أخر المقالات

منظور مختلف

الكاتب : rana rashad

منزل مغلق مظلم في منتصف شارع 16 الملئ بالضجيج والصخب هو ما دفعني الى الانتقال لمنزلي الجديد ..في زيارة عائلية الى منزل جدتي حيث كان كل شئ طبيعيا روتينيا مملا انطلقت صرخة اسكتت الشارع باكمله لبضع ثوان ثم عاد الصخب وكأن شئ لم يكن ..ظننت لوهلة بانه كان محض وهم حين قاطع تركيزي جدتي وهي تروي قصة ذلك اللغز
"دي شقة على طول مضلمة وشبابيكها مقفولة بس ساكن فيها ست منتقبة وجوزها شوفتهم بس اول ما نقلوا ومن ساعتها معرفش حاجة عنهم م الوقت للتاني بس تسمع دوشة جامدة اوي جاية من عندهم وشوية صويت زي ما سمعت دلوقتي بصراحة هو محدش جاتله الجرأة يخبط عليهم ويعرف ايه الحكاية "
توجهت الى شرفة منزل جدتي كي أرى ذلك المنزل ..بدا هادئا مهجورا منذ امد بعيد لا يبدو عليه اي مظهر من مظاهر الحياة .. ظلت محدقا لعلي ارى اي دليل لوجود ادمي ولكن لاشئ .. حينها ادركت اننا نميل للتفسير الاكثر تشويقا او اكثر درامية فمن المؤكد ان سكان لك المنزل قد هجروه منذ زمن وتلك الضوضاء والصرخات منبعثة من مكان مجاور
في الزيارة التالية لمنزل جدتي تناسيت الصرخات ولكن تلك الروتينية دفعتني للتفكير في ما هو اكثر تشويقا .. اردت ان ارى المنزل مجددا رغم ايماني بخلوه ..وقفت طويلا افكر في احداث وروايات لتلك الصرخات حين رايت وميضا خافتا سرعان ما اختفى ..بدا كضوء في غرفة بعيدة .. ثم عاد السكون
في الشهر التالي انتقلت الى منزلي الجديد المجاور لذلك المنزل وراقبته في جميع اوقاته صباحا مساء وليلا ولا اثر لاي شئ حتى جاء ذلك اليوم رايت رجلا يخرج من المنزل بعد منتصف اللييل حيث كان الشارع فارغا تماما.. انتظرته طويلا ولكنه لم يعد .. كاد الفضول يقتلني في اليوم التالي لم ادري كيف مر الوقت حتى جاء منتصف الليل ..تابعت بشغف لعلي اراه يخرج من جديد ..وقبل الفجر رايته ولكنه كان عادا محملا بالكثير من الاشياء التي لم استطع تمييزها ثم اختفى داخل المنزل ومنذ ذلك اليوم راقبته ليلا فقط ..كان يخرج في يوم بعد منتصف الليل ويعود في اليوم التالي قبل الفجر ..قررت ان ازور زوجته في اليوم الذي يذهب فيه ..وفي اليوم المنتظر توجهت بخطوات ثابتة في الصباح الباكر وطرقت الباب ..انتظرت طويلا ثم طرقته مرة اخرى لتفتح سيدة شابة متوسطة الجمال ات شعر اسود نحيف وجسد مائل الى الامتلاء .. فتحت عيناها بقوة حين راتني وصاحت " انت مين "
ترددت في الاجابة قيلا ثم اعتدلت في وقفتي وقلت لها بصوت اكثر ثقة :" انا جاركم الجديد كنت حابب اتعرف عليكم"
ارتجف صوتها وهي تقول بصوت خفيض "جوزي لو جه حيقتلك"
واسرعت بغلق الباب ولكني اوقفتها قائلا :"جوزك مش حييجي قبل الفجر هو راح يجيب الحاجة"
تجمدت في مكانها واخت تحدق بي حائرة فاردفت قائلا :" انا حابب اتكلم معاكي شوية لو مش حيضايقك"
اصبحت نظرتها خائفة وصوتها مرتجف " جوزي لو جه حيقتلك "
ثم اغلقت الباب قبل ان استطيع ان انطق فعدت الى منزلي خائبا ولكن عازما على ان اعود من جديد دون استسلام او كلل ..شاهدته وهو يعود مجددا متسائلا لما تلك الرهبة التي تجتاحها ؟؟ لم يبدو منزلهم مهجورا ؟؟ تزايد الفضول لدرجة لم استطع تحملها وحين ذهب زوجها بعد منتصف الليل لم اتريث وذهبت في الحال ..حينما اقتربت لاطرق الباب وجدته يفتح ببطء وتظهر تلك السيدة وعلى وجهها تعبير جديد قالت بنبرة تحدي :" انا عايزة اقتل جوزي حتساعدني ولا لا ؟"
صعقت لسماع تلك الجملة ورغم توقعي انها بالطبع تريد الخروج من هذا السجن الابدي الا ان تحديها ادهشني ..حينما رأت وجومي اردفت بنفس نبرة التحدي:" انت مش حتعمل حاجة خالص انا اللي حعمل كل حاجة انت بس حتساعدني"
ااب فضولي دهشتي فسالتها "انتي عايزة تقتليه ليه؟ وعايزاني اعمل ايه ؟"
فتحت الباب حتى استطيع الدخول ..دلفت الى الداخل كان البيت مظلما بشدة لم استطع ان ارى ..امسكت يدي وقادتني الى حيث اجلستني على كرسي بجانب الشرفة المغلقة حيث تخلل خيط رفيع للغاية من الضوء ..قالت بصوت هادئ "جوزي مالوش حد خالص ورث كتير فمش بيشتغل ومحدش يعرف انه موجود اصلا فلو مات محدش حيحس بحاجة ..انا عايزاك تجبلي سم فران من الصيدلية ..انت معاك عربية ؟؟"
اومأت براسي ايجابا فأردفت :" حتروح اي صحرا وتدفنه ومحدش حيعرف اي حاجة "
اصابتني قشعريرة اثر كلامها فسالتها " انتي عايزة تقتليه ليه ؟"
ازداد صوتها هدوء وهي تقول "انا مش بخلف ومليش حد في الدنيا وهو مش كويس معايا وبيضربني مستغل وحدتي واني مش حقدر اعمل حاجة وزي ما انت شايف معيشني في سجن"
سادت لحظة صمت قبل ان اقطعها قائلا:" وانتي تفتكري انا حساعدك ليه؟"
ردت على الفور وكانها كانت تتوقع سؤالي :" انت عارف كويس ان الفضول ممكن يقتل واول ما شوفتك قلتلك جوزي ممكن يقتلك وبما ان محدش يعرف انه موجود او حتى لو يعرفوا هو مش حيهمه انت متعرفوش"
اجبت في حدة" انتي بتهدديني ؟"
اجابت بسرعة "لا خالص انا بس بوريك ناحية تانية من القصة ممكن متكونش شايفها وبعدين انت حتخسر ايه لو حد عرف حاجة انا اللي حشيل الليلة كلها بس انت حتكون ساعدتني اخلص من السجن ده "
انتصبت واقفا واتجهت نحو الباب اتخبط في بعض الاثاث وقبل ان اغادر قلت لها "سبيني افكر"
ومرت الايام التالية وانا ارى الرجل يخرج ويعود ثم اسمع صرخات احيانا وضوضاء احيانا اخرى ولكنها كانت متزايدة وبشكل شبه يومي فقررت ان اساعد تلك المسكينة وتوجهت الى الصيدلية لاشتري السم وانتظرت حتى غادر الزوج ثم طرقت الباب فتحت وفي عينيها نظرة لؤم شديد اعطيتها الزجاجة وهممت بالمغادرة حين قالت " تعالى بكرة في نفس الوقت حكون مجهزالك الطلب "
اكتفيت بايماءة خفيفة من رأسي ثم غادرت ورأيت الزوج يعود وانا اعلم انها اخر مرة اراه فيها ..ذهبت اليها ليلا لاجد على جانب الباب اكياس سوداء متراصة وعلى الباب ورقة كتب عليها " قطعتلك اللحمة عشان متتعبش"
شعرت بالاشمئزاز الشديد وانتابتني الحيرة اهي حقا صادقة ام انها تريد فقط ان تتخلص من زوجها
لم اجد مجالا للتفكير فأخذت الاكياس ووضعتها في سيارتي ثم انطلقت لدفن الرجل .. بعد عودتي وجدتها تنتظرني عند باب بيتي وفي يدها كيس اخر "خد دي البدلة بتاعته مكنش عنده غيرها ممكن تلبسها او تحرقها"
ثم غادرت مسرعة قبل ان انبس ببنت شفة.. في موقفي هذا كان بالطبع اختياري هو ان احرقها وحينما هممت باحراقها سقطت ورقة على الارض فاشعلت النيران في الرداء ثم التقطت الورقة
"زوجتي مصابة بمرض انفصام الشخصية دفعتني لقتل زوجها سابقا ظنا انها معذبة اذا وجد احدكم هذه الورقة فلربما اكون قتيلا الان لقد حاولت ان اعزلها عن العالم قدر المستطاع"
سقطت الورقة من يدي وقفت جامدا في مكاني لا ادري ماذا افعل وفيم افكر حينما اسعفني جرس الباب اتجهت اكاد اسقط مغشيا علي وفتحته لاجدها تقف امامي وفي يدها كوب من الشاي
"تشرب شاي "

التعليقات