أخر المقالات

اكتشافات

الكاتب : أشرف نصر

سُئلت مرة عن أحب الألقاب إلي نفسي فترددت لحظة..لأنني اكتشفت فجأة أنني اكره اسمي نفسه ..
شطب الكاتب الفقرة السابقة وقال لنفسه :
- لا تصلح بداية لقصه .
امسك ورقة بيضاء وكتب
بينما يحكي الولد الذي يصغره بخمس سنوات عن مغامراته الجنسية المتعددة قال هو محاولا صبغ صوته بالحكمة :
- لن تفض بكارتي سوي من أحبها !
اكتشف أن الولد الذي يظنه سينبهر من جملته يضحك عليه ..الغريب انه اكتشف أيضا انه يكذب فقد مر ببعض المغامرات وكلها مع فتيات لم يحبهم ..وتذكر أول تجربة مرت به فاكتشف أنها منذ زمن بعيد لدرجة نسيان بعض تفاصيلها..لكن ما يذكره السرعة والرعب مثل أي لقاء أول ..وما يذكره اكثر
نظرات كراهية البنت وغصة حلقه كلما رآها ..
توقف الكاتب وأعاد تشغيل الكاسيت لكي لا يقطع أفكاره التي اندفعت إلى الورق ..
كان يعبر الشارع حينما قابلها ..سألته عن شيء ما وأجابها عن الساعة لكن حينما هرول الرجل يضربها اكتشف أنها لم تكن تريد معرفة الوقت ..وأن الرجل يضربها بقدمه في جنبها بعنف وقسوة غريبة ..وأنه يسحبها علي إسفلت الشارع وهو يشدها من شعرها ..المخجل اكتشافه انه أسرع في خطواته وبعد أن نظرت ناحيته والرجل يضربها منع نفسه بشدة من التوقف لمجرد السؤال .. نظر لساعته وفر من المكان قائلا لنفسه :
- لقد تأخرت كثيرا .
قلب الكاتب الصفحة وعدل ورقته وفكر للحظات ثم عاود الكتابة ..لماذا تفضحه عيونه هكذا ؟!..هذا ما اكتشفه حينما وقف مكان المدرس في الفصل يشرح للطلاب والمدرس الجالس مكانه سعيدا بلباقته ووعيه السياسي عن مشكلة العرب الحقيقة ..كان يتحدث بانفعال وبسرعة لكن بثقة أسعدت المدرس وأثارت حسد زملائه ..وحينما جاء وقت أسئلة الزملاء أعطي البنت فرصة السؤال الأول وأجابها ثم أجاب الباقيات وبعض الأولاد لكن عيونه فضحته ..واكتشف أن كل من في الفصل عرف بعشقه للبنت ..وانه حتى قبل أن يسمح لها بالسؤال الأول ..ومن اللحظة الأولى لم يكن يركز سوي في عينيها ..
هكذا اقتحم الكاتب عالم الكتابة لذلك ثار وصرخ في وجه أخيه الذي دخل عليه الغرفة ليخرج ..واكمل هو كتابته في عزلته
..هل كان غبيا لهذه الدرجة؟! ..كيف يعرف من الأصدقاء وبعد أربع سنوات كاملة عن البنت التي أحبته عاما كاملا دون أن يعرف وبالأدق دون أن يفهم ..وحتى عندما تركها والتحق بكليته افتعلت العديد من الزيارات لأماكنه المعتادة دون أن يدرك ..واكتشف أن محاولتها الفاشلة والساذجة للانتحار والتي ظن انه يسمع عنها من صديقتها بالصدفة كانت من اجله ..بعد أربع سنوات كاملة وبعد أن تزوجت البنت ..وهو ما حدث أيضا بعد موافقته الغير مقصودة حينما زكي المتقدم لها أمام صديقتها وهي تسأله عنه ..اكتشف وهو يضرب رأسه بكفه انه لم يكن غبيا فقط بل قال:
- ولم استحقها أيضا .
كانت رائحة جميلة تلك التي هبت علي الكاتب ففتح الشباك ووقف يستنشق الهواء..عبرت جارته تحت الشباك فاكتشف انه بالفانلة الحمالات والشورت فدخل بسرعة وعاد للكتابة..
ما الذي افقد الآخرين أسماعهم لهذه الدرجة ؟!..لم يعد يسمعه الأصدقاء ولا الأهل ولا حتى ركاب المواصلات ..كل من حوله يتكلم ..لكن لا أحد يسمعه ..لذلك وبعد عدة مرات اكتشف انه صار يحدث نفسه ..الغريب انه لم يعد يخجل من ذلك ولم يعد يضم شفتيه فجأة حينما يلمح من ينظر ناحيته ..الأغرب انه صار يستمتع بأن يراه الناس يحدث نفسه ..حتى تعنيف أخته له عن احترامه الذي يفقده تدريجيا بين الناس وعن الضيق الذي سببه لهم قال ببر ود :
- هذا بالضبط ما أريده !
أشعل الكاتب السيجارة الأولى لكن سعاله الحاد جعله يطفئها وهو يكاد يختنق ..واكتشف فجأة أن الطبيب منعه عنها منذ أزمة القلب الأخيرة ..فلم يعد يعرف لماذا اشتري العلبة وقد التزم فعلا بالتعليمات ..بعد أن انتظمت أنفاسه امسك بالقلم ليكمل ..
اعدوا لهذه المظاهرة في ثلاثة أسابيع كاملة .. كان يوم السادس من أكتوبر والاحتفالات الصاخبة بالبلد لا تتكرر إلا كل عام .. فكيف يترك هو وزملاءه فرصة مثل هذه ..لذلك وخوفا من أي خطأ.. استعدوا جيدا ووضعوا العديد من الخطط البديلة ..واستعد كل منهم لدوره في إخلاص شديد ..
قبلها بليلة كان كل شيء جاهزا ..وحينما راجعوا كل التفاصيل قالوا :
- سنهز هذا البلد .. ياللروعه !
وبعد نشوة تخيلهم لاكتشاف الناس لما سيحدث في اكبر ميادين البلد تفرقوا .. وفي طريق عودته غني لأول مرة منذ سنوات بصوت عال ..غني بفرحه لم تقترب منه منذ مات أبيه وتزوجت حبيبته ومنذ اصبح موظفا سخيفا مثل الباقين .. وفي بيته وبينما يستعد للنوم دق جرس التليفون .. واستمع بدقة لرجل الأمن الذي روي له كل ما ينوون فعله في الصباح ..وبسهوله غريبة اعترف واعترف واقر ببقية الأسماء التي لم يذكرها الرجل ..ووافق علي عدم الذهاب والاستمتاع في بيته بمظاهر احتفالات أكتوبر ..وبعد أن انهي مكالمته لم يقدر علي النوم وقد اكتشف لأول مرة مدي جبنه وغاظه بشدة تلك السرعة التي انهار بها لكنه قال لنفسه :
- غدا ستبرر كل شيء لنفسك .. يا للحقارة !
توقف الكاتب عن الكتابة وبحث عن نهاية للقصة
لكنه لم يقدر علي كتابة كلمة واحدة ..
وضع القلم ومزق كل ما كتب وهو يبكي بشدة.
*
قصة: أشرف نصر
نُشرت عام 2002
*الإشارة لتاريخ النشر لعدم ارتباطها بأي أحداث سياسية.

التعليقات