الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

دور الديمقراطية والمجتمع المدني في بناء الوطن

دور الديمقراطية والمجتمع المدني في بناء الوطن
بقلم : أحمد عبده طرابيك

تتطلب عملية الإصلاح الشامل في مختلف مؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقتاً طويلا نسبياً حتي تكتمل عملية التحول وتؤتي ثمارها المرجوة ، دون إحداث خلل في منظومة العدالة الاجتماعية ، أو التخلي عن العادات والتقاليد والقيم والأعراف الاجتماعية التي سادت في تلك البلاد علي مر العصور ، تميزت تلك الإصلاحات خلالها بالحفاظ علي النسيج الاجتماعي الذي يضم مئات القوميات المختلفة .
أصبح المجتمع المدني من أهم المؤسسات في بناء الحياة الجديدة في أوزبكستان ، تلك الدولة الشابة التي تحتفل هذا العام بمرور 25 عاماً علي استقلالها ، فقد تم تأكيد ذلك في دستور البلاد ، عندما نص علي " أن شعب أوزبكستان يهدف إلى بناء الدولة الديمقراطية الإنسانية التي تعتمد على القوانين ويؤكد تمسكه بأهداف الديمقراطية والعدالة الاجتماعية " .
لقد أعطت قيادة الدولة اهتماماً خاصاً لبناء المجتمع المدني الذي يأخذ بعين الاعتبار الخبرات الوطنية التاريخية والعالمية في إجراء الإصلاحات الديمقراطية ، وفي ظروف العولمة يكتسب الطراز القومي للديمقراطية دوراً متزايداً ، ليأخذ بعين الاعتبار تاريخ الشعب وتقاليده وعاداته ودينه وسلوكياته .
رغم الصعوبات التي واجهتها البلاد ، فقد تم وضع الأسس القانونية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية للمجتمع المدني ، وتم تشكيل الخبرة الذاتية للتغيرات الديمقراطية ، وقد أصبح الطريق الذي سار فيه بناء المجتمع المدني أساسا لجميع الإصلاحات التي تجري في البلاد ، فقد تم إقامة القاعدة الاقتصادية الآمنة لبناء أسس المجتمع المدني نتيجة الإصلاحات الديمقراطية ، وتم تأسيس القاعدة القانونية لحمايتها ، وتوفير الظروف لتكوين الطبقة الوسطى والمنتج الوطني المستقل ، وقواعد المنافسة الحرة ، وتشكيل الاقتصاد المتعدد القواعد والأشكال للملكية .
يعتمد النظام السياسي في أوزبكستان نظام التعددية ، حيث يعمل في البلاد أربعة أحزاب سياسية ، هي " حزب الشعب الديمقراطي منذ عام 1991 ، حزب " العدالة " الاجتماعي الديمقراطي منذ عام 1995 " ، الحزب الديمقراطي " ميلّي تيكلانيش " منذ عام 1995 ، والحزب الديمقراطي " فيدآكارلار " منذ عام 2000 ، والحزب الليبرالي الديمقراطي منذ عام 2003 ، ويتم إجراء الانتخابات الرئاسية علي أساس تعدد المرشحين لأول مرة في آسيا الوسطى .
أصبح إصلاح النظام القضائي نموذجا للإنسانية العالية وتطبيق القيم الرئيسية للديمقراطية ، حيث يضمن نظام القضاء توسيع إمكانيات الحماية القضائية لحقوق وحريات المواطنين ، واستكمال نظام الإجراءات في التحقيق القضائي ، وتطبيق معايير ومبادئ الحقوق الدولية في القوانين الوطنية ، ففي عام 1994 تم إلغاء حكم الإعدام في 20 مادة من القانون الجنائي ، وفي عام 1998 في 5 مواد ، وفي القانون الجنائي الذي قُبل في 29 أغسطس 2001 تم إلغاء حكم الإعدام لأربعة أنواع من الجرائم ، ومنذ عام 2003 ، يتم تطبيق حكم الإعدام على الجرائم المرتكبة في الظروف المشددة للعقوبة والإرهاب ، ومنذ الأول من يناير 2008 ، تم إلغاء حكم الإعدام في أوزبكستان نهائياً ، وذلك طبقاً للمعايير المحددة في الوثائق الدولية .
أنشأت أوزبكستان نظام " المحلّة " كنظام إدارة للحكم الذاتي في الأحياء ، حيث تساعد أجهزة إدارة الحكم الذاتي ذات التاريخ الطويل لتطبيق حقوق المواطنين في المشاركة لإدارة شؤون المجتمع ، وتساعد المواطنين في حل المهام الاجتماعية والاقتصادية في نطاق الحي ، وإقامة الأنشطة الاجتماعية والسياسية والثقافية العامة ، ومساعدة الدوائر الحكومية في تنفيذ القوانين .
وفي عام 2013 تمت الموافقة على الوثائق المتعلقة بقوانين " هيئات الحكم الذاتي " وتوسيع وظائف المحلة ، بما في ذلك تحولها إلى مركزاً للدعم الاجتماعي للسكان ، وتنمية العمليات التجارية الصغيرة في المناطق ، وتعزيز دور الحكم الذاتي في نظام الرقابة العامة على نشاط أجهزة الدولة ، وزيادة التدابير المتعلقة بتحسين النظام الانتخابي ، والتي تضمن انتخاب الرؤساء ومستشاريهم الأكثر استحقاقاً من قبل المواطنين .
منذ منتصف التسعينيات قدمت أوزبكستان العديد من المبادرات لتطوير مجالي التطور الاجتماعي وحقوق الإنسان إلي المنظمات الدولية مثل منظمة الأمم المتحدة ، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا وغيرهما من المنظمات الدولية ، كما انضمت إلى العديد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تدافع عن حرية المواطنين وتنظمها ، وكان البيان العام لحقوق الإنسان أول وثيقة قانونية دولية أبرمت من قبل برلمان أوزبكستان ، كما تم إنشاء مفوضية المجلس الأعلى لحقوق الإنسان والمركز الجمهوري الوطني لحقوق الإنسان وغيرهما ، كدليل علي اهتمام الدولة بحقوق الإنسان ، واتجاها ذا أولوية خاصة في البلاد .
أصبح التسامح الديني نقطة الانطلاق نحو التفاهم المدني ، وبموجب المادة 31 من دستور البلاد ، فإن لكل مواطن الحق في اعتناق أو عدم اعتناق أي دين ، ولا يجوز الإجبار في أي دين ، ولذلك تعمل في البلاد 16 منظمة دينية ، يدخل منها المعهد العالي الإسلامي بطشقند ، 10 مدارس إسلامية ، ومدرسة مسيحية ومدرسة أورثوذوكسية في نظام التعليم العام ، وهو ما جعل شعب أوزبكستان يعيش الآن في أجواء يسودها التسامح الديني ، ففي عام 1995 تم إنشاء المركز العالمي للبحوث والدراسات الإسلامية بطشقند ، وفي السابع من أبريل عام 1999 ، تم تأسيس جامعة طشقند الإسلامية ، التي تقوم بإعداد الخبراء في المجالات الدينية بمستوي البكالوريوس والماجستير .
خلال سنوات الاستقلال تم تشكيل سلطات الدولة الثلاث ، التشريعية والتنفيذية والقضائية ، فالسلطة التشريعية الأعلى لجهاز الدولة هو المجلس الأعلى الذي يتم انتخابه لمدة خمس سنوات ، ومنذ عام 2005 ، يتكون المجلس الأعلى من جناحين " سينات " مجلس الشيوخ ، المجلس التشريعي ، ويمكن لكل مواطن في أوزبكستان بلغ السابعة عشرة من عمره أن يشارك في انتخابات نواب المجلس الأعلى بغض النظر من قوميته ، ولغته الأم ، وجنسه ، وديانته ، ومن بلغ الخامسة والعشرين من عمره يستطيع أن بكون مرشحا للمجلس الأعلى ويستطيع أن ينتخب نائبا في المجلس الأعلى .
تقديراً لدور المرأة في المجتمع ، فقد تم إنشاء " لجنة النساء " ، وهي منظمة وحيدة لها مقام اجتماعي حكومي ؛ تتبع لها 14 لجنة في المناطق ، و170 لجنة في المحافظات ، وأصبحت رئيسات لجان النساء وكيلة لرؤساء السلطة في المناطق والمحافظات ، وخلال 25 عاما ، هي عمر البلاد بعد الاستقلال ، شكلت قاعدة حقوقية معينة تنظم أنشطة المنظمات الاجتماعية التي تساعد علي تطوير البلاد ، وفي الوقت الحاضر تم تنظيم أكثر من 8 آلاف منظمة اجتماعية غير حكومية .
إن غاية بناء الدولة المستقلة هو ضمان جميع حقوق الإنسان وحرياته ، ووتوفير السلم والرفاهية ووسائل التطور والتقدم ، فالهدف الرئيسي للدولة هذا هو الإنسان واحتياجاته ومصالحه وحياته وعاداته وعالمه الروحي ، حيث يحدد النظام السياسي في أوزبكستان نشاط المواطنين ، ليس المواطن للنظام السياسي بل النظام السياسي ينطلق من الإنسان ويعيش لأجل الإنسان ويعود إليه ، فالنظام السياسي المستقر هو الذي يحدد طبيعة علاقات السلطة من خلال النشاط المتبادل للقوى الفعالة في البلاد لأجل تعزيز استقلال أوزبكستان وتوفير السلم والتوافق المدني .
إن مهمة أوزبكستان الإستراتيجية الطويلة المدى تتلخص في قيادة البلاد خلال مرحلة البناء الديمقراطي وتشكيل المجتمع المدني وتعميق العلاقات الاقتصادية الحرة وتعزيز القيم الديمقراطية في وعي الناس ، حتي تستمر مسيرة التقدم والاستقرار والازدهار التي بدأت منذ الأيام الأولي للاستقلال قبل 25 عاماً .





التعليقات