أخر المقالات

الحلقة النابضة

الكاتب : محمد البابلى

الحلقة النابضة .
جلس غريب الأطوار مع شخص , ربما هو صديقه ليتحدث اليه :
- لعلك لن تصدقنى عندما أقول لك بأننى أرى الأشياء , كل الأشياء.
لعلك تتعجب , تُكذّب , تنفى حدوث مثل هذا الكلام , ولكنى أنصك بأن تصدق حتى تخفف صدمة روحك عندما ترى مالم تصدقه من قبل .
كنت صغيرا بجوار أبي عندما رأيت روحا تخرج من أحدهم وتصعد ببطء , إنها كحلقة نابضة مندمجة مع ضوء النهار , لا أعرف كيف ميزتها ولكنى انتبهت عندما قال أحدهم : " صعدت روح الرجل" , ولم أر شيئا يصعد غير الذى رأيته .
كان هذا فى منتصف سبعينيات القرن العشرين , وكان عمرى وقتها ثلاث سنوات , لا تحسدنى لقوة ذاكرتى ولا تندهش عندما أقول لك بأننى اذكر قبل ذلك أيضا .
لقد ترك هذا المشهد بصمته فى ذاكرتى حتى اننى اذكر ألوان السيارات المجاورة أثناء الحدث , كذلك عرفت الماركات عندما كبرت , إحداهما فيات لونها "ليمونى" والأخرى فلوكس الخنفساء "بينك" اللون , ليس الماركات التى عرفت عندما كبرت فقط , بل عرفت ان الإنسان عبارة عن حلقة نابضة .
ومرت أيام على هذا الحدث , ونسيت , كمعظم الأطفال فى هذا السن , وما رأيته بعد ذلك كان أفظع .
كنا نلعب انا وأخى الأكبر وأختى التى تكبرنى بعام واحد مع أبناء جارتنا (باسم) و (محمد)عند مسجد السلطان حسن قبل ترميمة , وكان كالمبنى الخرب به مستنقعات , وفجأة يظهر رجل ضخم الجثة نصف عارى ولم أر منه غير نصفه العلوى غذير الشعر , وهم نحونا وخطف (محمد) ابن جارتنا , وصحنا جميعا , السفاح , السفاح , فاستيقظت من النوم على صراخ أمى وجارتنا أم (محمد) , لقد مات وهو نائم بجوارى .
لا أريد ان أطيل عليك الحديث , ولكن تبعات هذا الحدث حقا مرعبة .
سمعت أمى تقول _ انها وجارتها شعرا _ بدخول ملك الموت بيتنا , كذلك الدجاج والكلاب بالخارج , وقالت بعد أن هدأ الوضع : - قومى نُسبل أبناءنا لابد وانهما قد ماتا ., ولا أعرف من أين جاءوا بهذا الثبات وقتها .
ولم تفارق صورة هذا السفاح , او ملك الموت _على حد زعمهم_ خيالى , لقد ظل يطاردنى فى منامى وأحلام يقظتى والكثيرغير ذلك لن أذكره لأنه أصعب من ان يصدقه أحد , حتى رأيته مجددا فى بيتنا , لقد خطف أخي الأصغر (فريد) وقفز به من النافذة , فاستيقظت , وذهبت الى أمى أحكى لها , لم تفهم غير أن هناك حدثا بالغرفة التى بها أخى المريض , وسمعت صراخها الذى كنت اتوقعه , فقد مات أخى (فريد) بنفس الطريقة , ونفس المتمثل بشري , أو ملك الموت ,, إن لم يكن لك تفسيرا آخر .
عرفت بعدها أهم شئ عندما كبرت , ان الأطفال يفهمون كلام الكبار وينطقوه بنفس الطريقة , ولكن الكبار لا يفهمون لصعوبة اللهجة الطفولية.
دعنى اشرح لك شيئا آخر عن فترة منتصف السبعينيات ولا تمل أرجوك.
رغم خصوبتها فى الفكر والابداع , كانت التكنولوجيا ضعيفة للغاية , بل والكهرباء والمياه وغير ذلك , ولا يسهر لمنتصف الليل إلا الذى يريد رؤية شبح رؤى العين , وكان يرى ما سهر من أجله .
ان كنت لا تصدق هذا فاسأل مَن عاش تلك الفترة , خصوصا فى الأماكن التاريخية مثل القلعة و الدرب الأحمر و سوق السلاح بالقاهرة القديمة .
وكانت فترة الهدنة بينى وبين ما أراه من الأشياء المحجوبة عن الناس , هى فترة انتقالنا من القاهرة القديمة , الى صحراء قابلة للتعمير بجوار مقر عمل والدى , ومن الطفولة الى الصبا والاختلاط بالتلاميذ فى صفى الى خشانة الصوت و نبتة الشارب , لم أر شيئا لدرجة اننى كدت أنسى ما حدث فى طفولتى , حتى رأيت ما هو أكثر من وصفه بشبح او عفريت.
كنت عائد من عند صديق لى فى وقت متأخر , وكنت أمر بمستنقع كبير فى طريقى , وإذ بأحد الأشخاص يختصر الدوران من حول المستنقع فتبعته بالسير وأنا شارد العقل , لا أعرف لماذا ؟, وانتبهت ,, لأجد نفسى غائصا بقدمى فى الطين , والماء كاد يصل الى مفصل ساقى فرفعت عينى لأرى ذلك الشخص المعتوه , فصعقت عندما رأيت هيئة مظلمة بطول ثلاثة أمتار , وخصر ضيق وصدر بعرض متر ونصف تقريبا
كالرقم _7_ , هذا وقد حجب عنى أضواء شركة الأسمنت المجاورة , ووجدت نفسى أخر على ركبتى بالمستنقع بعد ان أغمضت عينى مستسلما.
وإذ بصوت يصل الى أذُنى : يا رجل ,, قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ,, قل بسم الله الرحمن الرحيم ,, قل الله أكبر ,, وفتحت عيونى مجددا فلم أر تلك الهيئة , وتحركت نحو مصدر الصوت , فرأيت الرجل يحدثنى وهو يتراجع للخلف , وعندما وصل الى الاسفلت وقف وسألنى عن سبب ركوعى فى المستنقع , لأعلم انه لم ير غيرى فى الحدث , وبعد ان استضافنى فى بيته القريب وحكيت له , قال لى بأن هذا الملعون مارد من الجن , وله فى هذا المكان أكثر من حادث قتيل بصدمة قلبية , وانه كان يجرنى نحو "الهيش" ليفاجئنى فأموت لولا رحمة الله التى انقذتنى هناك .
ظل هذا الرجل صديقى لفترة طويلة حتى انتقل الى مكان بعيد.
هل مللت يا صديقى ؟. " فيهز صديقة رأسه بالنفى " , إذا ,, سأقول لك لماذا أحكى ما حدث بالماضى لأن المستقبل يحمل لنا ما هو أكثر من رؤى , وأكثرمن مجرد اشباح طامحة فى التجاور معنا سكناً .
كنت أعمل بمهنة "البحث عن المتاعب" وتركتها بعد ان تحولت للبحث عن المكاسب , فأنا لم أحلم يوما بالاكتفاء المالى أو الغنى والطرف , أنا باحث عن شئ لا أعلمه أو ,, كنت لا أعلمه , حتى اعتبرت ان نوافذ عيونى هى موهبتى الحقيقية , وهنا , قررت ان أنمى تلك الموهبة , وفى خضم تلك الأحداث اليومية فى العالم الذى تحول بشكل سريع الى النقيض , أعود لأرى هجمة جنونية آتية من الجبال والوديان و المحيطات الى عالمنا المدنى , رأيتهم كأجسام أثيرية تتحرك بين البيوت بسرعة وخوف , ولا أعرف ! من أى شئ يخاف الذى يُخيف ؟ , وعندما كنت أسير بالليل كنت أشعر بأحدٍ يراقبنى , بل يهجم عليّ وألتفت بسرعة , فأشعر به وكأنه عبر من خلالى فيقشعر بدنى , رغم صلابتى وعدم إحساسى بالخوف من المخلوق الأضعف تكوينا .
وفى يوم زارنى أحدهم أثناء نومى ولا أعرف كيف تسلل الى بيتى وغرفتى وصوت القرآن يملأ البيت عن طريق الإذاعة ودار بيننا حوار :
- كيف دخلت الى هنا ؟
-- من أى مكان استطيع الدخول .
- إذن , لم يؤثر فيك صوت القرآن ؟
-- انا لا أسمع صوت قرآن في بيتك !!
- هذا الذى يصدر من الراديو .
-- يا عزيزى هذا الراديو يصدر ذبذبات غير معروفة بالنسبة لى ,, أنا لا أسمعها إلا إذا سمعتها أنت , ألم يقل لك كتابنا الكريم : بسم الله الرحمن الرحيم " وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" .
- إذن , انت ... يقاطعه الجني : - أجل, نحن أُمم أمثالكم , وحربنا مع إبليس وقبيله كحربكم معه وشياطين الانس والجن هم قبيله وأعوانه وأبنائه.
والآن , أريد أن اختصر سبب زيارتى لك لكونى على علم بجلاء بصرك وشفافية نفسك لتحذر العميان , هل قرأت سفر أشعياء من الإصحاح الثانى عشر وحتى الخامس والعشرين ؟
- نعم .
-- هل لاحظت التطابق فى رؤيا أشعياء وما حدث منذ بدايةالألفية الجديدة؟
- نعم , نجوم السماوات الجبابرة _علم أمريكا_وحلفهم , أهلكوا العراق , وخربت الشام بأيدى أسدها , وخربت مصر بجفاف نيلها حتى يأتى صاحبها ويثقب السد فى الأرض المباركة , كذلك نهاية أرض يهوذا , والكثير مما ينطبق وذكره نبى الله دانيال فى سفره الإصحاح الثامن .
-- عظيم ,, لقد اختصرت الكثير , والآن عليّ ان أخبرك بأن الجِنّة و الناس ليس بمنأى عن هذا , وأن الهلاك سيصيب البشر و الجن قبل الدول الجبارة ," فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم" لذلك فر الكثير منا الى المُدن لنعقد سلاما ونصحح مفاهيم لأقراننا من البشر.
- إذن ,, ماذا عليّ ان أفعل ؟
-- بلغ ,, ثم ,, استيقظ الآن .
فاستيقظت من غفوتى وأنا على يقين بأنه لم يكن حلما , لذلك , لا أترك فرصة للنصيحة إلا فعلت , وأنا أنصحك الآن رغم انى على علم بأنك لم تصدق أي مما سمعت.
يلتفت له صديقه بنظرة غير المندهش ويقول له : - أصدقك .
- لا يبدو عليك الاندهاش , اذن , انت لم تصدق بعد .
ينفعل صديقه : - أصدقك ,, اصدقك ,, أقسم لك بأنى أصدقك ,, أصدق بأنك رأيت روحا , وأصدق بأنك رأيت ملك الموت , وأصدق بأنك تكلم الجن و الموتى أيضا .
- أرأيت , ها أنت تنسب لى شيئا لم أذكره ولم يحدث , تقول بأنى أحُدّث الموتى .
يعود صديقه للهدوء تدريجيا ويحدثه بعقل وسعة صدر : - ألا ترى يا عزيزى (غريب الأطوار) أن لقاءنا داخل ساحة الموتى أمر فيه شئ من الريبة ؟ ينتبه (غريب الأطوار) فيرى أشهاد المقابر على مرمى بصره من كل جانب فيفزع : - إذن ,, انت ...! يقاطعه صديقه : - ميت يا عزيزى منذ زمن , دعستنى سيارة فيات ليمونى اللون فى منتصف سبعينيات القرن العشرين , ورأى روحى طفل صغير شفاف الروح يرى الأشياء ,, كل الأشياء , وكنت أنت هذا الطفل , لذلك , أنا هنا , بل , نحن , جميعنا يبحث عن الذى يرى , نبحث عن الذى ينذر قبل ان يتغير لون السماء و.... "ينظر الى السماء فيصمت قليلا ثم ينطق" لقد بدأت !.
ينظر (غريب الأطوار) نحو ما ينظر إليه صديقه فيقشعر بدنه : - وماذا عليّ أن أفعل الآن ؟
يعود صديقه بالنظر اليه مجددا : - بلغ ,, ثم ,, استيقظ الآن .
فاستيقظ (غريب الأطوار) وحذر وأنذر وبلغ , ولم يصدقه غير كل غريب أطوار , فكتب قصته المشفرة تحتوى على أكثر من سبعين بالمائة "حدث بالفعل" وأقل من ثلاثين بالمائة تزين بـ"قليل من المبالغة" .

محمد البابلى

التعليقات