الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

التحالفات و الحرب العالمية الاولى 3

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

كان لتوقيع معاهدة ليتوفسك أثر سىء على الحلفاء ففى حين لاحت بوادر النصر بدخول الولايات المتحدة الحرب الى جانبهم أعاد خروج روسيا من الحرب اختلال التوازن فى صفوفهم . حيث اراح خروج روسيا الجانب الالمانى من الناحية الشرقية و اصبح توجهها كاملا للميدان الاوربى الغربى . و بالفعل فى 10 مارس 1918 قام الالمان بهجوم هائل و حاصر قوات الحلفاء لكن الالمان استنفذوا غطاءهم و امداداتهم وواجهوا مقاومة شديدة فامر الجنرال اريك فون لودندورف بشن هجمة يائسة اخيرة على قوات الحلفاء لكن تم التصدى للهجمة
و فى سبتمبر عام 1918 شن فوش فرديناند القائد العام الجديد لقوات الحلفاء بفرنسا هجومه العام و تحركت جيوش الحلفاء على طول الجبهات الاخرى فى اليونان و بلغاريا و الشام و العراق و تهاوت المقاومة فى الجبهات البلغارية و العثمانية و النمسوية و الالمانية و اتجهت دول الوسط الى طلب الهدنة و فى 29 سبتمبر طلب فرديناند ملك بلغاريا عقد هدنة نصت على الشروط الاتية :
1- تسريح الجيش البلغارى و تسليم اسلحته و عتاده
2- تحتل قوات الحلفاء مراكز استراتيجية داخل بلغاريا ما عدا العاصمة
3- طرد جميع الالمان من اراضيها
= و فى 31 اكتوبر قبلت الدولة العثمانية الشروط التى فرضها عليها الحلفاء لوقف القتال كما طلبت النمسا الهدنة فى 3 نوفمبر و اقتنعت المانيا ان مواصلة القتال أمر بعيد الاحتمال و خوفا من غزو الحلفاء للاراضى الالمانية ذاتها تقدمت المانيا فى اول اكتوبر 1918 الى الرئيس الامريكى تطلب السعى لعقد مؤتمر صلح على اساس النقاط الاربع عشر التى سبق له ان اعلنها امام الكونجرس الامريكى فى يناير من العام نفسه . فاظهر الرئيس ولسن ترددا فى عقد المؤتمر طالما ظل القيصروليم الثانى جالسا على العرش . فأبدى الالمان استعدادا لعزله و انتشرت الثورة فى مختلف المدن الالمانية فلاذ القيصر وولى العهد بالفرار الى هولندا فى 9 نوفمبر و نودى بالجمهورية فى اليوم نفسه فى برلين و اختير زعيم الاشتراكيين فردريك ايبرت رئيسا للحكومة الجديدة .و كان اهم شروط الهدنة مع الحلفاء :
1- جلاء الجنود الالمان خلال 15 يوم عن جميع الاراضى التى يحتلونها فى بلجيكا و فرنسا ولوكسمبرج و الالزاس
2- الانسحاب الى ما وراء الضفة الشرقية لنهر الراين و يحتل جنود الحلفاء تلك الرقعة من الاراضى الالمانية
3- تسليم معظم الاسطول البحرى و جميع الغواصات الالمانية الى الحلفاء و كذلك الاسلحة و المهمات الحربية
4- اطلاق سراح جميع الاسرى من جنود الحلفاء
5- ان تضع المانيا كل خطوط السكك الحديدية الواقعة على الضفة اليسرى من نهر الراين تحت تصرف الحلفاء
6- الغاء معاهدتى برست ليتوفسك و برخارست اللتين عقدتهما المانيا مع روسيا و رومانيا .
** التسوية و نتائج الحرب :
اختار الحلفاء المنتصرون باريس و ضاحيتها فرساى لعقد مؤتمر الصلح و اختاروا كليمنصو رئيس وزراء فرنسا رئيسا للمؤتمر و لكن تعذر الوصول الى قرارات سريعة لكثرة عدد المشاركين فتم تركيز الأمر فى يد الثلاثة الكبار ( الولايات المتحدة و فرنسا و بريطانيا ) و كانت اهداف ولسن هى ضمان تطبيق المبادىء العامة التى نادى بها لإقامة صلح عادل و انشاء عصبة الامم .
و لبلوغ اتفاق عام بشأن العصبة اضطر ولسون الى قبول انصاف الحلول فى تطبيق المبادىء العامة بشأن التسوية الاقليمية و فى 5 مايو 1919 و فى اجتماع عام للحلفاء قدم مشروع تحضيرى لمعاهدة الصلح قبله المؤتمر فى جملته و فى اليوم التالى قدم هذا المشروع للوفد الالمانى و لم يسمح له بالمناقشة لكن اذن له بتقديم مذكرة واحدة مكتوبة برأيه فى ذلك المشروع . و حينما اطلع الالمان عليها تعالى صراخهم من قسوتها و انها تنطوى على استعبادهم ردحاً طويلا من الدهر . لكنهم اضطروا صاغرين الى قبولها ووقع مندوبهم على المعاهدة فى 28 يونيو 1919 فى بهو المرايا التاريخى بقصر فرساى و هو نفس البهو الذى شهد فى 18 يناير عام 1871 مولد الامبراطورية الالمانية . و شرب الالمان كاس الذل و الهوان فلم يسمح لمندوبيهم بالجلوس على مائدة الصلح بل دخلا القاعة و خرجا منها محروسين كما يحرس المجرمين المقدمين للمحاكمة . و قد ولدت تلك المعاملة الغير كريمة مرارة فى نفوس الالمان
= و قد تمت تسوية مشكلات الحرب فى معاهدات عدة هى : معاهدة فرساى ( 28 يونيو 1919 ) مع المانيا و معاهدة سان جيرمان ( 10 سبتمبر 1919 ) مع النمسا و معاهدة نوبى ( 27 نوفمبر 1919 ) مع بلغاريا و معاهدة تريانون ( 4 يونيو 1920 ) مع المجر و معاهدة سفر ( اغسطس 1920 ) مع تركيا ووقعت معاهدة الصلح الاخيرة مع تركيا فى 23 يوليو 1923 فى لوزان و ببدء تنفيذ هذه المعاهدة فى 6 اغسطس 1924 تقرر السلام من الوجهة الرسمية فى مشارق الارض و مغاربها .
و لكن ما هو اثر تلك المعاهدات و اهم ما نصت عليه ؟
1- خسرت المانيا جزءا من سكانها و مساحة شاسعة من الاراضى كانت من نصيب اعدائها او لخلق دول اوربية جديدة .
2- فرض على المانيا دفع تعويضات عن خسائر الحلفاء لكنه قيمتها لم تتحدد فى معاهدة فرساى و ترك تحديدها لمفاوضات اخرى و عقدت العديد من المؤتمرات وصولا الى مؤتمر لوزان فى 16 يونيه 1923 الذى قرر التعويضات بمبلغ الف مليون جنيه دفعة واحدة و ان تبنى المانيا للحلفاء سفنا بدلا من التى اغرقتها و ان تسلم فرنسا مقادير كبيرة من الفحم لتعويضها عن التخريب الى حدث لمناجم فحمها .
3- تولى الحلفاء احتلال منطقة الراين 15 سنة ضمانا لتنفيذ المانيا لتلك الشروط و تنسحب تدريجيا كل خمسة اعوام .
4- تحديد قوة المانيا بما لا يزيد عن مائة الف جندى يتم جمعهم عن طريق التطوع بعد الغاء التجنيد الالزامى على الا يزود ذلك الجيش بأسلحة ثقيلة او بسلاح الطيران .
5- نزع سلاح الضفة اليسرى لنهر الراين و منطقة اخرى تمتد على الضفة اليمنى لهذا النهر بطول 50 كيلو متر تامينا لسلامة فرنسا و بلجيكا .
هذا بالنسبة لألمانيا اما بالنسبة للنمسا و المجر فقد خسرت الكثير من اراضيها فانسلخت عنها بولونيا النمسوية و ضمت الى الدولة البولونية الجديدة كما انتزعت منها بولونيا اقاليم ترانسلفانيا و البوكوفين . و كذلك ضمت يوغوسلافيا اجزاء أخرى فتضاءل حجم النمسا و قل عدد سكانها فصار لا يزيد عن ستة ملايين نسمة و فقد المجريون ثلثى اراضيهم . و كان اختفاء الامبراطورية النمسوية من اهم نتائج الحرب العالمية الاولى .
اما بالنسبة للدولة العثمانية فقد جعلتها معاهدة سفر دولة اسيوية فقط و ليس لها فى الشاطىء الاوربى سوى القسطنطينية و ما حولها من اراضى . اما شبه جزيرة الاناضول فلم تعد خالصة للاتراك . فأعلن الحلفاء استقلال ارمينيا دون بيان لحدودها . ووضعت ايطاليا يدها على منطقة أضاليا . كما وضعت سوريا و لبنان تحت الانتداب الفرنسى و العراق و فلسطين و شرق الاردن تحت الانتداب البريطانى و ذلك بمقتضى اتفاقية سان ريمو ووقع معاهدة سفر السلطان العثمانى . لكن الحكومة القومية بزعامة مصطفى كمال اتاتورك رفضت التفريط فى اى جزء من تركيا و اعاد بناء الجيش التركى و هزم اليونان و اتجه الجيش الى القسطنطينية التى كان الجنود الانجليز يحتلونها لكن اتاتورك اصدر اوامره بوقف الزحف ثم ابرمت هدنة بين الدولتين مهدت الطريق لعقد مؤتمر صلح عام فى لوزان 1923 و بمقتضاها مدت حدود تركيا الاوربية الى ما بعد أدرنة بقليل و اعترف الحلفاء بملكية تركيا للقسطنطينية و تراقيا الشرقية و الغيت احكام معاهدة سفر المتعلقة بفرض غرامة حربية و نزع سلاح الجيش التركى و لكن تم تجريد المضايق من اية تحصينات و اصبحت مفتوحة امام جميع السفن و تنازلت تركيا عن كل دعوى لها بالسيطرة على الاراضى التى تقطنها الشعوب العربية .
** نشأة نظام جديد من الاحلاف :
حيث انهار نظام الاحلاف الثنائى السابق على الحرب العالمية الاولى نتيجة هزيمة المانيا و النمسا و المجر نشأ نظام جديد من الاحلاف . قفى 23 ابريك عام 1921 وقعت تشيكوسلوفاكيا و رزمانيا معاهدة تحالف تقضى بمساعدة كل منهما للأخرى فى حال قيام المجر بهجوم على اى منهما لم تتسبب فيه اى من الدولتين . و فى 31 اغسطس 1922 وقعت معاهدة تحالف بين تشيكوسلوفاكيا و مملكة الصرب . و اعلنت الدول الثلاث مقاومة عودة امبراطور النمسا و المجر السابق بكل الوسائل و ساندتهم فرنسا فى ذلك . كما وقعت فرنسا اتفاقية مع بولندا اكدتا فيها انهما ستتشاوران فى حالة وقوع عدوان على اى منهما و ان الدول المقصودة بذلك هى المانيا و روسيا .و عندما رفضت المانيا ان تتعهد فى اتفاقات لوكارنو بضمان حدودها مع تشيكوسلوفاكيا و بولندا وقعت فرنسا على مواثيق مساعدة مع هاتين الدولتين .
و بذلك تكون فرنسا قد ارتبطت بنظام جديد من الاحلاف مع مجموعة الدول الجديدة او المستفيدة من الحرب العالمية الاولى يدعم تسويات الحرب و يحد من نفوذ المانيا .
و رأت ايطاليا ان نظام الاحلاف الفرنسى يضر بمصالحها فارتباط فرنسا بمملكة الصرب من شانه تهديد المصالح الايطالية لأن لايطاليا مطالب اقليمية هامة لدى مملكة الصرب . لذلك سعت ايطاليا لدعم المجر ضد الوفاق الصغير فعقدت معها معاهدة صداقة عام 1927 . كذلك سعت لإقامة تكتل دولى فى البلقان و الدانوب ولجأت لاستخدام الضغط العسكرى للحصول على تنازلات سياسية من دول البلقان فاحتلت جزيرة كورفو اليونانية مؤقتا لبث الرعب فى الدول المعارضة لمطالبها الاقليمية و قد أجبر ذلك مملكة الصرب لتوقيع اتفاقية مع ايطاليا ( اتفاقية نيتونو فى يناير 1924 ) تنازلت بموجبها عن مدينة فيومى لايطاليا . كذلك سيطرت ايطاليا اقتصاديا و سياسيا على البانيا ووقعت معها ميثاق تيرانا فى نوفمبر 1926 تعهدت بموجبه البانيا بعدم انتهاج سياسة خارجية تضر بالمصالح الايطالية .و فى نوفمبر 1927 تم توقيع تحالف دفاعى بينهما استكمل عام 1928 باتفاق اخر تعهدت البانيا فيه بعدم التصرف فى اى من المسائل البلقانية الا بالاتفاق مع ايطاليا . و فى سبتمبر 1928 عقدت اليونان و ايطاليا اتفاقا تعهدت اليونان فيه بالحياد فى حال تعرض ايطاليا لعدوان لم تتسبب فيه . و هكذا اقامت ايطاليا نظاما اخر للأحلاف فى منطقة البلقان يدعم مصالحها فى تلك المنطقة .
و من ناحية اخرى سعت المانيا لتخفيف قيود معاهدة فرساى عن طريق التحالف مع روسيا فعقدت بينهما معاهدة راباللو عام 1922 ثم معاهدة تحالف فى ابريل 1926 تعهدت فيها المانيا بالبقاء على الحياد فى حال وقوع اعتداء من دولة ثالثة على روسيا كما وعدت بعدم الدخول فى تحالف يكون من اهدافه فرض مقاطعة اقتصادية على روسيا .
** و هكذا تبلور فى اوروبا فى العقد التالى للحرب العالمية الاولى ثلاثة أنماط من الاحلاف هى :
1- نظام التحالف الفرنسى الموجه ضد المانيا و الاتحاد السوفييتى
2- نظام التحالف الايطالى الموجه ضد فرنسا و دول الوفاق الصغير
3- نظام التحالف الالمانى السوفييتى الذى يهدف الى تمكين الدولتين من المناورة فى مواجهة الدول الغربية .
** و من ثم لنا ان نقول انه رغم هيمنة الدول المنتصرة على النظام الدولى مما اقام نظاماً شبيها بالقطبية الأحادية الا ان تلك القطبية كانت شكلية اكثر منها واقعية لأن الدول المنتصرة ذاتها كانت منقسمة على ذاتها فضلا عن ان الدول المهزومة استمرت فى مقاومة هيمنة الدول المنتصرة .

التعليقات