الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الإنسان الهجين ومستنسخاته

في الكوكب الوحيد المأهول بالأحياء في المجموعة الشمسية، توجد أحياء عاقلة، منحها خالقها عقلها لتمتاز به عن غيرها من الكائنات الحية التي تشاركها السكنى في ذلك الكوكب المسمى بالأرض. هذه الكائنات العاقلة تجاوز عددها السبعة مليارات إنسان، ويستخدم تكنولوجيا الإنترنت منها حوالي 3.5 مليار إنسان؛ حتى لحظة كتابة هذه السطور؛ وتبادلوا في يوم كتابة هذه السطور ما يقرب من 211 مليار رسالة إلكترونية حتى الساعة العاشرة وعشر دقائق مساءً.
لقد بات الإنسان علي كوكبٍ محتشدٍ بالأرقام الضخمة، وإحدى هذه الأرقام الضخمة كانت تعداد مشاهدي الأغنية المصورة Gangnam Style للمغني الكوري الجنوبي (ساي).
أغنية Gangnam Style التي تم بثها عبر الفضاء الإلكتروني في 15/7/2012م، ومنذ ذلك الوقت وتعداد مشاهديها في تزايد وتنامي، فقد بلغ عدد مشاهدات الأغنية؛ حتى لحظة كتابة هذه السطور؛ حوالي 2.675.734.324 مشاهدة، بما يشير إلي أن الأغنية تحظى بمتوسط عدد مشاهدات يومي يتجاوز 1.6 مليون مشاهدة.
الأرقام ضخمة وعسيرة الهضم بالتأكيد، لكن لها دلالتها الإحصائية، إذ تشير إلي حجم الانتشار الجماهيري الذي حققته أغنية مصورة في العالم، سواء في الفضاء الإفتراضي الذي يحملها، أو في الفضاء الواقعي الذي أنتجت به، وأقام المؤدي الكوري الجنوبي (ساي) به حفلاته التي شاهدها الملايين أيضًا.
إن نوعية الانتشار الذي حظيت به هذه الأغنية هو انتشار انفجاري، غير أن له امتداد زمني (دوي)، صحيح أنه آخذ في التراجع، لكنه تراجع تدريجي بطئ نسبيًا، وستحظى الأغنية في لحظة زمنية ما بالخفوت الجزئ وليس التام.
إن أغنية Gangnam Style تعتمد علي مجموعة من الترانسات الموسيقية (الجمل الموسيقية الإلكترونية سابقة التجهيز) والتي يتم إعادة صياغتها وتدويرها بما يتلائم مع المطلوب أداءه في الأغنية المستخدمة بها، حيث يمكن التحكم في كل شيء يخص (الترانس) من إيقاعه وشكل أداءه ومؤديه من الآلات الموسيقية الإلكترونية التي يختارها الموزع الموسيقي، فـ(الترانس) أشبه بعجينة البيتزا السابقة التجهيز، يقوم صانعها بتشكيلها وفقًا لرغبات الزبون، وإضافة الحشو وتحديد التخانة المطلوبة ونوعية التوابل وغيرها، ليتم طهيها وتقديمها للزبون دافئة (لاحظ أنه لا يمكن تقبلها باردة)، كذلك بعد أن ينتهي الموزع من تجهيز (الترانس) بما يتناسب مع المؤدي والجمهور المستهدف (عمله أشبه إلي حد كبير بعمل الدراماتورج المسرحي) يتم تصوير الأغنية ونشرها علي المنصة العالمية في الفضاء الإلكتروني اليوتيوب YouTube.
تُقدم أغنية Gangnam Style عبر أداء مؤديها (ساي) المغني الكوري الجنوبي، الذي يقوم بتصدير حركات قيادة الخيول، علي الرغم من إنه كان من طالبي الاستجمام والاسترخاء؛ وهذا هو الـ Style (الهيئة/المظهر) المُقدم بالأغنية، إلا أن المؤدي/البطل باحث عن مهرته المبتغاة (يتغنى بفتاة دافئة تفيض بالإنسانية والتحرر)، فمنذ ظهوره في إسطبل الخيول في بداية الأغنية مرورًا بمجموع الحركات التي يقوم بأدائها؛ هو والمجموعة؛ والتي تعبر عن هذا التطلع لقيادة الخيول، مع تماثل حركة قيادة الخيول المؤداة مع حركة قيادة الخيول المُقدمة في أفلام الغرب الأمريكي Western Films، فعبر محاكاة المؤدي الرئيسي بالأغنية والمجموعة المصاحبة حركة الإمساك بلجام الحصان بكلتا اليدين أثناء الانطلاق سريعًا بها واهتزاز كامل البدن، ومرورًا بمحاكاة حركة أرجحة الأنشوطة في اليد قبل اطلاقها علي الفريسة/الهدف، وهي الأنشوطة التي كان يتم بها قنص وترويض الخيول الجامجة الجانحة، وكلمات الأغنية تتحدث عن تلك الفتاة/المهرة المتصورة، كم تعدد المزايا الإنسانية للمؤدي البطل.
هذا ما تُقدمه لنا الأغنية في نصفها الأول، كأن بطلها الذي يحاكي فعل راعي البقر الأمريكي في أفلام الغرب والباحث عن مهرته في رحلة بحثه المستمرة، حتى يعثر علي فتاته/مهرته في إحدى عربات المترو ويقتنصها. هنالك تأخذ الأغنية منحنى جديد، هو ليس علي نفس استقامة النصف الأول لكنه بكل تأكيد امتداد له، وتطوير لأدائه الموسيقي والصوتي، وتنامي لمحتوى الرقص المصاحب.
في النصف الثاني من أغنية Gangnam Style يبرز أمران دالان جدًا؛ هما:
الأول - التناص مع أغنية Hey Sexy Lady السابقة عليها (نشرت في 2002م، ثم أعيد نشرها مرة أخرى علي اليوتيوب في 2009م).. حيث صنعت أغنية Gangnam Style تعالقًا نصيًا بينها وبين أغنية Hey Sexy Lady له ثلاثة مظاهر رئيسية؛ وهي:
أ‌. الذكر المباشر لمذهب أغنية Hey Sexy Lady، والذي يحمل اسمها وجملتها الموسيقية الرئيسية المميزة لها.
ب‌. استخدام (تضمين) الجملة الموسيقية الرئيسية لأغنية Hey Sexy Lady في الأداء دون اللجوء إلي أي انحراف أو تحريف موسيقي.
ت‌. إيراد الصورة الأيقونية التي قدمتها أغنية Hey Sexy Lady، والمتمثلة في تحريك أرداف وأثداء النساء وتهييج الذكور بهذا التحريك الذي يتخذ عدة أشكال إيقاعية خاصة بعملية التحريك ذاتها في أغنية Hey Sexy Lady، فباتت هذه الحركة في ذاتها – وغيرها من بعض الصور – كأنها أيقونة للإغراء الجنسي بواسطة الجسد، وتم عبر تاريخ بصري طويل صكَّ أيقونتها وتأكيدها في أفلام سينمائية عديدة، وأغاني مصورة، وأفلام إباحية، وأغلفة مجلات، وأفيشات أفلام، حتى باتت أيقونة للإغواء والإغراء الجنسي، يمكن أن تقابل تمامًا أيقونة الرحمة التي تظهر بها السيدة العذراء حاملة طفلها المسيح - عليه السلام – وحول رأسيّهما هالات النور.
الثاني – استمرار ظهور المهرة/الفتاة دائمًا مع مؤدي الأغنية وبطلها (ساي) وإلي جواره مع تنامي/تزايد أعداد الراقصين التي تصاحبهما، وتزايد التأكيد علي تحريك الأرداف؛ أرداف الراقصات خاصة.
هكذا تقدم الأغنية Gangnam Style نموذجًا لأغنية افتراضية تحاكي فعل العولمة في العالم عبر تصدير نمط (نموذج) ثقافي واحد لكافة الثقافات، ومحاولة دمجه بها وفرضه عليها، وهو النموذج الأمريكي والذي يبرز منذ بداية الأغنية حيث يحاول الطفل الصغير المصاحب للمؤدي/البطل محاكاة إيماءات (مايكل جاكسون) قبل إن ينتقل إلي محاكاة إيماءات رعاة البقر التي هي الجملة الإيمائية الحركية الرئيسية في الأغنية. كذلك يستمر تصدير النمط الثقافي الأمريكي عبر أغنية تتحذ من الإستهلاكية مثلاً أعلى لها متجليًا في الإستهلاكية الجنسية للجسد. لقد أطلق البعض من المنظّرين والكُتّاب علي عملية العولمة الثقافية - في نهاية القرن العشرين – أنها عملية "أمركة" للعالم. ولقد استخدمت الأغنية Gangnam Style فعل التناص الذي يقابل فعل العولمة – بمعنى "الأمركة" في رأينا؛ فمشكلة التناص كما يبرزها (جراهام ألين) في كتابه "التناص"، هي ربط عدة نصوص معًا في نص واحد بدون تدمير بعضها بعضًا وبدون تمزيق كلية النص ووحدته (جراهام ألين: التناص، ترجمة: محمد الجندي، المركز القومي للترجمة؛ 2667، القاهرة؛ 2016م؛ ص 124).. كذلك تفعل العولمة إذ تحاول دمج الثقافات بعضها بعضًا، وتخضعهم لقيم ثقافية خارجية (أمريكية) استهلاكية – في الغالب، لكنها – أي: العولمة – علي عكس التناص تمزق الثقافات الأصلية وتدمرها وتنفيها لصالح قيم ثقافة وحيدة جديدة تتبناها كسائد ثقافي، أو كثقافة أعلى. سنلاحظ فيما يأتي أن إحدى اللحظتين الأقوي والأبرز في الأغنية Gangnam Style كانت لحظة تخلص المؤدي من لاعبي لعبة تراثية شعبية كورية (يتم تفجير اللعبة واللاعبين في الخلفية بينما ينطلق البطل/المؤدي للأمام.. إلي المستقبل).
وبفضل التسارع العجيب لإيقاع الحياة، وأداء أدواتها التكنولوجية، وسيطرة المال علي كل مداخيلها ومخارجها، وهيمنة العالم الإفتراضي وعلاقاته علي الإنسان الذي بات يحيا بها بأسماء وهمية، وصور متخيلة مغايرة لهويته وطبيعته، فأصبح الوجود الإنساني الآني – كما يراه (هيدجر) – ليس له وجود حقيقي في وجود يمكن التأكد منه، ولم يتبقَ لهذا الإنسان سوى القلق بشأن وجوده ومصيره الخاص، ولم يتبقَ له سوى البحث عن لحظات الاسترخاء، حيث يستطيع أن يتلمس بوابات اللاوعي والحلم، ويمكنه أن ينفي القلق بشأن وجوده ومصيره ولو لحظات قليلة.
هذه هو الإنسان الكوري الجنوبي المنهك اللاهث في أغنية Gangnam Style.. إنه إنسان منطقة Gangnam-gu في مدينة سيول Seoul، والموزع بين ثقافتين جعلت منه نموذجًا للإنسان الهجين الثقافي الذي تحدث عنه (هومي بابا) في "موقع الثقافة"، فمنطقة Gangnam باتت هي محرك للرأسمالية الكورية، وهي رأسمالية هجينة تلعب دور الوسيط في خدمة الرأسمالية الغربية، مثلما لعب نظام الأندرويد دور الوسيط بين الشرق والغرب، دون أن يمكن الغرب الأسياويين من أسرار أنظمته "آبل" أو "مايكروسفت"، طورت "جوجل" نظام الأندرويد – بالإعتماد علي نظام Linux - ليكون نظامًا هجيبنًا يخدم الهواتف الذكية التي تعمل باللمس. إنسان منطقة Gangnam-gu في سيول تنتشر بينهم نسبة كبيرة من المتعليمين خارج كوريا الجنوبية (خاصة بحي Cheongdam-dong)، بالإضافة إلي أن المنطقة جاذبة للراغبين في التعليم المتميز ويتنشر بها مركز التعليم العاليمة لتجعل منها مركز لتفريغ المهجنين الصالحين لخدمة المنظومة الرأسمالية العالمية. وتقدم المنظومة الرأسمالية العالمية لإنسان منطقة Gangnam-gu المحلات ذات الماركات العاليمة التي تمزج بين ما هو محلي مثل: هينداي، G.S جروب، هانكوك تاير، وما هو عالمي مثل مجوهرات الفرنسي Cartier's Cartier Maison. ومحلات الترفيه؛ مثل: FNS, SM Town, JYP. والتي تقدم له فرق فنية تناسب ذوقه المهجن المصطنع؛ مثل: Super Junior, Shinee. هذه هي روح Gangnam التي يحملها النموذج الإنساني الذي تطرحه الأغنية ولديه من الرغبة الجنسية ما لديه، ومن الطموح ليكون إنسانًا هجينًا نموذجًا خادمًا مرضي عنه من منظومة الرأسمالية العالمية، ولديه من الحاجات ما لا يستطيع الوفاء به.
إنه إنسان منطقة Gangnam-gu الموزع بين لحظتين كونيتين، تم تضخيمهما وإبرازه ما في سياق الأغنية؛ وهما:
اللحظة الأولى: حين يتخلص من اللعبة التراثية الشعبية الكورية ولاعبيها..
اللحظة الثانية: حين يلتقي بالمهرة/الفتاة في عربة المترو..
ويتم إبراز كلتا اللحظتين في الأغنية بواسطة مجموعة من المؤثرات البصرية والصوتية الخاصة. ما بين اللحظتين الكونيتين يكون ذلك الإنسان المُعذب بقلقه قد تخلص من ذاكرته وماضيه تمامًا وانطلق مع من يتصور أنه يمنحه الرعاية والمحبة غير المشروطتين (فهي الفتاة الأكثر حساسية من ذلك).
كان هذا السابق في شأن الأغنية الكورية Gangnam Style ؛ فماذا عن شأن مستنسخاتها، خاصة العربية منها؟!
يجب البداية التأكيد علي وجود العديد من المستنسخات من الأغنية الكورية الجنوبية Gangnam Style، وليست كل المستنسخات عربية، لكننا اخترنا أهم المستنسخات العربية منها لنتناولها في هذا التحليل؛ وهي:
1. النسخة المصرية: "بالمصري تقولها إزاي!"؛ كانت الأولى من حيث التدشين وريادة الاستنساخ، وتم نشرها علي اليوتيوب في 25/11/2012م، وحظيت بعدد مشاهدات تجاوز 109 ألف مشاهدة – حتى تاريخ كتابة هذه السطور في مطلع شهر نوفمبر 2016م.
2. النسخة السعودية: "Oppa Saudi Style" "أوبا سعودي ستيايل"؛ تم نشرها علي اليوتيوب في 24/12/2012م، وحظيت بعدد مشاهدات تجاوز 302 ألف مشاهدة – حتى تاريخ كتابة هذه السطور.
3. النسخة اليمنية (الحضرموتية): "بوحضرم ستيايل"؛ تم نشرها علي اليوتيوب في 29/3/2013م، وقد حظيت بعدد مشاهدات فاق مشاهدات النسختين السابقتين بكثير، فقد بلغ عدد مشاهدات هذه النسخة علي اليوتيوب – حتي وقت كتابة هذه السطور – 2.1 مليون مشاهدة.
يبرز في البدايات عبر تواجد هذه المستنسخات من أغنية واحدة حقيقة حاول تأكيدها عدد غير قليل من مُنظّري ونقاد ما بعد الحداثة، عبر تأكيدهم علي أن إعادة الإنتاج آخذةُ لتحل محل الإنتاج الأصيل (جراهام ألين؛ ص 194)، مما يعني انسداد المداخل إلي الواقع – كما يرى (رولان بارت) – بسبب كثرة التشبع بالصور النمطية المكررة بسبب سيادة الممارسات التناصية. فتصبح الأعمال الفنية مثل النسخ المعمارية المكررة التي تملأ الشوارع في الصين، وكوريا، وماليزيا، وباكستان، ومصر، والبرازيل، وغيرها من دول العالم المعاصر، إنها نسخ متطابقة بلا معني سوى المحاكاة والتقليد، دون أدني معرفة بوظائف النمط المعماري موضوع المحاكاة، أو التأكيد علي مدى ملائمته للخصائص الاجتماعية والنفسية والثقافية لساكنيه الجدد.
إنّ المستنسخات العربية من الأغنية الكورية المصورة Gangnam Style لا تحمل نفس الدلالات التي تحملها الأغنية الكورية، ولا تحمل نفس القيم التي تحملها، غير أن كل نسخة تحاول التأكيد علي هوية ناسخيها، فالنسخة السعودية تحاول التأكيد علي خصوصية الإنسان السعودي، في حين تسعى النسخة المصرية للتأكيد علي خصوصية اللهجة المصرية وتمايزها، بينما تسعى النسخة اليمنية للتأكيد علي إنتشار الإنسان الحضرمي (نسبة إلي مدينة حضرموت في جنوب اليمن) وتمايزه "كيف تعرف إني حضرمي.. من صاروني وسبيعتي".
استعانت المستنسخات العربية من الأغنية الكورية Gangnam Style بنفس الترنسات الموسيقية التي استخدمتها الأغنية الكورية، وتم كتابة كلمات يتم غنائها لتصاحب تلك المحاكاة الموسيقية البصرية للأعنية الكورية، لكن الكلمات المعاد كتابتها لكل أغنية جاءت بعيدة كل البعد عن كلمات الأغنية الكورية التي تتحدث عن الفتاة أحلام البطل التي يشتهي وجودها، مع ترديد لمزاياه التي تتوافق مع المواصفات المنشودة في فتاة الأحلام المتحررة الدافئة المكتزة بالمشاعر الإنسانية، فتاة الأحلام التي تعرف وقت كل شيء مثل بطلها الذي ينشدها ويبتغيها..
"الفتاة التي تبدو هادئة، ولكن عندما تلعب.. تلعب..
الفتاة التي تصفف شعرها لأسفل، حتى يحين الوقت المناسب..
الفتاة التي تغطي نفسها، ولكنها أكثر إثارة من الفتاة التي تتعرى من كل شيء".
أما المستنسخات العربية، فقد حصرت محاكاتها التهكمية في الصورة والأداء الصوتي الغنائي المصاحب للترانسات الموسيقية. لقد سيطرت المحاكاة التهكمية تمامًا علي المستنسخات العربية من الأغنية الكورية Gangnam Style، لكنها لم تكن تتهكم من الأغنية التي تحاكيها أو قيمها أو مضامينها التي غابت عنها تمامًا، غير أن المستنسخات العربية كانت تسخر وتتهكم من ذاتها وذات ناسخيها أكثر من أي شيء آخر. إنها تبدو في الظاهر أنها تقدم خطابًا عن خصوصية هوية الناسخين لها، لكنها في الحقيقة تقدم خطابًا تهكميًا مريرًا من تلك الذات الناسخة، فتتهكم النسخة السعودية من ملابس أصحابها، وتناول الحمضيات في الصباح. وتتهكم النسخة المصرية من بعض العادات السلوكية للمصريين مع الطعام والملابس. أما النسخة اليمنية فتتهكم من انتشار الحضرمي (نبسة إلي حضرموت) في العالم وتدخله في كل شيء.
لقد جاءت المحاكاة التهكمية في المستنسخات العربية الثلاثة بدون جماليات حقيقية تتفرد بها نسخها، فكانت أقرب إلي قناع من الصور والرموز والأيقونات الثقافية، دون وجود دوافع حقيقية – باستثناء الضحك. فالمحاكاة الساخرة الفارغة هي أشبه ما يكون بتمثال بلا عيون، حديث إلي الجمهور من خلال الأقنعة والأصوات المستعارة غير الحقيقة، فباتت أشبه بواقعة غير فنية وغير واقعية مخزونة في الخيال الثقافي لناسخي هذه المحاكاة التهكمية.
فرغم المحاولة استنساخ الصور والكدرات والتكوينات، وكذلك الغناء علي الموسيقي المصاحبة، والإيماءات، إلا أن المستنسخات لم تقدم شيئًا جديرًا بالذكر سوى ذلك الخطاب التهكمي الذي يسخر من ذات ناسخي بلا مبرر واضح، وهذا هو الشيء الرئيسي الذي اتفقت عليه المستنسخات العربية الثلاثة.
النسخة السعودية تبدأ من شاب يطالع جريدة اليوم اليومية، والشاب عبارة عن مسخ حضاري فهو يرتدي ثياب داخلية مكونة من فانيلا وسروال (هما موضوع الغناء داخل النسخة السعودية)، مع قبعة غربية ونظارة شمسية، ويحتسي مشروبًا باردًا من علبة مياه غازية، كذلك المجموعة التي تشاركه الأداء داخل النسخة السعودية تردية هذا الخليط الذي يمزج ما بين الثقافة المحلية والثقافة المستوردة عبر الغزو الأمريكي (النموذج الثقافي الأعلى)، فتجد السروال والفانيلا البيضاء مع الغطرة والنظارة الشمسية وعلبة المياه الغازية، مع استعارة الإيماءات الحركية للمغني الكوري الجنوبي (ساي) ومجموعته.
النسخة المصرية تركز بداية من العنوان علي عملية التلفظ في التعبير "تقولها ازاي"، إنها التركيز علي عملية البحث عن صيغة للتعبير عن الذات باستخدام المحاكاة التهكمية، في لحظة يظهر كالوميض أنهم كادوا أن يعثروا علي هويتهم حين استبدلوا "Oppa" بـ"هيلا هوبا" لكنهم عادوا من حيث انطلقوا فلم يكن المقصد تقديم أزمة التعبير عن الذات، لكنه كان التهكم والسخرية من الذات وإعادة جلدها مرات ومرات.
النسخة اليمنية كانت أكثر قربًا من ذاتها وإن انتهج ناسخوها نهج غيرهم من الناسخين العرب (المصري والسعودي)، لكن سعيهم للإضحاك عبر التهكم والسخرية كان نصب أعيونهم واضحًا، وقد أكدوا عليه عبر عتبة نصية ختامية، حملت الشكر لكل من شارك في هذه العمل الذي وصفوه بأنه كوميدي حضرموتي.
لم تعنِ النسخ الثلاث من المستنسخات العربية للأغنية الكورية Gangnam Style بالإيماءة الحركية، وذلك لأنهم في محاكاتهم التهكمية لم يكن همهم تقديم محاكاة تهكمية لمضمون الأغنية الكورية أو موضوعها، لكنهم كانوا يتطلعون لمحاكاة الصورة واستنساخها بدرجة كبيرة عبر المحاكاة، ولأن الناسخين علي غير دراية أو استيعاب للمضون الثقافي للاغنية، فقد جعلوا من ذواتهم وثقافتهم موضوعًا للتهكم والسخرية. ستجد الإيماءة حاضرة وواضحة إلي حدٍ كبير في النسخة السعودية، ربما لقرب الثقافة الناسخة في هذه الحالة من الثقافة القادمة منها الإيماءة الحركية وهي الثقافية الأمريكية. فحين تتراجع الإيماءة وتقدم بشكل غير متقن إلي حدٍ ما في النسخة المصرية، لأن النسخة المصرية اهتمت بالتعبير اللفظي عن التعبير الحركي الإيمائي، وإن كان الإيمائي حاضرًا غير غائبًا لكنه حضور خافت. أما النسخة اليمنية فالإيماءة الحركية غير متقنة علي الإطلاق وغير مكترث بإتقان أدائها أو تقديمها بشكل جيد، وذلك لعد استيعاب الثقافة الناسخة للطبيعة الثقافية للإيماءة ودلالتها في سياق الأغنية الكورية.
فالإنسان الهجين الذي تتخذ منه الأغنية الكورية الجنوبية موضوعًا لها، ليس هو ذاته أي من إنساني المستنسخات العربية المقترحة. حقًا إن نموذج الإنسان الهجين يتنامي في كل من مصر والسعودية، لكن معدلات تواجده في الواقع لا تتجاوز حدود هامش بشري غير مؤثر في سياقه الواقعي، بالإضافة إلي أنه غير قادر علي التكيف في البيئتين المصرية أو السعودية بسبب ما قد يعانيه من تلك الثقافتين، المصرية بشوفونيتها، والسعودية بوهابيتها الأصولية. أما الإنسان الحضرمي؛ فهو بعيد كل البعد عن أن يكون إنسانًا هجينًا ذات يوم، فما زال اليمن غارقًا في صراع القبائل العربية العدنانية والقحطانية الذي لم يتوقف في جنوب الجزيرة العربية أو في شمالها.

التعليقات