الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

يسألونك عن الأمن القومي العربي.!

الكاتب : رجب الطلخاوى

مِن المُسلَّمَات في العلوم السياسية خاصة قطاع العلاقات الدولية، أن عالم السياسة الدولي او الجماعة الدولية تقوم علي مجموعة من الدول المستقلة ذات السيادة، وكل دولة تسعي من جانبها لتعظيم مصالحها القومية والدفاع عنها في إطار مفهوميّ المصلحة القومية والهدف القومي، وبسبب تصادم المصالح بين اطراف هذه الجماعة الدولية تنشأ المنافسة والصراع والحرب ،ومن هذا المنطَلَق تعمل كل دولة بصورة دائمة علي امتلاك القوة الكافية التي يمكن من خلالها مواجهة التهديدات الموجهة لها. يُطلق علي هذا الامر في الادبيات السياسية والدراسات الاستراتيجية مفهوم " الامن القومي " . والحقيقة أن الامن القومي هو مصطلح نكرره كثيراً في حديثنا عندما يتصل الامر بسلامة الدولة وسيادتها ومصالحها الاساسية، كما لا يخفي علي احد أنه اصبح من المصطلحات المتداولة في حياتنا لا سيما في الاوساط الاعلامية سواء المقروءة و المسموعة. و بادئ ذي بدء مما يتعين الوقوف عليه محاولة ضبط وتعريف بعض المصطلحات كالأمن القومي والمصلحة القومية والهدف القومي و الأمن الاقليمي ،ولا يعني ذلك التوسع في المفاهيم وإنما محاولة الوقوف علي الحد الأدني من المعرفة بتلك المفاهيم والمصطلحات بالإضافة الي التعرف سريعاً علي ما لحق المفهوم من تطور والتحديات التي تواجه الامن القومي العربي. وذلك حتي يتسنّي لنا الانطلاق من ارضية صلبة قوامها حقائق علمية مستخلصة وشواهد وادلة من الواقع بعيداً عن التشدّق بكلمات عنتريّة فارغة، كثيراً ما صدَّعنَا بها البعض حيث ينقصها دقة المعلومات والموضوعية وللأسف هم كُثُر.!.
(اولاً : ضبط مفاهيم ومصطلحات )
( 1 ) مفهوم الامن القومي :- محاولات كثيرة قُدِمت لتفسير وايضاح هذا المصطلح من ضمنها ما ذكره " ماكنمارا " وزير الدفاع الامريكي الاسبق واحد مفكري الاستراتيجية البارزين في الامن القومي في كتابه جوهر الامن بأنه " افتراض وقوع أسوأ حالة وامتلاك القدرة علي معالجتها وهي المعالجة التي يسعي المجتمع عن طريقها الي تأكيد حقه في البقاء والشعور بحرية الدولة وقدرتها علي تحسين اوضاعها مستقبلاً " ،كما عرفه البعض بأنه مجموعة من القواعد الحركية التي يجب علي الدولة ان تحافظ علي احترامها لتستطيع ان تضمن لنفسها نوعاً من الحماية الذاتية الوقائية الاقليمية، ولذا فالأمن القومي الحقيقي للدولة هو التطور والتنمية سواء الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية والثقافية، وبالتالي فالأمن القومي ليس هو حجم وكفاءة المعدات العسكرية فقط _ كما يردد البعض _ وإن كان يتضمنها، والامن القومي ليس هو القوة العسكرية فحسب وان كان يشملها، وإنما الامن القومي الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية بكافة ابعاد الامن القومي من بُعدٍ سياسي واقتصادي ومعنوي وعسكري واجتماعي وبيئي و في كافة المجالات سواء في الحاضر المستقبل.
(2 ) مفهوم الامن الاقليمي:- هو اصطلاح اكثر حداثة ظهر في التحليلات السياسية والاستراتيجية بشكل واضح في الفترة ما بين الحربين العالميتين( 1919- 1939 ) ليعبر عن سياسة مجموعة من الدول التي تنتمي الي اقليم واحد يسعي من خلال وضع وتنظيم تعاون عسكري لدول ذلك الاقليم الي منع أية قوة اجنبية او خارجية من التدخل في ذلك الاقليم وجوهر هذه السياسة هو التعبئة الاقليمية من جانب والتصدي للقوي الداخلية من جانب اخر وحماية الوضع القائم من جانب ثالث.
(3 )مفهوميّ المصلحة القومية والهدف القومي:-
أ- مفهوم المصلحة القومية :- يعد هذا المفهوم من المفاهيم الاساسية في تحليل السياسة الخارجية للدول ويعكس هذا المفهوم الغايات العامة والمستمرة او طويلة الامد التي تسعي الدولة لتحقيقها ، وبالتالي يمكن اعتبار المصلحة القومية بأنها كل قيمة ذات اهمية لاي من اللاعبين الدوليين يسعي الي تحقيقها او الحفاظ عليها او العمل علي زيادتها وبالتالي فالمصلحة القومية _ من حيث مضمونها _ هي محصلة اهداف الدولة في المجال الخارجي، ومن ابرز المصالح القومية للدول حماية السيادة الوطنية، سلامة الكيان الاقليمي، زيادة الرفاهية الاقتصادية،الدفاع عن ايديولوجية الدولة.. الخ.
ب- مفهون الهدف القومي :- الرغبة المدعّمة بقدرة الدولة لتحقيق وضع معين ترغب في الوصول اليه في المجال الخارجي وذلك من خلال الامكانيات وعوامل القوة المتاحة للدولة؛ ومن اهم الاهداف القومية الشائعة حماية السيادة الوطنية، زيادة مستوي الثراء الاقتصادي للدولة، الاهداف الثقافية كحماية التراث الثقافي من اخطار الغزو الثقافي الذي تتعرض له الدولة من الخارج.. الخ. ويعد كلا المفهومين المصلحة القومية والهدف القومية من العوامل المؤثرة في عملية رسم السياسة الخارجية للدولة، إذ في ضوء كلا المفهومين _ بالاضافة لعوامل اخري _ تتم عملية صنع السياسة الخارجية وعملية اتخاذ القرار الخارجي. بل من وجهة نظر البعض أن كلا المفهومين هما المحدد الاساسي لتحركات الدولة علي ارض الواقع.
(ثانياً الأمن القومي في الممارسة والتطبيق )
للأسف يخطئ البعض ويرتكب إثماً علمياً عندما يظن بأن مفاهيم الامن القومي والامن الاقليمي والهدف القومي والمصلحة القومية جامدة ولا تتغير!؛ بكل تأكيدٍ لكل دولة خصوصياتها الوطنية وحساباتها الداخلية وايضاً الخارجية في علاقاتها الدولية بجيرانها ،ولكن هذا لا يمنع بأن تلك المفاهيم يُجرَي عليها ما يُجرَي علي عالم السياسة بشكل عام حيث الديناميكية والتغير والحركية والتأثر بعامل الزمان والمكان والاولويات والبدائل.وبالملاحظة نجد أن مفهوم الامن القومي العربي " اي امن قومي لمجموعة اقطار عربية مجتمعةً " من المفاهيم التي ما زالت حتي الآن تواجه أعاصير السياسة الدولية المتقلّبة؛وقد مرّ المفهوم بتطورات عدّة نلقي الضوء علي بعض منها:-
أولاً/ نشأة هذا المفهوم وولادته في كنف الدولة القومية وكانت النتيجة أن جعل الدول تركّز في مفهومها للأمن القومي علي البعد العسكري حيث الامن الاستراتيجي العسكري المتعلق بالاستقلال والسيادة القومية وحماية حدود الدولة ضد الاعتداءات الخارجية مما يستتبع _ آنذاك _ ان مسئولية تحقيق الامن تتولاها الجيوش واجهزة المخابرات التابعة للدولة.
ثانياً/ ساد الاعتقاد بأن الحروب الاقتصادية _وليس الصراعات المسلحة_ هي التي تشكل التهديدات الحقيقية للامن القومي، وانعكس ذلك علي الامن القومي العربي خاصة في المجال الاقتصادي في الفترة التي اعقبت حرب اكتوبر 1973 م.
ثالثاً / ظهور المدرسة المجتمعية الشاملة او الاتجاه التكاملي الذي بدأ التركيز علي الابعاد الشاملة للأمن القومي بحسبانه متغيراً نابعاً لمجموعة متكاملة من العوامل المستقلة واعتبار أن الامن القومي ظاهرة مجتمعية تتفاعل في تحريكها عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية داخلية وخارجية.
رابعاً / مع نهاية فترة الحرب الباردة اصبحت التحديات الامنية اكثر تعقيداً ،وظهر بوضوح مدي ديناميكية مفهوم الامن القومي متغلغلاً في كافة مناحي الحياة ليرتبط بالانسان ذاته حتي انه يكاد يتطابق مع مفهوم التنمية البشرية وهو " الامن الانساني " للوصول بالمجتمع الي حالة الانسان الحر، وهو ما انعكس بدوره في فلسفة المجتمع في التعامل مع مسألة الامن الوطني.
خامساً/ قد لحق مفهوم الامن القومي العربي_ خاصة مع بداية الالفية الجديدة _ بعض التطورت خاصة مع ظهور مصادر تهديد جديدة كتجارة المخدرات عبر الحدود والجريمة المنظمة وتهريب المواد النووية ومشكلات اللاجئين والهجرة غير الشرعية والمخاطر البيئية والارهاب الدولي وغيرها من التهديدات التي فرضت ضرورة اعادة النظر في مفاهيم الامن القومي.

( ثالثاً :تحديات الامن القومي العربي)
الكثير قد نادي بضرورة اعادة بلورة مفهوم الامن القومي العربي الامر الذي لاقي استجابة متأخرة؛ حيث ان مفهوم الامن القومي العربي ورد " نصاً " لاول مرة في وثيقة اقتصادية وهي استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك التي تبنتها قمة عمان 1980 م والتي اشارت للمفهوم في بُعده الشامل: العسكر ي والفكري والغذائي والتكنولوجي؛ ولم تبدأ جامعة الدول العربية في مناقشة موضوع الامن القومي العربي الا في دورة سبتمبر 1992 م. لا شك أن المنطقة العربية بكل ما تمرّ به منذ نهاية 2010 م سواء أن كان ربيعاً ام خريفاً او قررنا استبدال تلك المصطلحات بأخري، فليس في ذلك منفعة او فائدة سوي الانغماس في نقاش مفهومي عقيم، فالأهم من الحَدَث توابعه ونتائجه.فالمنطقة العربية في الخمس سنوات المنصرمة تئنّ لما وصلت اليه من حالة متردية، ابتداءً من تونس ومصر مروراً باليمن وتدهور ليبيا ومآساة سوريا وظهور لبعض الاحتجاجات لفترة من الوقت علي استحياء في البحرين والعراق والكويت والسودان ، بجانب سقوط انظمة عربية سواء من الداخل او من الخارج مع صعود قوي الاسلام السياسي وانحسارها مرة اخري ، ناهيك عن قوي اقليمية تسعي للهيمنة كتركيا وايران بالاضافة الي التحديات التي تواجهها المنطقة العربية في مواجهة فاعلين غير دول كداعش والتنظيمات الارهابية .ولا زال من الاهمية بمكان إعادة ضبط بوصلة تحركات الدول وفي علاقاتها الخارجية سواء علي الصعيد الاقليمي و الدولي. وفي المقدمة يأتي مفهوم الامن القومي العربي كأولوية لإعادة صياغته وبلورته؛ وبكل تأكيد إعادة تعريف الامن القومي لا يقتصر علي دول المنطقة فحسب ولكن يتعداه ليصيب القوي الكبري والعظمي بما فيها الولايات المتحدة الامريكية التي لم تدّخر جهداً عندما ساندت وما زالت تساند " اسرائيل " القائمة علي اساس ديني عنصري ممثلاً في الصهيونية السياسية والتحالف الاستراتيجي الامريكي الاسرائيلي الذي يقوم علي اسس راسخة تكفل التفوق النوعي الإسرائيلي علي جميع الدول العربية.تلك ثوابت في السياسة الامريكية ولن تتغير ولن تتبدل ، مما يمكننا القول بأنه لا توجد سياسة امريكية في البلدان العربية وإنما يوجد سياسة اسرائيلية تتبناها الولايات المتحدة الامريكية، بالإضافة الي أن المنطلقات الجيوبولتيكية للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة العربية تسير جنباً الي جنب المنطلقات الجيوبولتيكية لإسرائيل، لا سيما عندما وضع البروفيسور الامريكي " بارنارد لويس " مخططاً للشرق الاوسط الجديد 1992م بعنوان " اعادة النظر في الشرق الاوسط " وانطلق فيه من التخلي الرسمي عن حلم القومية العربية و المتعلق بالوحدة وبدولة عربية موحدة او حتي بكتلة سياسية متماسكة ورسم شرق اوسط جديد ،باختصار يريد " بارنارد " شطب ما يسمي العرب ودور العرب والعروبة والقومية العربية والتكتل العربي لمصلحة قوي اقليمية اخري في طليعتها اسرائيل وتركيا!. وللأسف لا تزال اوضاع الامن القومي العربي في تدهور يتزايد يوماً بعد يوم نتيجة لحالة التشرذم والانقسام والفرقة التي تمزق منظومة الامن العربي بين مصالح متناحرة واختراقات خارجية تضرب امن منظومة الامن القومي العربي في القلب، وتدفعها نحو حالة من التبعية الامنية للخارج بعيداً عن التكاتف العربي العربي الذي يفرضه واقع الانتماء لإقليم توافرت له عوامل التشابه ومقومات التماثل ما لم يتوافر لغيره من الاقاليم الاخري التي حققت مستويات عالية من التعاون الامني ولكنها المصالح الضيقة التي دفعت نحو الانكفاء الداخلي والتركيز علي حماية تلك النظم دون ان تكرّس انكفاءها هذا لتحقيق تنمية حقيقية تكافئ تطلعاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يرتفع سقفها يوم بعد يوم.

التعليقات