعها خوفا عليها, تمنعها من التصوير و من النزول للمظاهرات معا, محاولات نادين لإقناع أمها تبوء دائما بالفشل, و في ذلك اليوم كانت سيارة عمتها تقلهما من محطة المنيب في إتجاه العجوزه حيث تسكن العمه, ياماما و النبي يا ماما أصورهم. ودول هتصوري فيهم إيه؟ عربيات اسعاف و واقفه : - لا شكلها مظاهره, بطئي بس يا عمتو أبطأت العمه السرعه و أخرجت نادين الكاميرا و شغلت الفيديو و سألتهم فيه إيه قالوا لها : إضراب ضحكت نادين و قالت: عشان إيه؟ حتى يسقط النظام؟ ماهو سقط و خلاص
أجابها أحد المسعفين ( سيلمان ) : الرواتب ياأستاذه دفعه زميله محاولا سرقة الكاميرا: إحنا متعرضين للعدوى و مافيش بدلات همست الأم للعمه : واضح إنهم فاهمينها مذيعه أحدهم سألها : هو البرنامج ده هيطلع على أى قناه ؟ ردت نادين: عاليوتيوب وبالفعل بالليل و عاليوتيوب كانت نادين تحمل ما صورته معهم من لقاءات كام واحد ممكن يشوف اليوتيوب ده؟ سألتها ابنة عمتها ساخره. إبن العمه كان فرحان لأن باباه جابله عربيه جديده, و بيحذره و بيحدد له يسوق فين ومايسوقشي فين, بص لليوتيوب ال نادين حملته و قال لها : ربنا ما يحوجنا ليهم ضحكت نشوى بنت الجيران الصغيره ال جايه تسلم على طنط نادين قبل ما ترجع بلدهم و قالت : يا أونكل همه هنا همه ال محتاجين لينا مش العكس. نادين رجعت بلدهم , و رجعت تاني كايرو كما كانت تسميها , و من كايرو لبلدهم ومن بلدهم لكايرو كانت الكاميرا لا تفارقها ,صوره للترعه و صوره للنيل, صوره للفلاح و البقره و صوره للميكانيكي و العربيه, صوره للحنطور عالنيل و صوره للجمل في الهرم.
( ما انتيش رايحه مظاهرات) أمها كانت دايما تنبهها مع كل زياره للعمه ( لو هتخرجي مع ولادها مانتيش رايحه مظاهرات, أمانه عليك يا حسين ( ابن العمه ) و امانه عليكي يا نسمه ( بنت العمه ) لو رايحين مظاهرات سيبوها في البيت, ما حيلتيش غيرها.
عمتها كانت عكس أمها : روحوا يا ولاد, القضا ماحدش بيمنعه و يقرأ زوجها الآيه الكريمه : أينما تكونوا يدرككم الموت و لو كنتم في بروج مشيده نادين كانت تتذمر : و يعني هو أنا ال مكتوب عليا أقعد هنا و تنظر من البلكونه لهم و تلوح بالعلم
تصيح بأمها : والله يا ماما دي سالي شهيدة الثوره أمها حاولت تمنعها من المظاهرات قامت وقعت من البلكونه, هو قدرها اليوم ده و الساعه دي سواء هي في بيتها او في الشارع صوت أمها أكثر صرامه: ادخلي من البلكونه نادين تؤفئف : يادي القرف ( بينما الم تغلق باب البلكونه ) قبل ما تموت بيوم أصرت تنزل معاهم, ( نفسي أصور المظاهرات يا حسين ), ( لا ما ينفعش ) ( ليه يا حسين ؟ ده أنا بقول عنك عاقل ) ( ماهو عشان أنا عاقل, انت لو واخده بالكو مامتك اول ما بنرجع من خروجه بتدعبس في الكاميرا تعرف إنت مصوره ايه عشان تفهم انت كنت فين و احنا بنخدعها ولا لأ ) ( خلاص هات تليفونك انا هصور بيه , انت عارف؟ انا بشوف الحاجات دلوقتي بعين الكاميرا , مش بعيني أنا) كنت فرحانه وسط الناس حسين ماسك إيدها بإيده اليمين و إيد أخته بإيده الشمال: : حسين : أوعوا تفلتوا مني البنات: حاضر هتفت نادين مع الهاتفين : ياللى ساكت ساكت ليه خدت حقك ولا إيه؟ أخوك ما ماتشي ولا إيه؟ أختك ما ماتتشي ولا إيه نظر لها حسين و قال : الهتاف ده بيضايقني على فكره. البنات : ليه يا حسين؟ حسين: لأنه بيخون الساكتين و بينفي عنهم إنه ممكن يكون لهم رأى تاني ضحكت نادين : زي رأي مامتي ال بتخاف عليا, ماهو الخوف رأي و وجهة نظر برضه الميدان كان مزدحما, دخولهم إلى وسطه كان معجزه و خروجهم منه معجزة أخرى المنصه عليها رجل يحكي و يعظم من دور فصيل واحد في ثورة 25 يناير حسين قال لها : بيتكلم عن موقعة الجمل
بيع بيع بيع الثوره يا بديع ملأت الأجواء, أحذيه مرفوعه في السماء موجهه للواقفين على المنصه , شباب مرفوعين على الأعناق وسط هذا الحشد و يرفعون أيديهم و يحركون إصبعا واحدا في السماء, أحدهم بدا لها ان إصبعه طويل للغايه, اطول من أي شئ رأته قبل اليوم يحرك إصبعه بحركات ( تعارف الناس أنها قبيحه ) لكن وسط الجمع و وسط الحشد بدا لهم أنها مضحكه و ربما كانت طريفه أو هي الطريقه المثلى للتعبير عندما لا تحمل ميكروفونا يحمل صوتك وسط هذا الحشد و هذا الميدان, عندما تسرق منصتك و تريد البوح بما نزلت من أجله ( هنا تجدي طريقة البانتومايم و تستدعي كل الاشارات المعلنه الرفض ليس من ذاكرتك وحدك, بل من ذاكرة الشعب جمعاء ). محاولات خروج حسين من هذا الجمع صعبه لكنها غير مستحيله, عبروا الحواجز ال عند ناصيه طلعت حرب المطل على الميدان, و منها مشيوا في الشارع متجهين لزهرة البستان, نادين كانت منبهره ( ده عامل زي يوم الزحف ) حسين قال انه هناك على ناصية الشارع مطعم يجنن إسمه القزاز هعزمكم على العشا, و سخرت منه اخته : ايه الكرم ده؟ ههههههه دي أول مره يعملها, هههههههههههه, لا على كده يا نادين لازم تيجي معانا كل مره, ده بيطلع الجنيه بالعافيه. لكزها حسين معترضا و مؤنبا : طب ايه رأيكم بأه عازمكم بكره عالسخنه نادين: بحر في يناير كانت االلكزه من نصيب نادين هذه المره, لكزتها نسمه : ( يناير هو فيه احلى من السخنه في يناير ؟ دي مشتى مش مصيف على فكره, بس المهم هو يصدق ) رنات الهاتف متواليه , نظرت نسمه للهاتف : مامتك بترن نظر حسين لهاتفه و همهم : و مامتنا بترن هتافات الشوارع تصل إليهم داخل المطعم الصغير جدا و المزدحم جدا : بيع بيع بيع الثوره يا بديع. ماردوش عشان أم نادين ما تقلقش, مسك حسين الكاميرا بتاعت نادين و شال الكارت ميموري ال جابه هديه مفاجأه لنادين تصور به المظاهرات و تخبيه من عين مامتها, خدته و خبته في محفظتها بعد أن طبعت عليه قبله لمعت لها عينا حسين وإبتسمت لها نسمه كمن وجدت حلا للغز عسير, حسين رجع الكارت الأولاني ال فيه ( مظاهرات الاسعاف للكاميرا )و هات يا تصويرفي البنات و في نفسه معاهم بياكلوا , بيشربوا, بيضحكوا, و بيطلعوا لسانهم , رجعوا البيت نص الليل و كانت مامتها هتموت من القلق, شدت منها الكاميرا ( لقيت صورهم في المطعم وبس) رجعت ورا لقت صور المسعفين و الفيديو الخاص باعتصامهم : انت ما شيلتيش دي ليه؟
ردت نادين: و أشيلها ليه يا ماما؟! دي أول حاجه سجلتها بالكاميرا عن مظاهره أو إعتصام ماخدوش وقت طويل في إقناع العيله إنهم رايحين السخنه, كانوا بياخدوا وقت اكتر لإقناعهم إنهم رايحين مظاهره. مامتها قالت لعمتها : خليها تبعد , هتموت و تروح مظاهره عمتها قالت : ماتيجي نروح معاهم في الطريق للسخنه كانت نادين منبهره , البحر عاليمين و الجبل عالشمال ,و كان نفسها تطلع الجبل , مامتها قالت لها : انت دايما بتختاري الحاجات الصعبه, نزول البحر أسهل ( سوق بشويش يا حسين ) بس حسين مالحقش يسوق لا بشويش ولا بسرعه, عربيه نقل كبيره جايه من الطريق العكسي و عربيه نقل اكبر جايه وراهم و عاوزه تعديهم, في غمضة عين إترموا همه و عربيتهم في حضن الجبل. ما بين الحياه و الموت ( دي كانت رحلتهم التانيه سوا جوه عربية حسين, ماسكين في الأرض ال همه منها و فيها, بس فيه عالم تاني فوق أو تحت ماكانوش مستوعبين كان بيشد فيهم يروحوا له , و بيقول لهم أنه الوصول إليه مش محتاج بنزين ولا سيارات ولا سواقه صح أو غلط, و إن السكه متمهده ) صوت سيارة إسعاف , وجه مسعف يتفحصهم, نادين تقاوم فكرة الموت بالتأوهات, هي لا تتألم ( فقدت القدره على الإحساس دون ان تفقد القدره على التفكير ), إستمرت تتأوه لتتأكد من وجودها فعليا على قيد الحياه و لتنبه الآخرين. هاهو بالقرب منها يتفحصها, ينظر إليها, تراه و تعرفه, كم كان صديقا حميميا لمدة عام كامل, تراه كل يوم عبر شاشة كاميرتها, تريد أن تفتح عينيها فلا تستطيع, عينها تهزمها و تواصل حالة الانغلاق, تريد أن ترفع يدها تلوح له فلا تستطيع, دم كثير ينزف و يد المسعف تقترب منها , تستشعر قرب النجاه, يمد يده حول رقبتها, تحمد الله و تتساءل هل الجرح وصل إلى الرقبه؟
ينزع السلسله من رقبتها, و يضعها في جيبه. تتمنى أن تفتح فمها : أنا صديقتك مابين الموت و الحياه لحظتان قضتهما امها وهى تحاول أن تنكر أن السلسله التى ورثتها عن أمها عن جدتها وأعطتها لإبنتها آلت لمن لا يعرف قيمتها العائليه ولا تاريخها .. حاولت إسترجاع ذلك التاريخ يوم تزوج جد قديم لها جدتها فلم يسمح لها الزمن باسترجاع القصه للمره الأخيره
حسين مات و كذلك نسمه و العمه و لحقت بهما أمها, و من فوق الجبال العاليه كانت أرواحهم تنتظر نادين, هل تصعد لنا أم تنزل البحر؟
نادين تفتح عينا ثالثه لا تعرف كيف إمتلكتها فجأه, تتعلق تلك العين بالكاميرا و تود لو تمكنت أن تفتحها, و تشغل الفيديو القديم الذى كان أول علاقة لها بهذا المسعف عله يحنو عليها. كانوا إتنين المسعف لمسعف آخر: كلهم ماتوا, حتى ال عايشه فيهم مانقدرش نعمل لها حاجه, دقايق و تخلص أشار اليه و هو يتفحص ما يمكن اقتناصه منها, ما ترتديه في أذنها, يدها عنقها الخ و قال له : طيب إيه ال ف ايدها ده, شكلها كاميرا غاليه اوى مد يده الى الكاميرا , كانت صغيرة الحجم فأخفاها في جيبه وهو يستغرب: ماكانتش موجوده, يالله يرزق من يشاء بغير حساب سأله صديقه المسعف : فيه موبايلات أجابه : أربعه أنت إتنين ,و أنا اتنين جاءه الإعتراض : لا نتمنهم و بالنص
وصلت النجده , 4 وفيات لكن ....
( فيهم واحده وفاتها غامضه, تبان ميته و تبان عايشه ) همهم الظابط : جايز ده ال اسمه موت اكلينيكي
المسعف الثاني : ميته يا باشا و الله ميته تحسس المسعف الاول غنائم الحادث في جيبه و قال:
ولو حتى موت اكلينيكي انهي مستشفى ال هتقبل تدخل حد على اجهزه من غير ما اهله يدفعوله؟ و احنا هنجيب اهلها منين؟ ماكلهم ماتوا اهو
فاجأه الظابط : من الموبايلات يا سيلمان
أسرع المسعف الثاني يصيح : ماكانش معاهم, شكلهم كانوا طالعين يريحوا اعصابهم و سايبين كل التكنولوجيا وراهم, ياللا بينا ياللا بينا يا سليمان, و أشار الى سليمان لحمل نادين إلى سيارة الاسعاف
: ماتت و الله ماتت لا فيه نبض ولا دق قلب ولا نفس, إنما إحنا برضه هنشوف شغلنا حملا نادين على المحفه الخاصه بنقل المصابين و وضعاها داخل عربة الإسعاف كان سيلمان يكلم المسعف الآخر همسا: الضلبط ده شكله عقر, احنا نطلع الكروت ال ف الموبايلات و نديهاله
سخر المسعف الأخر منه: يعني نعترف له إن إحنا إللي خدناها؟ ماهو أكيد همه مش مسافرين بالكروت من غير العدد سيلمان يخرج من جيبه محفظه بها صورة نادين و يدس فيها كروت الموبايلات الأربع و يسحب منها النقود في تلك اللحظه يكون الضابط عند شباك سيارة الاسعاف : يعنى الخمسه مامعاهمش ولا اثبات شخصيه واحد؟؟
المسعف يتصنع عدم الفهم و يمد يده للضابط بالمحفظه : احنا لقينا دي في جيب الست ال معانا, وقعت منها و غحنا شايلينها, نتحرك يا باشا؟ كانت سيارة الاسعاف عائده من السخنه الى القاهره , بينما سيارة نقل الموتى تنقل الجثث الأربع الأخرى لوضعهم في الثلاجه إنتظارا لمن يمكنه التعرف عليهم.
نادين تعبر المسافات بين الحياه و الموت ببطء, المسعف يعبث بالغنائم, يده تعبث بالكاميرا محاولا فهم كيف تعمل, صاحبه يضحك متمنيا ان يجدوا عليها فيلم سيكو سيكو و سليمان يقول له: النت مليان ,,,, الحق الحق ( يبدو الاندهاش على سيلمان ) : أنا في الكاميرا ياض, إزاي؟؟ صورة سليمان تملء الشاشه, الصوره تهتزو صوت سيلمان يصيح : وصلي صوتنا نادين تلف الكاميرا تجاه وجهها لتصور نفسها وهي ترد عليه : من عينيا يا عم سيلمان , هوصله حاضر سيلمان : احنا بس عاوزين يبصوا لنا بعين الاعتبار, متشكرين لك يا أستاذه, إسم الكريمه إيه؟ نادين: نادين كانت الاصوات في الخلفيه : عاوزين نشوفك تاني,ربنا يسعدك, ربنا يديكي طولة العمر
كان سليمان يبكي , عين على الميته الحيه و عين على الكاميرا, يعيد المقاطع و يكرر مشاهدتها كمن له خبره في كيفية استعمال الكاميرا
فوجئ سليمان أن صاحبه ترك السياره و فر, لم يدرك ان السائق شريكه في السرقات عندما لمح نادين تتقمص شخصية المذيعه في الفيديو و تخاطبهما بإسميهما فر, هل ظنها شبح أو عفريت فأوقف السياره و فر, هل أفاق ضميره فذهب محاولا إيجاد طريقه يجعله يغفو بها ثانيه ليتمكن من مواجهة الحياه؟
كان المقطع الاخير الذي صورته نادين و لم يشاهده أحد, هو مقطع تصوره لنفسها يوميا و تمسحه في اليوم التالي : نفسي لو أموت, أموت في البحر, نفسي ماما تسيبني اصور المتظاهرين, نفسي أحقق للناس كل أحلامها, نفسي أبأه مذيعه, نفسي.....
بينما كانت نادين تكمل أمنياتها, كانت الأرواح الأربعه تحلق فوق الجبل , كان سليمان المسعف يشد جسم نادين تجاه البحر , يلقي به على الشاطئ, ينزع حذاؤه و و يرفع بنطلونه حتى أسفل الركبه بقليل, يضع قدميه ببرود في المياه, ينظر للسماء ( ربما يهطل المطر ), يحملها بين يديه, يضعها على الماء, لا تطفو بطبيعة الحال ولا تغرق أيضا فالماء يغطيها قليلا و لا يغمرها, يشعل سيجاره ويقف ينتظر أن يرى ما سيكون بين جسد الفتاه و الموج, الموج ضعيف لكنه يجذبها بقوه , يبدو جسدها كعروس بحر تقاوم الغرق ثم تستسلم له, فوق الجبال تصعد روحها بينما كان سليمان مازال واقفا في نفس المكان يتساءل سؤالا ضميريا
: هي كانت ميته ولا أنا ال موتتها و يهون على نفسه : أنا يادوب أخيرا قدرت أحقق لإنسان حلمه و سبتها تموت في البحر.






ة



















التعليقات