الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

جدوى الاصلاح

الكاتب : محمود حمدون

"الروشتة"
محمود حمدون
===
" خرج علينا السيد / رئيس الوزراء اليوم, الرابع من نوفمبر 2016, قبيل صلاة الجمعة , وبصحبته نفر من الوزراء لشرح ملابسات قرارات الخميس الاسود 3-11-2016 , من تعويم سعر الجنيه المصري ورفع أسعار المحروقات "
كانت الابتسامة تعلو وجهه الكريم , وهو يعلن لنا أهمية تلك القرارات المرّة التي كان لا بد من اتخاذها , رأفة بالشعب وبخاصة فقراءه , ثم علت وجهه سحابة من الكدر مؤكدا أنه يشعر بآلام الفقراء ويُحس بهمومهم وأن ما حدث لصالح هؤلاء ,

الحق أن الحديث كان مما يُقال عنه " كلمة حق يُراد بها باطل " فالقرارات ربما تكون في مضمونها الاقتصادي صحيحة , لكنها من زاوية البعد الاجتماعي ستعصف ببقايا الطبقة الوسطى , وستزيد بؤس الفقراء على بؤسهم المقيم , فخفض قيمة الجنيه قرابة 48% مرة واحدة وبالتزامن مع رفع أسعار المحروقات بنفس النسبة تقريبا ومن قبلها بأربع وعشرين ساعة , رفع سعر السكر بقيمة 40% , ومع ثبات الدخول المادية للغالبية العظمى من الناس , يصبح الحديث عن استقرار و رفاهية متوقعة سوف يحلّان على رؤوس الناس قريبا , محض لغو وهذر ,

الأكيد أننا " في مصر " نعاني من مشكلة اقتصادية , تتمثل في عجز مزمن بالموازنة العامة للدولة , وعجز أشد في ميزان المدفوعات , وكليهما يعكسان عمق الأزمة , أن إيراداتنا على ندرة مصادرها قليلة جدا , وكلها خدمية عُرضة لأي ريح كي تعصف بها , سواء أكانت سياحة أو قناة السويس , صادراتنا الصناعية والزراعية ضئيلة , ولا تتفق مع معايير الجودة العالمية التي نعيها جيدا ثم نغض الطرف لصالح المصدّرين , فكانت النتيجة عزوف بلدان العالم " غالبيتها " عن شراء المنتجات المصرية , فأمن وصحة المواطن هناك تعلو على أية اعتبارات سياسية أو اقتصادية .
يتزامن هذا مع أربعة أمور أجهضت كافة برامج التنمية بمصر طوال عقود ستة وتزيد :
1- أن مصر قبل يوليو 1952 , كان بها ركيزة صناعية ونموا زراعيا محسوسا وكانت أزماتها نادرة للغاية في مجال الغذاء والتصدير , ترك لنا النظام الملكي وضعا متميزا للعملة المحلية واحتياطي ذهبي كبير ,لذا فالمغامرات السياسية والعسكرية بعد يوليو 1952 قد أهدرت القائم بصورة مريعة .
2- الحروب التي خاضتها مصر وبخاصة فيما بعد يوليو 1952 , استنزفت قدرا كبيرا من احتياطيات مصر وأوقفت كافة برامج التنمية وخُصّصت موارد الدولة بالكامل للمجهود الحربي " اقتصاد حرب " لدرجة أن خرجت مصر عقب أكتوبر 1973 , شبه محطّمة وجرى عليها ما يجري على الأمم فالفائز غالبا عسكريا يخرج محطما اقتصاديا , والمستفيد طرف ثاني أو ثالث لا علاقة له بالحرب وهو ما حدث مع مصر ولها .
3- كافة سياسات وقرارات التنمية عقب أكتوبر 1973 , كانت تميل للمسكّنات وترحيل المشكلة , جيلا وراء جيل , منعا للصدام مع الناس , تزامن هذا مع توظيف النخبة السياسية لقرارات وسياسات الدولة لمصالحها , فظهرت سياسة الانفتاح الاقتصادي وأسيئ استغلالها لصالح فئة محددة أثرت على حساب المجموع وهي الطبقة التي تحكمت وتسيّدت في عهد " مبارك " وكانت تعيق أي نموا اقتصاديا حقيقيا ولا تزال, وأبنائها هم المتحكّمون في مفاصل الدولة فعلا .
4- الطامة الكبرى , أن سيادة الطبقة الطفيلية , لم يكن لتستمر دون فساد إداري ومالي على نطاق واسع شمل بر مصر بكامله وتزامن مع هلامية معايير اختيار القيادات على مستوى الدولة بكاملها , بدءا من القاع وصعودا لمستوى الوزراء ورئاسة الوزراء , فالجهل والتردد سمات وشروط أصلية لتوليّ المنصب العام .لذا لا غرابة أن ينتشر توريث الوظائف العامة بين هؤلاء انتشار النار في الهشيم وأن تهوي الدولة على أيديهم إلى القاع .
الغريب أو المخزي أو المخجل " فلا فرق في توظيف أي مصطلح هنا " أن هؤلاء وعلى أيديهم الآن يتم تطبيق برنامج للإصلاح الاقتصادي , تلك الطبقة التي خلقت الأزمة هي المنوط بها إصلاح الوضع , فأي سخف هذا ؟ ويبلغ الكدر بين الناس مبلغه حين يعلمون أن هؤلاء يتحدثون باسمهم , ويدّعون أنهم يتألمون لآلامهم ..

يتحدث المسئولون كما لم كان الناس لا تريد خيرا للبلد , أو كما لو كانوا عبئا عليها يمنعهم من تحقيق النمو والانطلاق الاقتصادي , متناسين عن جهل وعمد أن الدولة كلما واجهت عارض , لجأت لهؤلاء تستغيث بهم , وتستنزف ما لديهم من ثروات على ندرتها مستعطفة وطنيتهم الجارفة , حتى صدقت مقولة أن الوطن للأغنياء والوطنية للفقراء فعلا وقولا .

الحديث عن إصلاح اقتصادي لن يُكتب له نجاح ولن تقوم له قائمة ما لم يصحبه حزمة من الاصلاحات الاجتماعية تبدأ , بمحاربة الفساد المتأصل ببنية الدولة نفسها ووضع معايير موضوعية لاختيار القيادات بعيدا عن معيار " أهل الثقة " وبعد أن تقضي على الاحتكارات والممارسات الاحتكارية وبعد أن تُقارب بين مستويات الدخول .وبعد أن تضع سياسة للتقشف وتبدأ بنفسها أولا .

عودة الدولة القوية , ليس معناه استعراض قوتها على المواطن الضعيف بمرافق الخدمات الحكومية والأمنية , بل بقدرتها على إرساء أسس العدالة الاجتماعية كما ينبغي , الدولة القوية هي التي تعي أن قوتها وبقاءها رهن بقوة وكرامة المواطن الفرد.

التعليقات